الأحد 29 نوفمبر 2020
سياسة

ماكرون والإسلام، أو كم نحن في حاجة اليوم إلى فكر الراحل عبد الهادي بوطالب؟

ماكرون والإسلام، أو كم نحن في حاجة اليوم إلى فكر الراحل عبد الهادي بوطالب؟ الحاجة لفكر الراحل عبد الهادي بوطالب للتصدي لهجوم الرئيس الفرنسي ماكرون على الإسلام

أثارت تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون حول الإسلام، عدة ردود فعل مختلفة من طرف عدد من الدول والمؤسسات الدينية في العالم العربي. وهكذا، فقد صدر عن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، بيان نشره في صفحته الرسمية، يستنكر هذه التصريحات والاتهامات الباطلة التي لا علاقة لها بصحيح هذا الدين الذي تدعو شريعته للسماحة بين جميع البشر حتى من لا يؤمنون به، مشيرا إلى أن خطاب ماكرون "يدعم خطاب الكراهية ويأخذ العالم في اتجاه من شأنه أن يقضي على المحاولات المستمرة للوصول بهذا العالم إلى مجتمع يرسخ التعايش بين أبنائه ويقضي على التفرقة والعنصرية".

 

وبجانب الأزهر الشريف، قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إنه "من الوقاحة وقلة الأدب أن يتحدث الرئيس الفرنسي عن إعادة هيكلة الإسلام؛ مضيفا بأن الاعتداء على المسلمين بات أحد أهم الوسائل التي يستخدمها السياسيون الأوروبيون من أجل التغطية على فشلهم" حسب وصفه.

 

ويأتي هجوم الرئيس التركي على ماكرون وبيان الأزهر الشريف على خلفية التصريحات التي صدرت عن الرئيس الفرنسي الذي أعلن مؤخرا "أن الإسلام ديانة تعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم، مشيرا إلى أن الإسلام يحاول خلق منظومة موازية لإحكام سيطرته في البلاد" كذا مشددا على أن هذه الأزمة "أزمة عميقة مرتبطة، بالتوترات بين الأصولية والمشاريع الدينية والسياسية التي تؤدي إلى تصلب شديد للغاية" مضيفا، "أن على الدولة الفرنسية مكافحة الانفصالية الإسلاموية التي تؤدي في نهاية المطاف إلى تأسيس مجتمع مضاد".

 

ويتضح من هذا أن ماكرون لا يفرق بين الدين الإسلامي كدين محبة وتسامح وتعايش، حيث كما يقول الأستاذ أحمد الريسوني، فإن الأزمة تكمن في الجهل بمبادئ الإسلام والحقد عليه وعلى أمة فهي إذن أزمة فهم وأزمة أخلاق.

 

والملاحظ أن الرئيس الفرنسي، يحكم على الدين الإسلامي من خلال بعض المظاهر أو الممارسات الفردية أو الجمعية التي هي نتاج عدد من العوامل والأسباب، حيث يمكن القول أن "الأزمة" ليست في الإسلام، ولكنها أزمة بعض المسلمين أو المحسوبين على الإسلام وأزمة السياسات الغربية التي حاولت أن تجعل من الإسلام عدوا، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، حيث تم تحويل الصراع بين الشرق والغرب، إلى صراع بين الغرب والإسلام لكي تنتعش السياسات الإمبريالية في مجالات الإعلام والصناعات العسكرية والتدخلات الأجنبية كما حدث في العراق، أو لكي يؤدي ما سمي "بالفوضى الخلاقة" التي رحبت بها كونداليزا رايس إلى تدمير عدد من الدول العربية في المشرق العربي ومغربه، تحت مسمى "الربيع العربي".

 

وهكذا فعلى ماكرون، أن يبحث في ما يسميه بالأزمة في سلوك الحكومات الفرنسية تجاه المهاجرين الذين حاصرتهم في الضواحي بدون أن تفتح لهم المجال لاندماج حقيقي، وأن يبحث عنه في السلوك الغربي تجاه القضية الفلسطينية، وأكثر من هذا أن يبحث عنه في استمرار الاستغلال لخيرات الأمة العربية والإسلامية في ظل استعمار جديد أكثر تأثيرا على حياة الأفراد والشعوب من الاستعمار المباشر الذي ما زالت آثاره حية على واقع عدد من الأمم والشعوب في القارة الأفريقية.

 

إن الجواب على تصريحات السيد ماكرون لا ينبغي أن تظل حبيسة البيانات والتصريحات، بل بقدر ما تطرح على الغرب أن يعيد النظر في ممارساته وسياساته تجاه الدول العربية والإسلامية، تطرح على العرب والمسلمين بالمقابل، أن يقترن سلوكهم السياسي والثقافي والاجتماعي، بما يحمله الإسلام من قيم ومبادئ، لأن ما يجعل صورة الإسلام تهتز في العالم، هو سلوك وسياسات الحكومات العربية والإسلامية المتناقضة مع هذه القيم والمبادئ.

وفي هذا الاتجاه يتطلب من الأمة الإسلامية، أن تجتهد أكثر، حكومات ومؤسسات، لمواجهة كل الحملات التي تقوم على مناهضة الدين الإسلامي، لأن هذه المناهضة ليست بريئة، كما عليها أن تتصدى لكل المحاولات والمبادرات والمواقف والسياسات، التي تستغل الإسلام لحسابات سياسيوية ظرفية أو مصلحية، هكذا على العالم الإسلامي أن يواجه من جهة كل الحركات المتطرفة التي تتحرك باسم الدين الإسلامي وتستعمل العنف في محاولة يائسة لفرض نموذج في الحكم لا علاقة له بالإسلام، الذي يقوم على الشورى أي على الديمقراطية وحرية الاختيار.. كما عليه كذلك، أن يواجه كل الأحزاب التي توظف الدين لتحقيق مآرب سياسية أو انتخابية، إن الدين ينبغي أن يظل بعيدا عن السياسة، لنحفظ له حرمته وقدسيته وأن لا ندخله في سجالات انتخابوية ضيقة، إن تديين السياسة خطر على المجتمعات، لأن السياسة فعل بشري ويحتمل الخطأ والصواب، بينما الدين ممارسة روحية ضابطة للعلاقة بين الخالق والمخلوق، وليس بين الحاكم والمحكوم.

 

على ضوء هذا، وعلى ضوء تصريحات الرئيس الفرنسي، نؤكد مجددا على ضرورة تصحيح صورة الإسلام لدى الرأي العام العالمي وهي مهمة، ليست بالمستحيلة. وفي هذا الإطار نعود إلى الأستاذ الراحل عبد الهادي بوطالب، إلى فكره ومواقفه حول "حقيقة الإسلام" التي تضمنها كتاب يحمل هذا الاسم، كما تضمنته كتب أخرى ومقالات متنوعة مازالت لها راهنيتها. في مقدمة هذا الكتاب "حقيقة الإسلام" يشرح ويفسر لماذا هذا الكتاب، وما هي الأهداف المتوخاة منه. ومما جاء في هذه المقدمة "يكاد يكون للإسلام -كلما جرى ذكره على أي لسان أو قلم- مفهوم مغاير. حتى لقد يبدو في شكل إسلامات أو نزعات لا تلتقي في حد مرسوم.

 

ومرد ذلك إلى أن الإسلام يعاني من جهله من لدن الكثير، وحتى من عدد من المسلمين أنفسهم، أو من تعمد البعض تقديمه على غير حقيقته، أو من كون خصومه قد وضعوا له مسبقا في أذهانهم صورة مشوهة، ثم أخذوا يجهدون فكرهم في التذرع بالمبررات التي يتصيدونها من خلال تشريعاته التي حرفوا فيها الكَلِم عن مواضعه، وأخرجوا بعض نصوصها عن سياقها، فصوروا الإسلام في صورة الدين الجامد، الحقود المتطرف، الداعي للعنف، وبالتالي فالتشبث والدعوة إلى العودة إلى ينابيعه في عصر التطور والتقدم رجعية ممقوتة ونكسة إلى الوراء.

 

وهذا الكتاب مساهمة متواضعة لتقديم الإسلام في صورته الحقة: صورة الإسلام المسالم الذي تطبع تعاليمَه الرحمة والعدل، وتناهض العنف والعدوان وقتل النفس بغير حق، وتدعو إلى التعايش السلمي بين الديانات والحضارات والمجتمعات على اختلاف خصوصياتها.

 

إسلام يعترف بالآخرين، ويمد إليهم يد التعاون، ويريد أن يقيم معهم مجتمع الفضائل على أساس "عولمة" الإنسان الذي كرمه الله وجعله خليفته فوق الأرض لإعمارها وتدبير أمرها بالعدل والقسطاس.

 

إننا آثرنا أن نترك الإسلام في هذا الكتاب يقدم نفسه بنفسه، بما زخرت به فصول الكتاب من آيات وأحاديث تعرف بالإسلام الحق وتبرز صورته المشرقة.

 

لم نتدخل نحن بالسعي إلى تأويل النصوص الواردة فيه بما يخدم الدعوة إلى الإسلام، فالكتاب ليس رسالة دعوة للدخول في الدين الإسلامي، كما أنه ليس كتاب بحث جامعي حافل بالدراسات، وإنما هدفه التوصل موضوعيا وباقتضاب إلى التعريف بالإسلام بدون تعصب ولا تجاف للحقيقة.

 

وقد عُني هذا الكتاب خاصة باقتحام جملة من "المؤاخذات" التي يأخذها على الإسلام من يجهلونه أو يتجاهلونه أو يتعمدون الإساءة إليه، سعيا لكشف زيف تلك المؤاخذات ووضع الأمور في نصابها.

 

إننا نريد أيضا أن نؤكد على الدور الذي لعبه الأستاذ عبد الهادي بوطالب في الدفاع عن صحيح الإسلام أو ما يسميه إسلام التيسير وليس التعسير، لقد لعب الفقيد هذا الدور، أولا لأنه من خريج جامعة القرويين عالما علامة بل الأكثر من هذا، فقد درس بهذه الجامعة وكان أصغر الفقهاء، وقد زاوج في دراساته ومعارفه واهتماماته، بين الشريعة والفقه وبين العلوم العصرية الحديثة في مجال القانون والسياسية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدفاع عن الإسلام الصحيح، قد تقاطع مع تحمل الأستاذ عبد الهادي بوطالب لمسؤولية الأمانة العامة للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "الإيسيسكو" وهي مسؤولية تزامنت مع انتصار الثورة الإيرانية وبروز ما سمي آنذاك بالصحوة الإسلامية، حيث خاض الأستاذ عبد الهادي بوطالب في الدفاع عن قضايا الإسلام المعاصر وجعل من الإيسيسكو، فضاء للحوار بين الثقافات والحضارات وإطارا لإبراز مضمون ومحتوى الإسلام باعتداله وتوازنه، بعيدا عن الصراعات المذهبية والإعلامية عبر الفضائيات التي تحول البعض منها إلى أسواق للترويج لخطاب ديني غير الخطاب الرصين والموضوعي.

 

من هنا نقول، نحن بحاجة إلى فكر الأستاذ الراحل، لأن من المفروض أن تقتدي به وبغيره من فكر مستنير كل المؤسسات لتحمل مسؤوليتها كاملة في الدفاع عن الإسلام الصحيح، مؤسسات رسمية أو شعبية، والدفاع عن الإسلام، يكون بالسلوك السياسي أولا وبالسلوك الإعلامي والثقافي والاجتماعي، لإعادة الاعتبار لقيم ديننا الحنيف قيم التسامح والإخاء والتعايش، وبهذا نكون قد واجهنا ماكرون وغيره الذي يخلط بين سلوك الأفراد أو بعض المجموعات وبين الدين الإسلامي البريء كل البراءة من هؤلاء الذين يصفهم ماكرون بالانفصاليين أو الانعزاليين داخل المجتمع الفرنسي، لأن عزلة هؤلاء، إذا كانت صحيحة، فلا علاقة لها بالإسلام، ولكن لها علاقة مباشرة بأزمة المجتمع الفرنسي الذي يقولون عنه، أنه مجتمع متعدد الأعراف والديانات التي تتعايش مع بعضها في ظل العلمانية.

 

إذن على الفاعل السياسي في عالمنا العربي والإسلامي أن يأخذ تصريحات ماكرون بعين الاعتبار، حيث يمكن القول، بأن الغرب يحاول من جديد اليوم، تعليق مشاكله على مشجب الدين الإسلامي، وهذا ما ينبغي الانتباه إليه حتى لا تنحرف الأشياء على مسارها الصحيح.