الأحد 7 مارس 2021
فن وثقافة

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (16)

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (16) ومول العودة ومشهد لأطباق الكسكس بركراكة

تمكن الوباء اللعين "كورونا" من تأجيل موسم طواف شرفاء "ركراكة" برسم سنة 2020، ووقفت الجائحة سدا منيعا ضد قبائل ركراكة و الشياظمة و عبدة و دكالة وغيرهم في إحياء سنة التواصل الروحي والاجتماعي والاقتصادي.. وحرمتهم من الاحتفاء واستحضار موروثهم الشعبي وعاداتهم وطقوسهم وتقاليدهم التي ألفوا إقامتها كل سنة في فصل الربيع (بعد خروج الليالي).

 

في سفر "أنفاس بريس" والنبش في موضوع ظاهرة موسم طواف "ركراكة" الضارب في القدم، بعد الاستعانة في الحلقة الأولى ببعض المصادر التاريخية التي تناولت "السبعة رجال" والتعريف بهم، وبعلاقتهم بالمجال والإنسان، وكيف استوطنوا الأرض وقاوموا الغزاة، للمحافظة على استقرارهم وأمنهم واستمرار نسبهم، وقدمنا ملخص لمحة تاريخية عن "ركراكة" و"السبعة رجال" والسفر في زمن حروبهم وصراعاتهم مع المحتل والغزاة، وكيف استطاعت القبلية ضمان استمرارها وصولا إلى ترسيخ هذا الموسم السنوي الذي يحج له المغاربة من كل أنحاء الوطن لإحياء صلة الرحم.

لقد تقاطرت الشهادات والحكايات على جريدة "أنفاس بريس" من أفواه الفنانين والمبدعين وشيوخ العيطة وفناني الحلقة، والمنتسبين لأهالي وشرفاء ركراكة، وأبناء القبائل المنتمين لأرض "سبعة رجال"، سواء لتوضيح أو تثمين وتعزيز ما جاء في حلقاتنا السباقة بخصوص سلسلة ملفنا الإعلامي الذي اخترنا له عنوان: (مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم ) .

في الحلقة السادسة عشر من هذه السلسلة نقدم قراءة أحد الباحثين المتابعين للسلسلة والذي أمدنا بورقة في الموضوع نتقاسمها مع القراء.

لفهم ظاهرة "دور ركراكة" لا مناص للإنثربولوجي من تفكيكها من الداخل

من بين الشهادات والمساهمات التي تلقتها جريدة "أنفاس بريس" ونحن ننشر حلقات دور ركراكة الربيعي (15 حلقة)، مساهمة أحد الدكاترة الباحثين والذي أفاد بأنه "بصدد بحث معمق في هذا الموضوع"، وهو بحث بخصوص "المسيحية المبكرة "، حيث أقحم في بحثه "أهل الكهف في إطار هذه المسيحية المبكرة" وأشار إلى أن القاسم المشترك بين موضوع بحثه وموضوع سلسلة دور ركراكة هو "ما يسمى بالعقائد السَبْعيةْ (بتشديد الباء) و السَبْعيةْ هي كلمة آتية من رقم (7) سبعة".

وحسب نفس المتحدث للجريدة فإن "الأولياء أو القديسين من هؤلاء ركراكة لحْرارْ، هم أيضا سبعة يدخلون في إطار هذه المعتقدات السَبْعيةْ"، و عدد نفس الباحث خمسة مفاتيح لوضع الدور " الحج الركراكي" في سياقه التاريخي:

المفتاح الأول: دور ركراكة ظاهرة سوسيودينية

ما يقوم به هؤلاء الناس أو ما يسمى بالدور، هذه ظاهرة سوسيودينية معقدة، ولابد من وصفها من داخل الدور، و يجب على الواصف أن يكون "حاجا" مع هؤلاء الناس الذين يشكلون الموكب، وأن يصفهم من الداخل، فلا مناص للباحث الأنثروبولوجي من وصف الظاهرة من داخلها .

المفتاح الثاني: أصل تسمية ركراكة

ما يسمى بالأسطورة المؤسسة في قضية ركراكة لحْرارْ، هذه الأسطورة المؤسسة، أو إن شئت سميها القصة البدائية الأولى التي تشكل من خلالها هذا "الدور" ترجع إلى سبعة قديسين أو أولياء برابرة ذهبوا إلى مكة والرسول مازال حيا بمكة، و كانت بجانبه فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) وبدأ يتكلم معهم الرسول ...وشعر الذين كانوا يحيطون بالرسول بأن هؤلاء يتكلمون بطريقة أخرى لا يفهمونها، وهي ليست عربية بالنسبة لهم، إلا أن الرسول تكلم مع هؤلاء السبعة. وهنا قالت فاطمة الزهراء: "أن بلسانهم رجرجة"، أي وكأن لسانهم فيه اضطراب. فقال الرسول لقد "أعطيتهم إسمهم بقولك بأن بلسناهم رجرجة " وهكذا جاء إسم ركراكة من "الرجرجة" والرجرجة هي الاضطراب في الكلام.

هؤلاء القديسين أو الأولياء ركراكة، كانوا أول من تكلم لنا عن مسألة غاية في الأهمية، و هي مسألة (La Glossolalie) التي ليس لها مقابل بالعربية، وهي نوع من التكلم الغريب شيء ما، وتعني أن الإنسان بدأ يتكلم لغة وكأنها بوحي ، (أصلا لم يكن لحظة قبل يفهمها و يتكلم بها)..

لقد كشفت لنا قصة هؤلاء ركراكة لحْرارْ، على أن الرسول تكلم بالبربرية مباشرة بدون سابق تدرب على تلك اللغة، وهذه تمسى (كلوسولالي Glossolalie ) وهذا موجود أيضا عند حواريي المسيح، الذين يتكلم عنهم نص الإنجيل بأنهم أصبحوا يتكلمون لغات العالم بين عشية وضحاها، وفي رمشة عين.

المفتاح الثالث: ركراكة صحابة حديثي العهد بالإسلام

هذه الرجرجة أو الكلام الذي استعملته فاطمة الزهراء وسمته اضطرابا في اللسان، قد يكون لها مفهوما آخر ـ حسب لسان العرب ـ وهو (الجماعة الكثيرة في الحرب) وهؤلاء ركراكة تقول القصة المؤسسة عنهم، أنهم كانوا قديسين يعني أولياء وكانوا مسيحيين .

فإذا كانوا هؤلاء قديسين ومسيحيين وعايشوا رسول الإسلام، وذهبوا إليه في حياته، فعند رجوعهم إلى المغرب اعتبروا "صحابة"، ونحن نتحدث عن "الصحابة" حديثي العهد بالإسلام.. رجعوا إلى المغرب في وقت لم تقم الدولة الإسلامية الناشئة بغزواتها بشمال إفريقيا، يعني الفتوحات الإسلامية لم تقم بعد (نحن نتكلم عن العشر سنوات الأخيرة من حياة الرسول). إذا لم تكن هناك فتوحات إسلامية، و ركراكة لحْرارْ ذهبوا قبل الفتوحات الإسلامية، فإنهم كانوا مسيحيين و قرؤوا بشارات بنبوة الرسول فذهبوا للبحث عنه.

لنتصور أن أناس من المحيط الأطلسي درسوا و قرؤوا بشارات النبوة في كتاب مسيحي إنجيلي ما، تبشر برسول قادم و أعطيت لهم جميع أوصافه، وذهبوا للبحث عنه، هؤلاء الرجراجة السبع البرابرة بحثوا عن النبي المرتقب، وأنا أظن أنه كان بحوزتهم مثلا إنجيل من أناجيل "برنابة" الذي ذكر الرسول بالإسم، هكذا سماه أحمد.

المفتاح الرابع: طقس تجديدي، يجدد حياة وطقس المريد

هناك باحثين درسوا هذا الموضوع بشكل مهم ومعمق جدا، أولهم الأنثربولوجي عبد القادر مانا سنة 1984، ومن بعده سنة 1985 الأنثروبولوجي "جورج لاباساد"، وسنة 1996 الأنثروبولوجي عبد الكبير نمير، ثم يأتي في سنة 2005 الباحث الفرنسي "مانويل بينيكو"، وهو الأنثربولجي الذي يقام بدراسة هذه الظاهرة.

وقد طبقت على هذه الظاهرة مفهوم البنيوية لـ "فيكتور تورنر" سنة 1990، التي اقتبسها منه الباحث "مانويل بينيكو" وطبقها على مفهوم "ّالدور" حيث قال: "أن هناك بعد بنيوي، (ليس البعد اللغوي البنيوي عند "لفيس ستراوس".. إنه البعد البنيوي بالمفهوم البريطاني للكلمة، يعني بعد بنيوي سوسيولوجي بمفهوم الباحث "فيكتور تورنر"، طبقه وقسم حياة هؤلاء المريدين إلى حياة بنية وهي الغالبة على السنة، ثم تأتي (الكومينيتاس) وهي تعني تبعا لـ "فيكتور تورنر"، لحظة "الدور" ، وكأن هذا الدور يقوم بطقوس تجديدية تجدد الحياة وتجدد وقت المريد.

المفتاح الخامس: طقس ركراكة طقس شمسي وليس طقسا قمريا

وهو المهم جدا، حيث أن الدور الربيعي، يقام في زمن ما يسمى بلحظة (الإيكينوكس) الربيعي وجاءت الكلمة من (إيكيوس) و وتعني متساوي و (نوكتس) و تعني الليل، يعني أن الدور يقام في الفترة الزمنية خلال السنة التي تمر منها الشمس شرقا، وتغرب غربا، وهي مارة بخط الإستواء.

هذه الفترة بالضبط تسمى (الإيكينوكس الربيعي) يكون فيها زمن النهار متساو لزمن الليل، لذلك فهذا الطقس التجديدي عند دور ركراكة، هو طقس شمسي وليس بطقس قمري، ونحن نعرف أن الإسلام يتبع السنة القمرية، وهذا دليل على أن هذا الطقس هو سابق حتى على الإسلام، وسابق حتى على إسلام هؤلاء ركراكة لحْرارْ، و ربما كان طقسا شمسيا قديما حتى قبل الإسلام، واستمر بصيغته الإسلامية هكذا.