البيرة، دير البلح - خاص: شاركت عشرات الشخصيات الفلسطينية في مناقشة العوامل التي أعاقت تبلور تيار وطني ديمقراطي فلسطيني قادر على شق مسار جديد في الكفاح الفلسطيني في مواجهة تحولات المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني الإبادي، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني الديمقراطي الموحد، وأسباب فشل التجارب السابقة لتشكيل تيار ثالث في ظل اتساع الفجوة ما بين الجمهور الفلسطيني والقيادة والقوى السياسية، كما طرحوا مقاربات عدة لطبيعة هذا التيار وهويته، ودوره في استنهاض المشروع الوطني الجمعي، وكسر حدة الاستقطاب الثنائي الحاد في الحياة السياسية الفلسطينية.
وكان المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية - مسارات نظم يوم السبت المنصرم ورشة حوارية موسعة بعنوان "التيار الثالث... التحديات والآفاق المستقبلية"، جمعت مشاركين/ات بحضور وجاهي في مقري المركز في مدينتي البيرة ودير البلح، وعشرات المشاركين/ات عبر تقنية الزووم. وشهدت نقاشاً معمقاً وثرياً حول ضرورة وإمكانية بناء تيار وطني ديمقراطي جديد في ظل الأزمة الفلسطينية الراهنة، خاصة في ظل التحولات الكبرى بعد السابع من أكتوبر 2023 وما تلاها من حرب إبادة جماعية في قطاع غزة، وتصاعد سياسات الضم والاستيطان والاعتداءات في الضفة الغربية، بما فيها القدس.
وقد قدم هاني المصري، مدير عام مركز مسارات عرضا لأهداف ومحاور الورشة، بالإضافة الى تشخيص لأسباب تعثر المحاولات السابقة لإنهاء الانقسام وبناء تيار ذي وزن ثالث مؤثر. وأشار إلى أن الانقسام لم يكن مجرد خلاف عابر، بل تحول إلى منظومة مصالح متراكمة، مدعومة بعوامل خارجية وسياسات الاحتلال الإسرائيلي. وأكد أن المخاطر الوجودية التي تواجه القضية الفلسطينية اليوم تجعل من بلورة تيار وطني ثالث أمراً أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وشدد المصري على أن "التيار الثالث" المنشود ليس محصوراً باليسار أو أي فصيل بعينه، بل هو تيار وطني ديمقراطي واسع عابر للجغرافيا والفئوية الحزبية، يستخلص العبر من التجارب السابقة، ويكسر الاستقطاب الثنائي، ويقدم حلولاً واقعية للمأزق الفلسطيني الراهن. وقد أكد على أن دور مركز مسارات ليس تشكيل وبناء التيار الثالث ولا يملك أجندة لقيادته، إنما ينحصر دوره في تسهيل الحوار والبحث وتوفير بيئة للنقاش البنّاء بين مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني.
وشهدت الورشة مداخلات قيمة من المشاركين/ات الذين أجمعوا على أن الحاجة إلى تيار ثالث أصبحت ملحة وليست اختيارية، حيث أشاروا إلى أن الانقسام الفلسطيني لم يعد مجرد خلاف سياسي بل تحول إلى منظومة تعيق استنهاض المشروع الوطني وتعمق الفراغ القيادي الخطير. وأكدت المداخلات أن هذا التيار يجب أن يتسع لكل الفلسطينيين بمختلف انتماءاتهم وليس لفئة محددة أو حزباً معيناً.
وطرحت مقاربات عدة حول طبيعة هذا التيار وكيفية بنائه. فبينما رأى البعض أنه يجب أن يكون تياراً ديمقراطياً يستخلص الدروس من التجارب السابقة ويبنى من الأسفل إلى الأعلى بمشاركة جماهيرية حقيقية بعيدا عن الفصائل السياسية، رأى آخرون أنه يجب أن يكون تعبيرا عن برنامج نضالي يستند إلى قوة الشعب الفلسطيني وشرعية منظمة التحرير والفصائل السياسية. وأشارت بعض المداخلات إلى ضرورة أن يكون هذا التيار واقعياً وليس نخبوياً، بينما طرح آخرون أسئلة حول ما إذا كان يجب أن يكون امتداداً للقوى اليسارية والديمقراطية أم حركة وطنية جديدة تماماً.
وركزت عدة مداخلات على العلاقة بين التيار الثالث والفصائل القائمة. فبينما رأى البعض ضرورة الانفصال الكامل والاستقلالية التامة عن حركتي فتح وحماس، رأى آخرون أن التيار الثالث يجب أن يتعامل بواقعية مع الوضع القائم ولا يقطع جسور الحوار مع الأطراف الأخرى. وأشار متحدثون إلى أن الواقع السياسي والعسكري يفرض على أي تيار جديد أن يأخذ في الاعتبار موازين القوى الحالية وألا يتجاهل الدور الذي تلعبه هذه الفصائل. كما طرحت عدة أفكار حول أولويات التيار الثالث وبرنامجه، حيث ركز البعض على الصمود والحماية الشعبية في مواجهة الإبادة والاستيطان والتهجير، بينما ركز آخرون على ضرورة بناء قيادة جماعية ديمقراطية وإعادة بناء الحركة الوطنية بشكل جذري. كما نوهت مداخلات أخرى إلى أن البرنامج الوطني لأي تيار يجب أن يكون واقعياً ومرحلياً بدلاً من الطموحات العالية التي أثبتت فشلها في الماضي.
وطرح المداخلات أسئلة مهمة حول دور مكونات المجتمع المدني مثل النقابات والجامعات والمبادرات الشبابية والنسوية في بناء التيار الثالث. وأكد البعض على أن هذه المؤسسات يجب أن تكون رافعة ضغط حقيقية وليس مكملاً تجميلياً، بينما أشار آخرون إلى أن مؤسسات المجتمع المدني نفسها تعاني من تشتت وعدم توحد، مما يتطلب إعادة نظر جذرية في كيفية تنظيم وتفعيل هذه المؤسسات. وأكد البعض على أهمية دور المرأة والشباب، لكنهم اختلفوا حول طبيعة هذا الدور وما إذا كان يجب أن يكون جزءاً متساوياً من القيادة أم حركات مستقلة تعمل بالتوازي مع التيار الثالث.
ورغم تباين الآراء، اتفق المشاركون على عدد من النقاط الأساسية، حيث أجمعوا على أن الوضع الفلسطيني الراهن يتطلب خروجاً جذرياً عن السياسات السابقة وليس مجرد تعديلات، وأن أي تيار جديد يجب أن يكون جماهيرياً وليس نخبوياً. كما أكدوا على أن التعددية السياسية ضرورية وليست رفاهية، وأن الشعب الفلسطيني يحتاج إلى خيارات متعددة تعكس تنوع المجتمع الفلسطيني. وأجمع المشاركون على أن المجتمع المدني والمؤسسات الأهلية يجب أن تلعب دوراً محورياً في بناء هذا التيار، وأن الحوار الداخلي والنقد الذاتي ضروريان لتجاوز الأخطاء السابقة.
أكد المركز على أن هذه الورشة ليست نقطة نهاية بل بداية حوار وطني شامل، وأنه سيستمر في تنظيم لقاءات وفعاليات لتعميق النقاش وتحويل الأفكار إلى سياسات عملية قابلة للتطبيق.
مصدر عن موقع مسارات
