الاثنين 24 يونيو 2024
في الصميم

من ينقذ "مول الحانوت" ضد  كانيباليزم "مرجان" و"كارفور" و"بيم"؟!

 
 
من ينقذ "مول الحانوت" ضد  كانيباليزم "مرجان" و"كارفور" و"بيم"؟! عبد الرحيم أريري
أذكر خلال مرحلة طفولتي بحي البرنوصي بالبيضاء أن «مول الحانوت» كان هو الضامن للاستقرار الاجتماعي.
 
لن أنسى المرحوم «بلفاضل»، صاحب «الحانوت» بالمارشي المجاور لدربنا (بلوك 134 بالبرنوصي). كان والدي- رحمة الله عليه- يمسك دفترا «ذهبيا» عند بلفاضل (كنا ونحن صغار نناديه سي فاضل) وهو دفتر خاص ب «الكريدي». لم نكن «هازين الهم» لأي مشكل. فإذا كنا في حاجة للدقيق كنت أذهب للحانوت عند سي فاضل وآخذ ما أريد. إذا كنا في حاجة «للبوطا» كان سي فاضل يسلمها لي. إذا كنا محتاجين للزيت أو الزبدة أو العدس أو الشعرية، فـ «سي فاضل» يناولني كل ما أطلبه «بلا ريال بلا جوج».
 
كان المرحوم سي فاضل يدون كل شئ في «الدفتر الذهبي»، وفي نهاية الشهر يسلمه المرحوم والدي ما تراكم من ديون لتصفية «التركة»، وتفتح صفحة أخرى للشهر الموالي، وهكذا دواليك.
 
لم نكن وحدنا نحظى بـ «حساب مفتوح» عند حانوت سي فاضل، بل كل سكان دربنا يملكون دفترا «للكريدي»، عنده أو عند التجار المجاورين، بل وكان معظم سكان الأحياء الشعبية بالمغرب يعتمدون في التموين اليومي على «مول الحانوت». لدرجة تولدت لدي قناعة - مع مرور السنين وتجذر النضج - أن التاجر الصغير بالمغرب ساهم وما زال يساهم من حيث لا يدري، في الاستقرار الاجتماعي بالمغرب. فالجندي المرابط بالحزام الأمني  مطمئن أن أبنائه لن يموتوا بـ «الجوع» مادام في دربه تاجر صغير. والأرملة المنسية تعي أن أهم آلية يمكن أن تعتمد عليها لتدبر ما تسد به رمقها في انتظار «الفرج» هو «مول الحانوت».  المستخدم البسيط، كما الموظف الصغير، يعلمان أن أجرتهما لن تكفيهما لتحمل مصاريف الشهر فيلجآن الى «مول الحانوت» إلى حين حلول «راس الشهر».
 
ووفاء لهذا الجميل، ورغم أني أحمد الله لكوني لست في حاجة اليوم لـ «دفتر ذهبي»، فقد أقسمت منذ عقود أن لا أقتني حاجياتي التجارية إلا من عند «مول الحانوت». ولم يسبق لي أن توجهت ل «مرجان» أو «كارفور» أو «بيم» أو «ماكرو» (التقادو) أو غيرها من المحلات التجارية الكبرى التي تسرطنت في مدننا، للتبضع. إن لم تخني الذاكرة ذهبت بضع مرات، ليس للتبضع من هذه المحلات الكبرى، بقدر ما أصطحب في كل مرحلة أحد أبنائي لإشباع فضولهم  وللمقارنة فقط مع النسيج التجاري.
 
أعتبر «مرجان» و«كارفور» و«بيم» و«أتقادو» وغيرها من العلامات، «بحال الحكومة»: مجرد «مضخة» لمص دمائنا لفائدة اللوبيات والشركات الكبرى.
 
وبحكم ما نشاهده من زحف متواصل لهذه المتاجر الكبرى  المحظوظة والمسنودة بحكومة تجار المال، أخاف أن يأتي يوم وتنزع هذه المتاجر الكبرى الروح من أحيائنا وتشرد ملايين «مالين الحانوت»، بسبب كانيباليزم «مرجان» و«كارفور» و«بيم» وغيرها من الشركات العظمى.