الاثنين 12 يناير 2026
منبر أنفاس

يوسف أبو وطفة: تقدير موقف.. غزة بين إعادة الإعمار وتفكيك المقاومة

يوسف أبو وطفة: تقدير موقف.. غزة بين إعادة الإعمار وتفكيك المقاومة يوسف أبو وطفة

هذه الورقة من إعداد يوسف أبو وطفة، ضمن إنتاج أعضاء "منتدى الشباب الفلسطيني للسياسات والتفكير الإستراتيجي" الذي يشرف عليه مركز مسارات.

مقدمة

أقر مجلس الأمن الدولي، في 17 نونبر2025، مشروع القرار الأميركي 2803، الذي يدعم اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، والذي جرى التوصل إليه وفق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنقاطها العشرين، وحصل المشروع على تأييد 13 دولة، في حين امتنعت روسيا والصين عن التصويت.

وجاء القرار استنادًا إلى الاتفاق المبرم بين حركة حماس وإسرائيل في 9  أكتوبر 2025، بوساطة قطرية ومصرية وتركية، إلى جانب الولايات المتحدة باعتبارها ضامنًا للاتفاق الذي جرى بموجب مفاوضات شرم الشيخ في مصر.

أنجزت المرحلة الأولى مهمتها الأكثر حساسية والمتمثلة في تسليم الأسرى، في مقابل تنصّل الاحتلال من التزاماته، ولا سيما الإنسانية منها، أما الانتقال إلى المرحلة الثانية فيبدو أكثر تعقيدًا، نظرًا إلى حساسية بنودها وغموض تفاصيلها، وما يترتب عليها من بدء الانسحاب الإسرائيلي والشروع في إعادة الإعمار، وهي استحقاقات يجري ربطها ببند "نزع السلاح"؛ ما يطرح تساؤلات بشأن المرحلة الثانية وإمكانية الوصول إليها في ظل تضارب التفسيرات وتباين المواقف.

في المقابل، تحدث الجيش الإسرائيلي بشكل واضح أنه لا إعمار في غزة قبل نزع سلاح حماس وتفكيكها تمامًا في غزة، وهو ما يعكس صعوبة المشهد المنتظر في القطاع خلال الفترة المقبلة.

وبات ملف السلاح أحد محددات وملامح المرحلة الثانية التي ستستخدمها إسرائيل لعرقلة اتفاق وقف إطلاق النار وخطة الرئيس ترمب، خصوصًا مع تصاعد وتيرة الخروق الإسرائيلية منذ بداية الاتفاق، التي وصلت إلى أكثر من 800 خرق وفقًا لرصد حركة حماس.

تسلسل زمني: المفاوضات أداة إسرائيل للحرب

في صباح 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، شهدت الساحة الفلسطينية – الإسرائيلية تحوّلًا إستراتيجيًا غير مسبوق، عقب تنفيذ فصائل المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، عملية عسكرية داخل المستوطنات والقواعد العسكرية الإسرائيلية المحيطة بقطاع غزة، مثّلت خرقًا جوهريًا لمنظومة الردع الإسرائيلية، وأحدثت صدمة أمنية وعسكرية وسياسية داخل إسرائيل.

ردّت إسرائيل بحرب إبادة على قطاع غزة، استخدمت فيها كل أنواع الأسلحة، وفرضت حصارًا كاملًا شمل قطع الكهرباء والمياه والوقود، في محاولة لتحقيق أهداف معلنة تمثلت في "تدمير حماس"، واستعادة الردع، وأهداف غير معلنة تتعلق بإعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني في القطاع.

في المقابل، وبعد فتح باب التفاوض بين حركة حماس وإسرائيل عبر الوسطاء القطريين والمصريين، تُظهر المعطيات أن إسرائيل استخدمت المفاوضات سلاحًا في حرب الإبادة، حيث سعت إلى فرض وقائع محددة تتمثل في استعادة الأسرى فقط دون وقف الحرب، في حين سعت حماس إلى وقف الحرب مقابل صفقة أسرى شاملة.

وفيما يأتي تسلسل للأحداث:

- بدأت المفاوضات بهدنة إنسانية محدودة أواخر نونبر 2023، قُدِّمت بوصفها استجابة إنسانية، لكنها استُخدمت عمليًا أداة ضغط للتلاعب بالتنفيذ، لتنتهي بنجاح جزئي في التبادل ثم انهيار سريع للتهدئة.
- مع مطلع 2024، انتقل المسار إلى صيغ أوسع، أبرزها إطار باريس، الذي تضمّن تهدئة أطول وتبادلًا أكبر، غير أن المقاومة ربطت أي تقدم بوقف شامل للحرب وانسحاب كامل، وهو ما أفشل المبادرة بسبب غياب الضمانات الملزِمة، خصوصًا في قضيتي الانسحاب وعودة النازحين.
- في ماي 2024، طُرح المقترح القطري – المصري باعتباره أول هيكل متكامل متعدد المراحل، وافقت عليه المقاومة، بينما رفضته إسرائيل بالتزامن مع توسيع عملياتها العسكرية، في مؤشر واضح على رفض أي صيغة تُنتج أثرًا سياسيًا ملموسًا.
- في غشت 2024، عقدت مفاوضات الدوحة التي اتسمت بتفصيل تقني وأمني معقّد (فيتو إسرائيلي، وبقاء عسكري، ورقابة وإبعاد)، ورأت فيها المقاومة محاولة لتقنين الاحتلال وتحويل الملف الإنساني إلى أداة إذعان، فانتهت بالفشل.
- تكرّس التعطيل في دجنبر 2024 بشأن شرط البقاء في محور فيلادلفيا، والخلاف على هوية الأسرى، ليصبح هذا المحور عائقًا بنيويًا أمام أي انسحاب شامل.
- في يناير 2025، أُعيد إحياء صيغة (3 في 42 يومًا)، وجرى التوصل إلى اتفاق مرحلي، لكن الاحتلال سرعان ما استأنف عملياته بذريعة تفاصيل تنفيذية، فيما عكس تنصّلًا من استحقاقات المرحلة التي تقود إلى وقف الحرب، وحصر التزامه في هدف تقليص ملف الأسرى فقط.
- أخيرًا، جاء اتفاق شرم الشيخ، في أكتوبر 2025، بعد فترة وجيزة من فشل محاولة اغتيال قيادة حماس في الدوحة، ليتم الوصول إلى صفقة ترمب، التي قامت على مرحلتين أولى وثانية، قبلتها المقاومة في وقت كانت إسرائيل تتوقع رفضها، وانقضت المرحلة الأولى بالتزام حديدي من الفصائل الفلسطينية وتلاعب إسرائيلي في البنود كافة.

اللاعبون الأساسيون في المشهد

أولًا: الولايات المتحدة

تطرح واشنطن خططًا موازية تحت الطاولة للتعامل مع ملف السلاح الخاص بحركة حماس وغزة، عبر السعي إلى اتفاق مع إسرائيل لإنشاء مناطق خضراء وأخرى حمراء تشبه إلى حد ما الفقاعات الإنسانية، تعيد من خلاله هندسة القطاع جغرافيًا وديمغرافيًا للفصل بين المناطق الخاضعة لسيطرة حركة حماس والمناطق المسيطر عليها دوليًا في وقت لاحق.

ويجري العمل حاليًا – بحسب التقارير – في مركز التنسيق المدني العسكري الموجود في مستوطنة كريات جات جنوبي الأراضي المحتلة، حيث تقود واشنطن تشكيلًا متعدد الجنسيات للتخطيط للمشهد الجديد داخل غزة.

ثانيًا: إسرائيل

تسعى لمنع أي سياق يعيد الشرعية لحماس أو المقاومة المسلحة، وتربط إعادة الإعمار بتجريد القطاع من السلاح، وتطبيق آليات رقابة صارمة يتحكم فيها الإسرائيلي بالسيطرة الأمنية في غزة، حتى مع وجود القوة الدولية المزمع تشكيلها خلال الفترة المقبلة، عبر أطراف إقليمية ضمن ما يعرف بالقوة الدولية تارة واحتفاظها بالسيطرة الأمنية تارة أخرى، علاوة على عدم الانتقال إلى المرحلة الثانية قبل استكمال تسليم آخر جثة لأحد الجنود الإسرائيليين وربط المرحلة بالاتفاق مع إدارة ترمب قبل بدء التنفيذ.

واللافت في هذا السياق حديث نتنياهو الواضح عن تنفيذ هذه المرحلة والولوج بها من دون التطرق إلى التفاصيل التنفيذية التي تبدو غير واضحة الملامح حتى اللحظة، لا سيما مع حالة التشكيك الإسرائيلية فيما يتعلق بالقوة الدولية التي يرى فيها نتنياهو أنها غير قادرة على نزع السلاح.

ثالثًا: السلطة الفلسطينية

تنطلق مقاربة السلطة الفلسطينية تجاه قطاع غزة من محاولة استعادة دورها السياسي والإداري عبر مظلة الشرعية الدولية، غير أن جوهر هذا التوجه يصطدم مباشرة بعقدة السلاح. فالسلطة، التي تفتقر إلى أدوات القوة الذاتية في القطاع، تتبنى عمليًا رؤية تقوم على حصر القوة المسلحة ضمن إطار "الشرعية الرسمية"، بما ينسجم مع المتطلبات الأميركية والإسرائيلية المتعلقة بنزع سلاح الفصائل أو تحييده.

وهذا المطلب أكده الرئيس محمود عباس في أكثر من خطاب بشأن: "سلاح واحد، وسلطة واحدة، والاعتراف بالاتفاقيات الدولية"، والسعي إلى إجراء انتخابات شاملة وفق اشتراطات مسبقة.

رابعًا: مصر وقطر ودول عربية وإسلامية

تتعامل مصر وقطر وعدد من الدول العربية مع مسألة السلاح في غزة بوصفها ملفًا شديد الحساسية، وتسعى إلى مقاربة "ضبط الصراع" بدلًا من حسمه، فهي لا تتبنى خطاب نزع سلاح المقاومة بشكل مباشر، لكنها في الوقت ذاته تعمل على احتواء استخدامه، ومنع تحوله إلى عامل انفجار إقليمي دائم.

وتتمحور جهود هذه الأطراف حول فصل المسار الإنساني وإعمار القطاع عن الاشتراطات الأمنية الصلبة، أو على الأقل تخفيف حدّتها، إدراكًا منها أن فرض ترتيبات تتعلق بسلاح المقاومة خارج إطار التوافق الوطني الفلسطيني سيقود إلى عدم استقرار طويل الأمد. من هنا، تحاول هذه الدول القيام بدور الوسيط الذي يمنع تفجير ملف السلاح دون حسمه، حفاظًا على توازنات إقليمية دقيقة.

وجاء في الخطة المصرية عن ملف السلاح الوارد في بند الأمن: "تظل معضلة تعدد الجهات الفلسطينية الحاملة للسلاح، وهو أمر من الممكن التعامل معه، بل إنهاؤه للأبد، فقط إذا تمت إزالة أسبابه من خلال أفق واضح وعملية سياسية ذات مصداقية تعيد الحقوق إلى أصحابها".

خامسًا: حركة حماس وفصائل المقاومة

تتعامل حماس وفصائل المقاومة مع ملف السلاح باعتباره جوهر الصراع وليس أحد تفاصيله، وترى في النقاشات الدائرة عن "اليوم التالي" محاولة لإعادة إنتاج أهداف الحرب بوسائل سياسية. فالمقاومة تعتبر أن أي مسار يربط الإعمار أو إدارة القطاع بنزع السلاح أو تحييده يمثل امتدادًا لمشروع استهدافها إستراتيجيًا بعد فشل الحسم العسكري.

وبناء عليه، تتمسك الفصائل بسلاحها باعتباره ضمانة الردع الأساسية، وترفض إدخاله في أي مساومة سياسية أو أمنية، مؤكدة أن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تُبنى على معادلة القوة التي أفرزتها المواجهة، وعلى اعتراف ضمني بدور المقاومة بوصفها فاعلًا مركزيًا في المشهد الفلسطيني، لا ملفًا أمنيًا قابلًا للتصفية.

القوة الدولية: نزع سلاح أم قوة استقرار

يشهد ملف القوة الدولية تعثرًا ملحوظًا في ظل عدم وجود دول كثيرة مستعدة للمشاركة، وانسحاب دولة منها مثل أذربيجان، بعد أن أعلنت سابقًا استعدادها للمشاركة بها، في حين نص القرار بشكل واضح على "إنشاء قوة استقرار دولية مؤقتة في غزة تعمل تحت قيادة موحدة بالتنسيق مع مصر وإسرائيل من مهامها تجريد غزة من السلاح وحماية المدنيين وتدريب الشرطة الفلسطينية".

وإلى جانب ذلك، يبرز الرفض الإسرائيلي لمشاركة تركيا في القوة الدولية، مع استعداد أنقرة المسبق للمشاركة على خلفية المواقف المتبادلة بين البلدين خلال حرب الإبادة على غزة، في حين تتخوف دول عدة من المشاركة في القوة خشية الاشتباك المستقبلي مع المقاومة الفلسطينية.

ما سبق يعكس أن ما يجري حاليًا مع حزب الله في لبنان فيما يتعلق بالتعامل مع ملف السلاح وعمليات القصف والاستهداف التي تطال قياداته الميدانية أو ما يعرف بمخازن السلاح والمواقع والمقرات، قد يتكرر على الساحة الفلسطينية في غزة فيما يتعلق بسلاح المقاومة الفلسطينية، خصوصًا مع فشل عملية نزع سلاح الحزب إلى الآن، والتلويح الإسرائيلي المتكرر بشن عملية جديدة، في ظل وجود كوابح أميركية لمثل هذا الأمر والحفاظ على الحد الأدنى من التصعيد، وسط رفض الحزب العلني الاستغناء عن سلاحه واعتباره ملفًا داخليًا.

وهو الموقف الفلسطيني ذاته للمقاومة الفلسطينية التي تعلن باستمرار أن السلاح هو سلاح فلسطيني يمكن تسليمه في حالة واحدة فقط وهي إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود 1967، وأن يكون ضمن سلاح الدولة الفلسطينية.

خاتمة

لم يشكل قرار مجلس الأمن رقم 2803 مدخلًا للحل بشأن إعادة إعمار غزة أو نزع وتفكيك سلاح المقاومة الفلسطينية، خصوصًا بعد تباين المقاومة بين جميع الأطراف، على الرغم من التعديلات التي أدخلت في مرتين على مشروع القرار.

ومع طرح واشنطن فكرة إجراء عملية إعمار في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية وتقسيم قطاع غزة إلى قسمين، فإن هذا المشهد لا يبدو واقعيًا، خصوصًا أن عملية الإعمار مرتبطة بتوفر الظروف المواتية من الناحية الأمنية والاجتماعية والاقتصادية.

ما سبق يفتح الباب أمام محاولة تثبيت التحكم الإسرائيلي في شكل القطاع ومستقبله، والإبقاء على الواقع القائم حاليًا مع عمليات عسكرية إسرائيلية ذات طابع محدود وخاص على شكل عمليات اغتيال، من دون الدخول في حرب مفتوحة على غرار حرب الإبادة واستنزاف الفلسطينيين اقتصاديًا وتدمير مزيد من البنية التحتية.

علاوة على ذلك، فإن مصير القوة الدولية لن يساهم في حل هذا الملف، بل قد يعقد المشهد إذا ما شاركت دول غير صديقة للمقاومة، وقد تتحول إلى قوة احتلال جديدة تقف عقبة أمام عمليات إعادة الإعمار، حيث لم ينص البروتوكول التشغيلي للقوة بوضوح على عدم احتكاكها مع الجمهور الفلسطيني، أو اضطلاعها في مهمات سينتج منها تماس مباشر مع الفصائل، ما سيؤدي إلى تعميق الأزمة، وقد تتحول إلى قوة رديفة للاحتلال تقف عقبة أمام الإعمار واستكمال الانسحاب الإسرائيلي.

 

مصدر عن موقع مسارات