خلال خمسٍ وعشرين سنة، ظل الغاز الجزائري يسافر من منبعه باتجاه السوق الأوروبية، وخاصة منها السوقَان الإسبانية والبرتغالية، مروراً بالتراب المغربي، من جنوبه إلى شماله الشرقيَّيْن، تاركاً في طريقه بضع ملايين من الأمتار المكعبة تستعملها دولة العبور، المملكة المغربية، لتشغيل مركزين اثنين لتوليد الطاقة الكهربائية بشمال المملكة وشرقها، مضافاً إلى ذلك رسومُ العبور التكميلية، التي لم تكن مرتفعة بشكل لافت، واستمر الأمر على هذا النحو... "ومريضنا ما عندو باس" !!
لكن بمجرد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في أواخر أيام عهدته الأولى، سنة 2020، عن اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء "الغربية"، أدرك السُّعارُ عَجَزةَ الموراديا، الذين لم يجدوا ما يَردّون به على ذلك الإجراء الأمريكي "المُهين للسيادة الوطنية الجزائرية"، على حد زعمهم وإدراكهم لمفهوم السيادة (!!!) سوى الركون سويعات طفيفة إلى داخل أقبية نادي الصنوبر الحمراء، حيث "الكاس يدور ليلَ نهار"، ليخرجوا من طَفْحِ سُكْرهم اليومي بقرار إقفال البابلاين المغاربي العابر للأراضي المغربية، ليس كإجراء سياسي أو دبلوماسي يروم الضغط والدفع باتجاه مراجعة ذلك القرار الأمريكي، الثابت رغم اعتقاد كابرانات الموراديا بآنيته ومرحليته وقابليته للمراجعة والإلغاء، وإنما بدافع رغبة دفينة في رؤية الجار المغربي وهو يعيش في الظلمة بلا غاز ولا كهرباء، حتى أن وسائل الإعلام المراحيضي الرسمية وغيرها، بذلك البلد، خرجت بمجرد دخول قرار قطع الغاز عن الأنبوب المغاربي حيز التنفيذ، وهي تتفكّه أمام العالم بالواضح وبكل اللغات، على ما وصفته بالمغاربة "المضطرين إلى العيش في ظروف العصر الحجري"، كما قال تلفزيونهم الأشد رداءةً من عقول مُسَيِّريه والمتحكّمين في خطه التحريري، ولم ينتبهوا في فورة شطحاتهم وعربدتهم إلى أن المغرب لا يُشبه الجزائر في شيء، لأنه بمجرد إقفال هذه الأخيرة لضخ غازها عبر الأنبوب المذكور، سُرعانَ ما أدخل المغرب عليه تحويراتٍ شكليةً جعلته في وقت قياسي ينقلب على رأسه ويشرع في ضخ الغاز في الاتجاه المعاكس، من إسبانيا باتجاه المغرب، وبذلك ربح المغرب أنبوباً من البابلاين تقدر تكلفة إنجازه بعشرات الملايين من الدولارات، وربح في الوقت ذاته إمكانية تموينٍ طاقِيٍّ، في الاتجاه المعاكس، بالغاز الضروري لاستمرار تدوير توربينات محطتَيْ التوليد الكهربائي، سالفتَي الإشارة، دون أن تتوقف هاتان المحطتان عن وظيفتهما ولو لدقائق أو ثوانٍ، لأن العقل المغربي كان قد استبق الحدث وخطط لاحتمال قطع الضخ من جهة الجزائر، لأنه يعرف تمام المعرفة "مع مَن حشرنا الله في الجوار"، وبالتالي فقد كان ما وقع متوقَّعاً بكل تفاصيله وجزئياته !!
ولأن عجزة الموراديا لم يستوعبوا الأمر، ولم يكونوا يتصورون انقلابه بتلك السرعة والفاعلية القياسيتَيْن، فإنهم لم يجدوا للتّوّ ما يفعلونه سوى إطلاق وابلٍ من التهديدات المضحكة تجاه إسبانيا، متوعّدين إيّاها بوقف تزويدها بالغاز في حالة تحويلها لأيّ جزء منه مهما قلّ حجمه باتجاه المغرب، ولم يفطنوا في غمرة سَكرتهم، من شدة الصدمة، إلى أن المغرب كان قد أعدّ مُسْبَقاً سيناريوهاً مُحكَماً لتأمين تزوّده بالغاز، بمجرد وقف العمل بالاتفاق المغربي الجزائري، الذي كان آنئذ قد أشرف على نهايته!!
وبهذا، فالغاز الذي صار بعد ذلك سيأخذ طريقه من إسبانيا إلى المحطتين الكهربائيتين المغربيتين لم يكن مصدره جزائرياً البتّة، بلكان قد أمّنه مُموّنون آخرون تدافعوا فيما بينهم لتعويض الغاز الجزائري، الذي كان يقتطعه المغرب لقاء مرور البابلاين المغاربي عبر ترابه الوطني !!
هكذا انقلب السحر على الساحر، ووجدت الجزائر نفسها مضطرة إلى البحث مع زبائنها الإسبان والبرتغاليين خصوصاً، والأوروبيين عموماً، عن سُبُلٍ أخرى من الطبيعي أنها جعلت الغاز الجزائري أكثر غلاءً، وبالتالي أقل طلباً، مما دفع بلداناً إوروبيةً غيرَ قليلةٍ إلى البحث عن مُموّنين آخرين غير الجزائر، مثل روسيا وأمريكا ودولة قطر... وبهذا فإن الحفرةُ الجزائرية، التي أعدّها عجزةُ الموراديا لإسقاط الاقتصاد المغربي، صارت بين يوم وليلة مفتوحةً على مصراعيها لجرّ الاقتصاد الجزائري دون غيره إلى أعماقها، وبذلك اكتشفنا، والعالم من حولنا، إلى أي حد تدهور الاقتصاد الجزائري من جراء ذلك الإجراء وحده، حتى أن سعر الدينار بذلك الجار نزل إلى حضيضٍ لم يعرفه أبداً من قبل !!
مناسبة عودتي إلى الحديث عن هذا الموضوع، أن الأخبار التي نزلت خلال أواخر السنة المنصرمة إلى الساحة الإعلامية، جاءت لتُنبئَنا عن محاولات جزائرية مستميتة، ولكنها يائسة، من أجل جعل أوروبا وأمريكا تتدخلان لإعادة فتح أنبوب البابلاين المغاربي وإعادة ضخ الغاز الجزائري من خلاله كما كان عليه الأمر في السابق، أقصد، قبل إقفاله التعسفي والعدواني من جانب واحد، غير أن الأخبار ذاتها أتت لتُحدّثَنا عن ردٍّ مغربي صادمٍ وصارم: "لا حاجة لنا بالغاز القادم من دولة لا يعرف حكامها معنى الالتزام في شُقيه الاقتصادي والاجتماعي، وكذلك في بُعده الإنساني والأخلاقي، فبالأحرى السياسي والدبلوماسي... دولة لا تقيم وزناً لأي قيمة من القيم أو مبدإٍ من المبادئ المتوافَق عليها دولياً، رغم تشدُّق وتبجُّح رئيسها في كل خطاباته المضحِكة/المُبكية بتمسكه بالقانون الدولي، وإرادة المجتمع الدولي... وإن هي إلا أسماء أثبتت التجربة اليومية أن ذلك الرئيس لا يفهم معناها فبالأحرى أن يُدرك أبعادها وما ترتبه من المسؤوليات والالتزامات، على صعيد الدول التي تحترم نفسها، فتفرض بذلك احترامَها من لدن كل شركائِها والمتعاملين معها في كافة المجالات... عجبي !!!
محمد عزيز الوكيلي، إطار تربوي متقاعد

