لم تكن ذكرى 11 يناير هذه السنة مجرد استعادة طقوسية لمحطة من محطات الذاكرة الوطنية، بل جاءت – في سياقها السياسي والرمزي – كتمرين جماعي على تحويل التاريخ من مادة للاحتفاء إلى رافعة للفعل. فحين يختار حزب الاستقلال أن يخلد الذكرى الثانية والثمانين لوثيقة المطالبة بالاستقلال تحت شعار “مغرب صاعد بإرادة شباب واعد”، فهو لا يكتفي بإحياء الماضي، بل يراهن على المستقبل بوصفه امتدادًا طبيعيًا لذلك الفعل التأسيسي الذي حرر الوطن وفتح أفق الدولة.
في هذا المعنى، بدت كلمة نزار بركة، الأمين العام للحزب، وكأنها تعيد قراءة الوثيقة لا بوصفها نصًا تاريخيًا منجزًا، بل كفكرة مستمرة: فكرة أن الاستقلال ليس لحظة تُغلق، بل مسار يتجدد، وأن السيادة لا تُختزل في الجغرافيا وحدها، بل تشمل الاقتصاد والغذاء والطاقة والمعرفة والماء، أي كل ما يجعل الدولة قادرة على حماية قرارها وخياراتها.
من وثيقة 1944 إلى وثيقة التعادلية سنة 1963، ومن المشاركة في المسيرة الخضراء إلى المساهمة في صياغة الدساتير، ظل حزب الاستقلال يقدم نفسه كحزب الدولة الوطنية، لا بمعناها السلطوي، بل بوصفها مشروعًا مجتمعيًا متدرجًا، تتقاطع فيه الحرية مع العدالة، والسيادة مع التنمية. غير أن الجديد في خطاب هذه السنة هو وضع الشباب في قلب هذا الامتداد التاريخي، لا كفئة مستفيدة، بل كقوة مؤسسة لمرحلة جديدة.
حين يُقال إن وثيقة الاستقلال صنعت جيل التحرير، فإن ميثاق 11 يناير للشباب يراد له أن يصنع جيل البناء. جيل لا يكتفي بالمطالبة، بل يتحمل مسؤولية الإنجاز، ولا يختبئ خلف الأعذار البنيوية، بل يحول الإكراهات إلى فرص. هنا لا يعود الشباب موضوع خطاب، بل يصبح فاعله الرئيسي: شريكًا في التعاقد السياسي والأخلاقي، ومسؤولًا عن تحويل المبادئ إلى سياسات، والشعارات إلى نتائج ملموسة.
الرهان الأساسي في هذا الميثاق لا يكمن فقط في عدد الموقعين عليه، بل في فلسفته العميقة: الانتقال من ثقافة الريع إلى ثقافة الاستحقاق، ومن منطق الامتياز إلى منطق تكافؤ الفرص، ومن اقتصاد المضاربة إلى اقتصاد الإنتاج. وهو رهان ينسجم مع الروح التي حملها الخطاب الملكي ليوم 31 أكتوبر 2025، حين جرى التأكيد على أن مرحلة جديدة قد بدأت، وأن لا مستقبل لمنطق ما قبلها، سواء تعلق الأمر بتدبير الثروة أو توزيع الفرص أو حماية القدرة الشرائية للمواطن.
في هذا السياق، يكتسب الحديث عن السيادة معنى أوسع: سيادة غذائية تحمي الأمن الاجتماعي، وسيادة طاقية تحرر القرار الاقتصادي، وسيادة تكنولوجية تجعل المغرب فاعلًا لا تابعًا، وسيادة مائية تضمن الحق في الحياة قبل أي اعتبار آخر. وهي كلها رهانات لا يمكن أن تنجح دون إشراك الشباب في تصورها وتنزيلها، لا كزينة خطابية، بل كعقول مبتكرة وأيدٍ منتجة.
الميثاق، في جوهره، ليس برنامجًا انتخابيًا جاهزًا، بل أرضية أخلاقية وسياسية لصناعة هذا البرنامج. إنه وعد بأن التعليم لن يبقى أزمة مؤجلة، وأن الصحة لن تظل امتيازًا طبقيًا، وأن التشغيل لن يبقى شعارًا بلا أدوات، وأن القدرة الشرائية لن تُترك رهينة المضاربات. لكنه في الآن نفسه امتحان حقيقي: فالتعاقد لا يكتمل بالتوقيع، بل بالوفاء.
الرسالة الأعمق التي خرجت بها هذه الذكرى هي أن التاريخ لا يحيا بالاستحضار وحده، بل بالفعل. وأن الشباب، إذا كانوا ورثة وثيقة الاستقلال، فهم مدعوون اليوم ليكونوا صناع وثيقة المستقبل. مغرب “السرعة الواحدة” الذي جرى الحديث عنه لن يتحقق بالخطابات وحدها، بل بإرادة سياسية صادقة، ومشاركة شبابية واعية، وقدرة جماعية على تحويل الذاكرة إلى مشروع، والمشروع إلى واقع.
هكذا، لا يعود 11 يناير مجرد تاريخ في الروزنامة الوطنية، بل يتحول إلى سؤال مفتوح: كيف نجعل من روح الاستقلال قوة دافعة للاستقلال التنموي؟ وكيف نجعل من الشباب، لا وقود الحملات، بل مهندسي المرحلة؟ الجواب لن يُكتب في الخطب، بل في السياسات، وفي الجرأة على القطع مع الرداءة، وفي الإيمان بأن المستقبل، فعلًا، يُصنع ولا يُنتظر.
