الأحد 11 يناير 2026
كتاب الرأي

عبد السلام بنعبد العالي: في اللعب

عبد السلام بنعبد العالي: في اللعب عبد السلام بنعبد العالي

يبدو، في الظاهر، أن اللعب مجرد ترف، تسلية للوقت، راحة بين فترتين من العمل، توقف عن الفعل، مجرد نشاط موجّه للأطفال. لكن، كلما اقتربنا منه، لمسنا أنه أكثر من ذلك أهمية وانتظاما وجدية.

في كتابه "الإنسان اللاعب" (Homo Ludens)، يذهب يوهان هويزينغا (Johan Huizinga) حتى أن يجعل اللعب مكونا أساسيا في نشأة الثقافة، بل إنه يرى أن للعب سبقا على الثقافة، لأنها لا تنشأ إلا ضمن شروطه: من قواعد، وتكرار، وحرية وانفصال عن الواقع.

فما يميز اللعب، أولا، هو الحرية: اللعب لا يفرض فرضا، بل إنه يفقد طبيعته لحظة يفرض. ثم هو يتميز بلاواقعيته، فاللعب يفترض دوما "عالما آخر" موازيا للواقع، لكنه غير تابع له. وهو لا يتم اعتباطا، وإنما بالخضوع لقواعد، فلا لعب من دون قواعد محكمة، لكن الخضوع لها يكون عن طواعية، القواعد تقبل من الداخل وليس إكراها. كما أنه يتميز بمحدوديته الزمنية والمكانية: اللعب يبتدئ عند نقطة وينتهي عند أخرى. وهو لا يجري أنى كان وكيفما اتفق، وإنما له شعائره الخاصة وأوقاته المعينة وفضاؤه المحدد (الملعب، الرقعة، المسرح...).

لعل أكثر ميزات اللعب أهمية هي جديته، الطفل الذي لا يأخذ اللعب مأخذا جديا، ولا يحترم القواعد يطرد من اللعب ويقصى منه. يجعل نيتشه استعادة المرء للجدية التي كان يبديها أثناء لعبه في الطفولة علامة على نضجه، فـ"نضج المرء هو أن يستعيد الموقف الجدي الذي كان يستشعره عند اللعب أثناء الطفولة". إلا أن جدية اللعب جدية "غير جادة"، جدية ساخرة: اللعب جد يائس، جد بلا نتائج نهائية، أو سخرية عميقة من الحياة الجدية. في اللعب يتجلى نوع من "الجدية الحرة".

لا يحول هذا، في طبيعة الحال، دون كونه يظل نظاما دقيقا يعمل وفق قواعد، نظاما خاصا بالإنسان. فوحده الإنسان، الكائن الواعي، يستطيع أن يعرف أنه يلعب حين يلعب، على عكس الحيوان الذي "يلعب" رضوخا للضرورة العمياء لغريزته. بل إن اللعب مجال يحقق فيه الإنسان إنسانيته فيكتسب، عبره، الطبيعة (أو الهوية) التي يحرمه منها عدم اكتماله الذاتي. ينبغي أن لا تكون شيئا ثابتا كي تلعب دور ما ستصبحه، وأن تكون "لا أحد" كي تشعر بالحاجة لأن تكون "شخصا". بهذا المعنى، كل إنسان هو شخصية في كوميديا يكتب نصها بينما هو يؤديها، و"يمثلها" تمثيلا.

 

عندما نتعلم نسيان أننا نلعب، نلعب أن لا نلعب. وهذا ما يجعل من اللعبة شغفا مصطنعا

عندما نلعب، غالبا ما نتناسى أننا نلعب. غالبا ما نلعب أن لا نلعب. يكتب نيكولا غريمالدي: "عندما نتعلم نسيان أننا نلعب، نلعب أن لا نلعب. وهذا ما يجعل من اللعبة شغفا مصطنعا". هلوسة اللعب هي ضرب من الجنون المتعمد، حلم يقظ يلعب، بكامل وعيه، أن لا يكون واعيا بذاته. لكن، من خلال مفارقة غريبة تجعل المتكلف جذابا للغاية، تزداد قوة اللعب استحواذا كلما كان واعيا بذاته. يضيف غريمالدي: "اللعبة هي لعبة مزدوجة. رغم علمنا أننا نلعب، نلعب أن لا نعلم ذلك. من خلال وضع خدعة غريبة، حيث معرفتها لا تقلل من المشاعر المصاحبة لها، يظهر الوهم الطوعي للعب كطريقة اهتدى إليها الإنسان ليعرف متى يحول رغباته ومخاوفه إلى حقائق".

حين نقول "نلعب أن لا نلعب"، فإن هذا يعني أننا نندمج في اللعب حد الذوبان، نكف عن اعتباره هامشا ونعيشه كـ"حقيقة كاملة"، في كرة القدم، أو في رقعة الشطرنج، أو في عرض مسرحي... ما إن نبدأ، حتى ننسى أن هناك عالما خارج القواعد، فننساق في اللعبة كأنها الواقع ذاته، بل كل الواقع.

وهكذا فغالبا ما يغدو اللعب "أكثر جدية من الحياة". ألا نرى اللاعبين في الملعب وهم يتقاتلون كما لو أن العالم يتوقف على نتيجة مباراة؟! أو الطفل الذي ينهار بالبكاء لأن أحدهم "خرق القاعدة". هذه "الجدية" ليست ضد اللعب، بل هي شرطه الداخلي.

بهذا المعنى فإن الغش في اللعب ليس قبيحا لأنه غير أخلاقي، بل لأن من يغش يظهر، بخداعه، أنه أخذ اللعب مأخذ الجد، وأنه قد انغمس فيه، فأقصى نفسه ولم يعد يلعب. من يغش يخرق ميثاق اللعبة السري، من يغش "ينخرط في اللعب، إلا أنه يبتعد عنه و"يطرد نفسه خارجه": إنه "يلعب" خارج القواعد، لكنه، في العمق، يكشف أنه لا يلعب "اللعب"، بل يلعب "الربح" والانتصار وجني فائدة. فهو بذلك ينكر طبيعة اللعبة بوصفها مجالا للعب، ويحولها إلى صراع واقعي، إلى نتيجة، إلى غاية وفائدة تجنى من وراء لعبة خارجة عن القواعد، لعبة خارج اللعب.

ما الذي يفسده الغش إذن؟ ليس القاعدة فحسب، بل الجوهر غير المكتوب للعبة: مع الغش، ينكسر العالم الطفولي السحري، عالم اللعب، لتحل الحياة بكل ثقلها.

من يغش يبطل السحر ويفسده، لأنه يعترف به كحقيقة، وينزع عن اللعب سحره، فيغدو ما هو مسرحي واقعيا، وما هو متخيل تنافسا. آنئذ ينسى اللاعب أنه كان ينسى أنه يلعب. وبذلك يسقط في الجدية المغشوشة، جدية من لا يعرف أن "الجد نفسه كان لعبة". من يغش في اللعب يخطئ، لا لأنه يخالف القاعدة، بل لأنه يفضح أن للعبة وزنا واقعيا لم يكن له أن يظهر. إنه يكسر التواطؤ الذي يجعل اللعب لعبا، ويفرغ اللعب من مكوناته الأساسية: التظاهر، التمثيل، النسيان.

ذلك أن اللعب يحتاج إلى "إيهام بالواقع"، لكنه واقع يعرف أنه غير الواقع.
إنه يحتاج إلى أن يظل بين-بين: بين الحقيقي والمتخيل، بين الجد واللهو، بين الانخراط والمسافة، بين الرضوخ والتحرر.

لذا، فحينما يفهم اللعب كنسيان للعب، يصير هو ذاته استعارة كبرى للحياة. ربما كان الفرق بين اللعب والحياة لا يتمثل إلا في كون الحياة لا تعرف أنها لعبة. ربما كانت الحياة سلسلة أدوار ننسى أننا نلعبها، فنؤديها بجد حقيقي في لعبة لا أحد يعرف قواعدها بالكامل! في مونولوغ شهير من مسرحية "كما تحب" (As You Like It)، يقول شكسبير: "العالم كله مسرح، وليس الرجال والنساء إلا لاعبين فيه، لكل دخوله وخروجه، وبين الاثنين حياتنا، حيث نلعب عدة أدوار".

عندما نأخذ اللعب مأخذ الجد نفقده قدرته على أن ينمي موهبة السخرية من كل أعراض صعوبة العيش. اللعب يعطي الحياة قابلية للهضم، ليس لأنه ينفي ألمها، بل لأنه يحوله إلى مادة للخيال، مادة قابلة للمسافة. السخرية ليست مجرد ضحك، بل شكل من النجاة، كما أن اللعب ليس مجرد لهو، بل شكل من التحرر من جد لا يطاق.

لذلك، فما إن نصبح "جديين" تجاه اللعب، نحاكمه بقواعد خارجية (كالمردودية، أو الكفاءة، أو النتيجة)، حتى يتحول إلى صورة أخرى من الشقاء. ولعل هذه من أعظم وظائف اللعب: أن يعلمنا "أخذ المسافة"، يعلمنا السخرية من الهالة الزائفة التي نحاط بها، الهالة التي نكسو بها السلطة، الهوية، العمل، الشقاء، بل وحتى الموت، لا لنبطلها، بل لنتنفس خارجها، ولو للحظة.

خطر اللعب ليس، كما اعتقد روسو، أن يذوّب الحقيقة في ألعاب الأقنعة، بل على العكس، أن تصبح المحاكاة حقيقة، أن تنتج الحركات المتكررة الهوية التي تزيفها. ليس الخطر في أن تلعب فتتلاشى الحقيقة تحت قناع، بل في أن تكرر القناع حتى يصير وجها. ليست الأقنعة هي ما نخافه، بل ما نخشاه هو أن نصدقها.

إذن، ليس المطلوب أن نكف عن اللعب، بل أن نبقي في اللعب شيئا من اللعب: أن لا نثق تماما في الأقنعة، أن نحتفظ بمسافة، أن نتقن "فن المسافات"، فن اللاجدية الجادة. وربما من أجل ذلك، يكون علينا أن نلعب مع حرصنا أن لا نبلغ نقطة يتحول فيها لعبنا إلى مجرد جد، وهي النقطة التي يفقد فيها اللعب مرونته وخفته وقابليته للانفكاك، النقطة التي نفقد فيها المسافات فنخسر عندها كل شيء.

عن مجلة: المجلة