الاثنين 19 أغسطس 2019
ملفات الوطن الآن

الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في مأزق كبير بسبب فضيحة التمويل الخارجي

الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في مأزق كبير بسبب فضيحة التمويل الخارجي

 

هل كان وزير الداخلية محمد حصاد ينطق عن الهوى حين وجه، يوم الثلاثاء 15 يوليوز 2014، اتهامات صريحة لمكونات من المجتمع المدني بالعمل ضمن «أجندة خارجية»، وبتلقي أموال من أجل التشهير بسمعة المغرب، والتشويش على الجهد الرسمي المبذول من أجل مكافحة الإرهاب؟ هل صدر الاتهام في مسعى رسمي يهدف إلى الهروب إلى الأمام، وإلى تعليق الشماعة على الآخرين، كما ترى ذلك الجمعيات الحقوقية المعنية بالموضوع؟ أم أن الأمر يعبر عن لحظة جديدة طفح فيها الكيل بالسلطات العمومية لتعلن من تحت قبة البرلمان عن صك الإدانة؟

في معرض صياغتنا لجواب حول هذه النازلة، يهمنا أن نتساءل، من موقعنا الإعلامي، ومن وضعنا كمواطنين حول الوضع الاعتباري الخاص بالجمعيات الحقوقية، حول وظيفتها المجتمعية، ومدى وفائها لمواثيقها التأسيسية التي تجعلها نظريا العين الساهرة على تطورات الوضع الحقوقي، والمراقبة لديناميته العامة.

إننا باستعادة متأملة لأنشطة هذه الجمعيات، المتنوعة من حيث الروافد والانتماءات والفعاليات، سنجد فعلا أن هناك جمعيات حقيقية قد تمكنت بالملموس من تعزيز مسار أوضاعنا الحقوقية بما هيأ للمغرب الناهض مكتسبات كبرى، سواء على مستوى إنضاج الترسانة التشريعية الوطنية ذات الصلة بالموضوع، أو على مستوى التحسيس اليومي بأهمية الشأن الحقوقي، ورهانات المواطنة، وبتفعيل شرط الشراكة مع الدولة والمجتمع، للرقي بمغرب الحقوق والحريات، وللانتقال به من وضع الانحصار إلى فضاءات الانفتاح، مع ما قدمته هذه الحركة الحقوقية من تضحيات ومعاناة كلفتها الشيء الكثير. لكن المتتبع للشأن الحقوقي بالمغرب يسجل بالمقابل وجود جمعيات أخرى توجه لها اتهامات بكونها تسبح في مجرات مختلفة، بممارسات وأفكار تخل أدبيا وأخلاقيا بالمواثيق التأسيسية، وتسيء حقيقة إلى ما ينجزه المغرب، بمختلف مكوناته الرسمية والشعبية، من تقدم مطرد في مجال حقوق الإنسان.

ذلك ما سنحاول إبرازه في هذا المف انطلاقا من زاويتين:

ـ الأولى تهم أساسا الوضع الاعتباري le statut للجمعيات الحقوقية، بشكل عام، الذي يحتم على أن تقوم هذه الجمعيات بدورها المدني النزيه في رعاية الوضع الحقوقي، بتجرد عن أهواء التجاذبات السياسية والنقابية. وهذا بالضبط ما يعرف في الأدبيات الحقوقية بضرورة مراعاة الثابت باعتباره الجوهر الحقوقي، ومراعاة المتحول باعتباره تجليا موضوعيا للاستقطاب الممارس على مستوى عمل الأحزاب، ومقتضيات هذا العمل وخصوصيته على مستوى العلاقات بين الأحزاب، وبينها والدولة. وهذا العنصر (التمييز بين اشتراطات الثابت والمتحول) هو ما يشكل دائما قوة الحركة الحقوقية، ويصون ممارستها من الأهواء والاعتبارات الوقتية، ويصلب مصداقيتها في الداخل والخارج. في هذا الإطار يتبين أن جزءا من المكونات الجمعوية المغربية، خاصة تلك المنتمية إلى اليسار الراديكالي، وفي مقدمتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، قد أوضحت بالملموس أن نهجها الثابت، على مستوى أرض الواقع، هو ممارسة السياسة من داخل حقوق الإنسان. الأمر الذي يجعل أحكامها على ما يحدث في المجال الحقوقي، من تقدم أو انتكاس، مرتهن إلى المرجعية السياسية، ممثلة في حزب النهج الديمقراطي الذي صار يحتكر الجمعية، ويوجه بوصلتها في التفكير والممارسة. وبهذا الارتهان، القائم أساسا على الطعن في شرعية النظام، وفي شرعية الأحزاب الديمقراطية التي تتبنى استراتيجية العمل السياسي من داخل النسق لإنضاج النسق، ترسم الجمعية المغربية لحقوق الإنسان صورة سوداء لما يجري، صورة تتفه المكسبات، مهما كانت قيمتها الجزئية أو الكلية، لأنها تراها إما مجرد ماكياج اصطناعي يروم تبييض صورة النظام، أو مجرد مؤامرة تحيكها الدولة والأحزاب لإفراغ ما تعتبره «المضمون الثوري» للحركية المجتمعية، وللنضالات الجماهيرية، إلى غيرها من المعجم القديم المتصلب منذ زمن الستينات والسبعينات في القرن الماضي.

أما الزاوية الثانية فتتأسس على ما سبق، حيث يتقدم التحليل نحو التجسيد الصارخ. ذلك أن الجمعية تجد نفسها باختياراتها الخاصة بالتباس العلاقة بين الثابت والمتحول خارج المجتمع الذي بنى كل منعطفاته التاريخية بالمنطق الذاتي، القائم على جدل التوافق والصراع بين المؤسسة الملكية والقوى الوطنية والديمقراطية، بدءا من ثورة الملك والشعب ثم مواصلة تحرير التراب الوطني، وبرهان التناوب فيما بعد وما رافقه من فتح الملفات الكبرى، وضمنها ملف سنوات الرصاص، وانتهاء بالمعالجة السلسة لأوضاع ما يعرف بالربيع العربي.

إن الجمعية، إذ تكفر كل مسارات التحول تلك، والتي قدم من خلاله الديمقراطيون والحقوقيون تضحيات كبرى، لتجد نفسها في مواجهة ثوابت البلاد الكبرى: ضد الملكية، وضد الوحدة الترابية، وضد المشترك العقائدي للمغاربة. وإلا فكيف يمكن أن نفسر إقدام الجمعية على مناصرة الانفصالين بدعوى الانتصار للمنظومة الكونية لحقوق الإنسان، وعلى مناصرة أديب ونعمة ولمطالسي وزكريا المومني وأمثالهم، وعلى فبركة شهادات مواطنين تزعم بممارسة التعذيب الممنهج داخل مقرات السلطة؟ وبعد كل هذا وذاك ألا يحق أن نتساءل مرة أخرى: ماذا تربح الجمعية المغربية بمناصرة أفراد معدودين على أطراف الأصابع مطعون في ذمتهم مقابل مخاصمة أكثر من ثلاثين مليون مغربي آمنوا بوحدة التراب الوطني، وأدوا من دمهم ومالهم ما يحقق النهضة الاقتصادية والاجتماعية هناك في الصحراء؟ وماذا تربح حين تغلب الجانب السياسي على الجانب الحقوقي، وبدون أدنى تقدير لما يتحقق من تقدم ولو جزئي؟ وفي المجمل ماذا تربح حين يتحقق حلمها على خسارة المغرب على جميع الواجهات؟

إن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهي تتصرف في مالية يقدرها الوسط الجمعوي في مبلغ يتراوح بين 150 مليون و200 مليون درهم. من حق المغاربة أن يعرفوا كيف تصرف ومن أين جاءت حتى لا تتحول قضية حقوق الإنسان إلى "أصل تجاري" للمتاجرة في قضايا شعب باسم هذه الحقوق.

فالجمعية المغربية تتمتع بصفة المنفعة العامة، والعادة أن الجمعيات المستفيدة من هذه الصفة تعزز المسارات الكبرى التي تنخرط فيها السياسات العمومية وتهتم بالقضايا العامة التي لها علاقة بكل ما هو اجتماعي وثقافي واقتصادي وتنموي دون أن تكون في خصومة مع الدولة أو المجتمع، في حين أن الجمعية المغربية حازت هذه الصفة مع العلم أن شرط وجودها هو نسف كل مقومات الدولة من دين ووحدة ترابية وملكية.

كل المؤشرات تدفع المراقبين إلى التأكيد على أن للأمر تفسيرا واحدا: مصادرة حق المغرب الطبيعي في النماء ولو بالتعثر أحيانا، والتناغم مع الأصوات الشاذة في الخارج، ومع المساعي التي تريد إشغال المغرب عن مواصلة بنائه الديمقراطي والحداثي، علما أن خيار البناء الديمقراطي وترسيخ الحريات داخل ضوابط دولة القانون والمؤسسات يشق طريقه وليس الجمعية المغربية هي التي جاءت به حتى تمنى به على الدولة والمجتمع. ولأن لا شيء بالمجان، فمن واجب المغاربة أن يتساءلوا حول ثمن هذه «الخدمة»، وحول «دفتر التحملات» التي يجعل مثل هذه الهيئات الجمعوية تتلقى المال، وبالملايير من أجل القيام بدور يبقى مثار تساؤلات مقلقة. بل من حق المغاربة أن يكونوا على علم بالمبالغ الخيالية التي حصلت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وإعطائهم الأرقام ومصدرها مع تحديد المستفيد من هذه المبالغ سواء داخل الجمعية أو غيرها علما أن الجميع يعرف نمط عيش المغاربة.

ربما أن الأمر يهم مبالغ خيالية (Mirobolantes) فإن التساؤل يتعاظم حول الكيفية أو الغطاء الذي يخول لسفارات أجنبية معتمدة بالرباط أن ترمي المال الوفير هكذا وتغدق هذا الكم الهائل من الدولارات والأورو على الجمعية المغربية لحقوق الإنسان. وهل هو سخاء مرتبط بأجندة خاصة لسفارات هذه الدول أم جهل من سفرائها لقوانين المملكة. خاصة إذا استحضرنا إمساك هذه السفارات عن صرف درهم واحد في مشاريع اجتماعية وتنموية تعود بالنفع الواسع على المسحوقين من الشعب المغربي يالذين هم في أمس الحاجة إلى المساعدة والسخاء.

القلق يتعاظم باستحضار أن الجمعية لم يسبق لها أن نشرت بيانات مالية شفافة تبرز مصدر هذه الملايير المتقاطرة من إسبانيا وهولندا والنرويج والدانمارك وفنلندا والمريكان والكاطالان. بل لم يسبق أن سلطت الجمعية كشافات الضوء على السؤال المركزي: لماذا تحظى الجمعية بنفس طرق وآليات التمويل التي تحظى بها البوليزاريو من طرف بعض الدول خاصة من فنلندا والنرويج؟

الجواب عن السؤال هو الكفيل لتحديد من هو المختطف بالمغرب: هل الضحايا الوهميين أم الجمعية المغربية هي المختطفة في حد ذاتها؟

 

"روبيني" السفارات الأجنبية الذي يمطر مالا غزيرا على الجمعية

 

أحمد الهايج، رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان

 

وزارة الداخلية اتهمتنا لتكون لها اليد الطولى في انتهاك حقوق الإنسان

 

فند أحمد الهايج، رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، كل الاتهامات التي وجهها وزير الداخلية، للجمعية بشأن مصادر التمويل الأجنبي من كونه يخدم أجندة ما. وربط المسؤول الحقوقي خرجة الوزير بكونها دعوة مبطنة من الوزارة والأجهزة الأمنية للحصول على شيك على بياض لانتهاك حقوق الأفراد. وبخصوص مزاعم تعرض أفراد للاختطاف تبث فيما بعد أن ذلك غير صحيح، برر الهايج موقف الجمعية بكونها قامت بواجب التبليغ وفق الضوابط المتعارف عليها في العمل الحقوقي كونيا

 

- توجدون الآن في قلب عاصفة التمويل الأجنبي والذي اعتبره وزير الداخلية في تصريحه الأخير بالبرلمان بأنه (أي التمويل الأجنبي) يخضع لأجندات أجنبية ومن كونكم أجواء الإنفتاح والحريات السائدة في المغرب، ما هو تعليقكم؟

+ هذا الكلام لا أساس له من الصحة وليس له أي سند مادي أو واقعي، إنها مجرد تهيؤات واختلاقات، الغاية منها ليس البحث عن حقيقة ما وإنما الهدف منها هو الهجوم على الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ومحاولة إظهار المواقف التي تعبر عنها والتقارير التي تصدرها بأنها غير ذات مصداقية. وبالتالي فالتمويل الذي تحصل عليه الجمعية يتم في إطار شراكات وبناء على برامج ومشاريع وأنشطة ويتم التصريح به لدى الأمانة العامة للحكومة ويجري إنجاز التقارير المالية والأدبية حوله ويخضع للإفتحاص من قبل خبراء ماليين. وبالتالي هذا النوع من الكلام هو حق أريد به باطل. فضلا عن ذلك الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ليست هي الإستثناء في هذه الحالة وإنما هذه التمويلات تحصل عليها المئات من الجمعيات المغربية، علما أن منها من هو أقل عددا وأقل حضورا وأقل فعلا ويحصل على أضعاف ما تحصل عليه الجمعية، بالإضافة الى أن الجمعية تعتمد في شراكاتها على الإنتقاء والإختيار وليس من من تفرض عليهم مشاريع محددة. كما أن الجمعية تعتبر استثناء من حيث أنها تشترط في شراكاتها عدم انتهاك حقوق الإنسان من قبل الجهات أو الدول المانحة حيث أنها ترفض إبرام شراكات مع بريطانيا ومع الولايات المتحدة الأمريكية رغم إلحاح هذه الجهات. من جهة أخرى أشير إلى أن الجمعية تقوم بإبرام هذه الشراكات في إطار مايبيحه لها القانون، ونحن نعرف أن القانون الخاص بالجمعيات ينص في المادة 6 أن من حق الجمعيات أن تتلقى مساعدات من جهات أجنبية على أن الفصل 32 مكرر يوجب على الجمعيات التي تتلقى هذه المساعدات أن تتقدم في أجل أقصاه ثلاثون يوما بتصريح حول المبالغ التي تتلقاها في إطار هذه المساعدات تحت طائلة الحل، لأنه لو كانت هناك أي شبهة حول التمويلات التي تتلقاها الجمعية لما تأخرت الحكومة أو الدولة في حل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، لذا فنحن نعتبر هذه الإتهامات مضللة وليس لها مايسندها على أرض الواقع.

- لكن وزير الداخلية صرح بأنكم مجرد «جمعيات وكيانات تعمل تحت غطاء حقوق الإنسان» لعرقلة الجهود الأمنية للتصدي للتهديدات الإرهابية القادمة من العراق وسوريا عبر المقاتلين المغاربة في صفوف تنظيم «الدولة الإسلامية»؟

+ هذا ربط يدخل ربما في إطار إسقاط الطائرات والتي أضحت ظاهرة واقعية، فليست هناك أية علاقة بين الإرهاب والجمعيات التي تتلقى التمويلات الأجنبية لأنه من المعروف أن الجهات التي تبرم شراكات مع منظمات المجتمع المدني ومع المؤسسات الوسيطة مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان أو المؤسسات الوزارية مثل وزارة حقوق الإنسان وغيرها تعادي الإرهاب وتقف في وجهه. وكل ما في الأمر أن وزارة الداخلية لاتريد أي رقيب أو حسيب فيما تقوم به من متابعات واعتقالات واستنطاقات وبالتالي فهي تريد أن تطلق لها اليد لتقوم بما تريد أن تقوم به من أجل محاربة الإرهاب ولو أن ذلك فيه مس خطير بحقوق الإنسان من قبيل أن من حقها أن تلجأ للإختطاف، أن تلجأ الى التعذيب وأن تلجأ الى تلفيق التهم وعرضهم على القضاء. وبالتالي فوزارة الداخلية تعتبر فضح هذه العمليات التي تتم في إطار ما يسمى بقانون الإرهاب إعاقة لعملها بالنحو الذي تريد أن تقوم به، علما أن الأجهزة الأمنية لا رقيب عليها ولا حسيب، وكل مانقوم به هو أننا نتوصل بمعطيات نقوم بنشرها على العموم ونطالب من الدولة أن تقوم بتحقيق بشأنها، هذا هو دورنا ولايمكن لمثل هاته التصريحات أن توقف دورنا أو تحول بيننا وبين الإستمرار في القيام برسالتنا.

- ألا ترى معي أنه وفي إطار تعزيز الشفافية وطمأنة الرأي العام لماذا لاتقدمون على نشر بيان بكشوفاتكم المالية لوضع حد للجدل القائم؟

+ كشوفاتنا المالية ليست بسر وهي ليست مجهولة ففي كل مؤتمراتنا نعرض التقرير المالي ومن أراد الإطلاع على تفاصيله فلامانع لدينا، ولم يسبق لنا أن مانعنا في ذلك، كما أن مثل هذه التقارير تنشر في مواقع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى أن التقرير الأدبي يقدم على رأس كل ثلاثة أشهر أمام أنظار اللجنة الإدارية، كما نعرض على رأس كل 15 يوم أثناء اجتماع المكتب المركزي تقرير عن الوضعية المالية للجمعية، واذا كان المشكل هو رغبة البعض في معرفة مالية الجمعية فما عليهم سوى التقدم بطلب في الموضوع ونحن مستعدون لعرض ذلك ولكن كيفما كان الحال فوزارة الداخلية لديها هذا الملف وتعرف حسابات الجمعية بالفرنك والسنتيم .

- من بين الاتهامات التي توجه من طرف خصومكم هو معاداتكم لكل ماهو موروث مغربي: معاداة الوحدة الترابية، المؤسسة الملكية، الدين الإسلامي، ما هو ردكم على هذه الإتهامات؟

+ هذه الاتهامات ليست صحيحة، فنحن لسنا حزبا سياسيا وليس لنا برنامجا سياسيا ومناقشة طبيعة النظام لايمكننا أن ندخل فيه أو النظر فيه حتى. وبالتالي فنحن نتحدث في إطار المبادئ العامة التي تؤطر منظومة حقوق الإنسان من حيث دعوتنا إلى حق الشعب المغربي في تقرير مصيره وهذا منصوص عليه في العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الإقتصادية والإجتماعية بل أنه مبدأ موجود في ميثاق الأمم المتحدة. نحن مع حق الشعب المغربي في وضع دستور يتماشى مع اختياراته ويستجيب لتطلعاته وهذا ليس بالمطلب السياسي بل هو مطلب حقوقي، وهذه الموضوعات رغم مايمكن أن توحي به من دلالات سياسية فهي موضوعات تدخل في صميم حقوق الإنسان. الأمر الآخر أن ثقافة حقوق الإنسان تستقي مبادئها وقيمها من الموروث الإنساني ككل، ثانيا هذا الموروث هو موروث دينامي ومتحول ولايمكن أن نجعله شيئا ميتا ينبغي أن نتشبت به ونقف على قبره، نحن مع قيم حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها لدى جميع الشعوب وجميع الأقوام والأمم. وإذا كانت هذه الحقوق والقيم تتصادم مع بعض الموروثات والمعتقدات فذلك يحسب لنا ولايحسب علينا لأننا لانعمل إلا وفق ما تمليه علينا المرجعية الدولية لحقوق الإنسان. الجانب الآخر المتعلق بالوطنية والمواطنة فنحن كجمعية حقوقية مواقفنا فيما يتعلق بكل القضايا المتعلقة بالوطن هي قضايا مشرفة ونحن نحتكم فيها للشرعية الدولية وللقانون الدولي ولحقوق الإنسان ولم يسجل علينا في يوم من الأيام أننا اتخذنا موقفا عبرنا من خلاله عن موقف يتعارض مع ذلك.

- وكيف تفسرون تلاقي نفس مصادر تمويلكم مع مصادر تمويل جبهة البوليساريو؟

+ لا علما لنا بمصادر تمويل جبهة البوليساريو، ينبغي عليهم أن يطلعونا عليها.

- الدول الإسكندنافية مثلا؟

+ الدول الإسكندنافية لاتمول فقط البوليساريو بل تمول الجميع بما فيهم الدولة المغربية، فنحن نعرف أن أكبر ممول لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي هو هولندا، واذا كانت لهولندا مواقف سياسية معينة فماذنبنا نحن؟ مادام أن هذه المواقف لاتضر باستقلاليتنا ولاتؤثر في قضايانا، قد نختلف معها في التوجهات العامة لسياستها الخارجية ونحن لانعتبر هذه الدول متورطة في انتهاكات حقوق الإنسان على المستوى الدولي. فنحن نعرف أن هناك دولا تتلقى منها الدولة المغربية التمويل وتتلقى منها المساعدات علما أن موقفها لايتماشى مع الموقف الرسمي للدولة المغربية، وبالتالي فمحاولة خلط الأوراق والربط بين ما لايربط بينه فهذا نوع من القياسات الكاذبة كما يقال لأن مقدماتها ليست صحيحة، نحن نعقد شراكات مع جميع المنظمات والهيآت مادامت أنها تحترم المبادئ الدولية لحقوق الإنسان والشرعية الدولية ومادامت لاتتدخل في تحديد مواقفنا وفي التأثير على آرائنا.

 

- وماذا عن انتقادات خصومكم بالتحامل على الدولة فيما يخص مزاعم التعذيب والإختطاف الذي لايشكل سياسة عمومية كما كان الأمر في السابق، بل مجرد حالات معزولة، كما أن بعض حالات الإختطاف المصرح بها تبث زيفها ونذكر على سبيل المثال حالة شرف بطنجة وحالة أسامة حسن بالدار البيضاء؟

+ ردنا بسيط وواضح، فليس ملف التعذيب هو الملف الوحيد الذي نتهم فيه الدولة بالقيم بانتهاكات للقانون والتشريع المغربي وأيضا للأوفاق والقوانين الدولية، تقاريرنا تمس جميع حقوق الإنسان. ولكن مع ذلك نقول فيما يخص التعذيب، تقدمت الجمعية سنة 2013 بأكثر من 12 حالة لمواطنين مغاربة وكلهم طلبة تعرضوا للتعذيب وتقدموا بشهادات دقيقة وتفصيلية بما في ذلك الإشارة الى الأسماء والأماكن التي تعرضوا فيها للتعذيب. تقدمنا بهذا الملف وهو عبارة عن شهادات موثقة الى السيد وزير العدل في يوليوز 2013 ووعدنا بإجراء بحث في الموضوع فلم يتم إجراء هذا البحث حتى يومنا هذا. وفي نفس الوقت تقدمنا، كما تقدمت العديد من الجمعيات ومحامون الخ، بشأن مواطنين تعرضوا للتعذيب. وهذه الحالات لم يتم النظر فيها الى حد الآن. نحن نعتبر أن التعذيب لازال يمارس بشكل منهجي مادام أن الحالات التي نتوفر عليها قامت بها جهات معينة ومست أكثر من فرد. فأن تقوم مصالح الأمن باعتقال الطلبة وبإخضاعهم للتعذيب أي أن التعذيب لم يمس شخص واحد أو اثنين فماذا يسمى هذا؟ هل يمكن تسميته تعذيب عرضي؟ وكيفما كان الحال فنحن لسنا طرف وهذا هو الذي لايفهم، لسنا جهة اتهام بل جهة لحقوق الإنسان، وكلما بلغنا بانتهاك ما إلا وراسلنا الجهات المعنية لكي تجري تحقيقا في الموضوع، وبالتالي فنحن لانسائل عن صحة أو خطأ المعطيات وهذا مبدأ راسخ ومتبث بالتدابير والإجراءات..

- ألا تجرون تحريات بشأن المزاعم المتعلقة بالتعذيب والإختطاف قبل مراسلة الجهات المعنية ؟

+ نجري التحريات لكنها لايمكن أن تبلغ مستوى التحريات التي يمكن أن تجريها الدولة. وحين يقول مواطن أو طالب أنه تعرض للتعذيب هل نتوفر على كاميرا أم تسجيلات. إذن الإتباث يصطدم بإنكار الجهة المعنية، وحتى عندما يعرض هؤلاء على وكيل الملك أو على القضاة ويصرحون بأنهم تعرضوا للتعذيب ويطلب من الطبيب أن يعرضهم على الخبرة فإنه يرفض ذلك. وبالتالي كيف يمكن الوصول الى وسائل لإتباث مثل هذه الحالات. أما فيما يخص الحالات التي كانت مثار جدل والتي لازلنا لم نصدر فيها رأينا النهائي، وهي المتعلقة بحالة أسامة حسن وعلي جواد الذي أنكر فيما بعد فلايمكن أن نجبره على غير ذلك وحالة وفاء شرف، فبالنسبة لهاتين الحالتين قمنا بما ينبغي أن نقوم به. فأنا شخصيا جالست أسامة حسن وطلبنا منه بأن يحضر عندنا في المقر المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان حيث التقيته رفقة الأستاذ حسن عضو المكتب المركزي للجمعية وجالسناه لساعات طويلة وطرحنا عليه أسئلة دقيقة فيما يتعلق بطبيعة النشاط ونوع اللباس ونوع الكلام والأوصاف والخطاب ..فأصر تمام الإصرار بأنه تعرض لما تعرض إليه، فكتبنا تقريرا بما صرح به وقدمناه إلى السيد وزير العدل وانتهى عملنا. أما ماجاء بعد ذلك فنحن نتابعه كما يتابعه الجميع ونحن سنقول فيه رأينا كما يحق للجميع أن يقوله وبالتالي فنحن عندما عدنا إلى الكتيب الذي وضعته المفوضية العليا لحقوق الإنسان نجد أنه من ضمن المعايير والمبادئ التي ينص عليها هو أن المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان لا يسألون عن صحة أو خطأ المعطيات. أما أن يصبح الجهل هو الأساس الذي تبنى عليه المواقف والتصريحات الرسمية فهذا نرفضه ونعتبره غير سليم وأن الغايات هي غايات أخرى وليس البحث عن كيفية جعل منظمات المجتمع المدني تشتغل بحرفية ومهنية أكبر.

 

 أمريكا تخلق سفارات موازية في مصر بـ 87 مليون دولار

 

يطرح ملف التمويل الأجنبي للجمعيات غير الحكومية في البلدان النامية تعقيدات عديدة بخصوص فلسفة ذلك الدعم، وغموض العلاقة بين الأهداف الإنسانية والقيم الكونية من جهة، وأهداف التسخير السياسي لخدمة "أجندات" الآخر الإيديولوجية والسياسية والعقائدية تحت ستائر متعددة ضمنها دعم أوضاع المرأة، والشباب وقضايا التسامح والتنوع الديني، والديمقراطية، وحرية المعتقد وتنمية القرى والبوادي...

نستحضر في هذا الإطار، وعلى سبيل الاستئناس والمقارنة، نوازل صارخة حدثت في مصر مبارك التي تميزت نسبيا بتنامي عمل الجمعيات والمجتمع المدني بشكل عام. وهناك سجل، في السنوات لأخيرة من حكم مبارك، توتر حاد بين الدولة وهذه الجمعيات على خلفية مبادرة الدولة بفتح ملفات التعامل مع الخارج، وطبيعة نوعية هذا التمويل وأهدافه، خاصة بعد تواتر صدور تقارير دولية تبرز الارتفاع المثير للتساؤل بخصوص السقف العالي للتمويل الخارجي.

من بين هذه التقارير ما نشرته الصحافة المصرية آنذاك بخصوص إقدام "الوكالة الأمريكية للتنمية بتمويل نحو 67 منظمة غير حكومية أمريكية مصرية بمبلغ يقارب 87.5 مليون دولار أمريكي في الفترة من عام 2005 حتي نهاية السنة المالية في 30 سبتمبر عام 2010"، فيما «بلغ عدد المنظمات غير الحكومية المصرية المستفيدة من هذا البرنامج، حسب نفس التقارير، نحو 52 منظمة غير حكومية حصلت علي مبلغ قدره 31.6 مليون دولار. وقد بلغ عدد المنظمات غير الحكومية غير المسجلة في وزارة التضامن الاجتماعي 21 منظمة حصلت على 8.2 مليون دولار في حين حصلت 34 منظمة مسجلة في وزارة التضامن الاجتماعي على 19 مليون دولار».

كل هذه المعطيات وغيرها دفع الدولة المصرية إلى التفكير في تنظيم هذا الدعم وترتيب مسالكه حتى لا يبقى سائبا، وحتى تتحدد مراميه بما لا يتعارض، من وجهة نظر رسمية، مع «الأمن القومي» للبلاد، خاصة بعد أن تبين على المستوى الرسمي أن المال الخارجي يصرف بوفرة لفائدة هيئات غير حكومية، بدون علم الدولة، وبدون أن تكون هذه الهيئات مسجلة لدى الوزارة المعنية هناك (وزارة التضامن الاجتماعي). لكن هذا التفكير ووجه برفض المنظمات غير الحكومية التي اعتبرت الأمر سعيا من طرف الدولة لوضع اليد على المجتمع المدني، وللحد من حرياته تحت ذريعة التأطير والضبط والشفافية والعبث بالأمن القومي للبلاد.

في هذا الإطار نشب صراع قوي بين الدولتين المصرية والأمريكية وصل حد التهديد بوقف المعونة الأمريكية المخصصة لمصر، الأمر الذي قرأته الدوائر الرسمية هناك لا باعتباره فقط تدخلا سافرا في الشأن المصري الداخلي، ولكن أيضا محاولة لإهانة الدولة المصرية عبر إسقاط جزء من السيادة هناك. وكذلك استمر الأمر إلى حين انفجار «ربيع مصر» الذي أعاد فتح الملفات المغلقة، حيث تبث بالفعل أن جزءا كبيرا من المال الممنوع موجه إلى افتقاد المجتمع المدني لاستقلاليته، وربطه بدوائر خارجية تقيم عبر آليات هذا الدعم «سفارات» موازية في مصر.

 

التمويل الأجنبي للجمعيات: صدقة جارية أم انتداب جديد؟ 

تفيد التقارير الرسمية أن حجم التمويل الأجنبي للجمعيات المغربية قد بلغ في سنة 2011 أزيد من 14 مليارا و57 مليون سنتيم، استفادت منه 352 جمعية، في حين استفادت 279 جمعية مما يفوق 14 مليارا و64 مليون سنتيم في 2010، مقابل أزيد من 11 مليار سنتيم سنة 2009، لفائدة 98 جمعية وطنية وجهوية ومحلية، كما تشير نفس التقارير إلى أن عدد الجمعيات المغربية المستفيدة من هذا التمويل قد تضاعف ثلاث مرات في السنوات الأخيرة، وينضاف إلى هذه الأرقام مبلغ ثلاثة مليارات درهم (357 مليون دولار)، الغلاف العام للتمويل الذي تتلقاه الجمعيات من المال العام. الأمر الذي يطرح أكثر من سؤال حول طبيعة تضخم عدد هذه الجمعيات، وحقيقة أثرها في الساحة المدنية، وحول طرق صرف هذا التمويل، وأهدافه العامة. لكن المؤكد بهذا الخصوص أن التمويل الخارجي ليس «صدقة جارية»، بل هو مشروط بنوعية المشاريع، وباختيارات الممولين والمستفيدين على حد سواء. علما بأن جزءا من المال الموهوب تكون أهدافه واضحة، بعضها موجه في إطار التعاون الدولي، سواء مع لاتحاد الأوربي، أو مع الهيئات الوظيفية المختلفة لمنظمة الأمم المتحدة. وبعضها ملتبس بسبب توجهه نحو أكاذيب وادعات تهم صيانة حقوق الإنسان وتنمية وضع المرأة وحرية المعتقد والدفاع عن حق التنوع وحماية الأقليات، وحقوق الطفولة؟!

وهذا الجزء الثاني هو الذي يهمنا في هذا السياق، ذلك أننا حين نرى جمعيات تمعن في تشويه صورة المغرب، وفي الإساءة إلى مشروعه الديمقراطي وإلى المشترك الوطني، يكون من المشروع التساؤل حول دفتر التحملات المبرم بين المانح والمستفيد. الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إحدى هذه الهيئات التي تتلقى بسخاء دعما دوليا يجعلها من أغنى الجمعيات التي لا تتردد في إشهار المحاسبة تجاه السلطات العمومية، دون أن تكون لها الجرأة في تطبيق هذه المسطرة على أدائها الخاص. وفي هذا الإطار نسجل مشروعية مطالبة هذه الجمعية بإعلان تقاريرها المالية حتى نرى مدى تطبيق مبدإ المواءمة ما بين الاختيارات الحقوقية وطرق الصرف، ومدى الاعتماد على نهج مبدإ الشفافية بين الجمعية ونظرائها في المجتمع المدني، وبين الجمعية والدولة، وقبل ذلك بين أعضاء الجمعية في ما بينهم.

من الموقع نفسه، يحق للمغاربة أن يطالبوا الدولة وأجهزتها المختصة بمحاسبة مثل هذه الجمعيات بنفس الصرامة التي تطبقها مع الأحزاب والنقابات، مستحضرين التصريح الخطير لوزير الداخلية يوم الثلاثاء 15 يوليوز، داخل مجلس المستشارين، حين اتهم الجمعيات بالتوصل بدعم خارجي من أجل «التشويش على عمل الأجهزة ألأمنية والاستخباراتية في مكافحة الإرهاب»، مضيفا أن الجمعيات المعنية تتلقى أكثر من 60 في المائة من تمويل الأحزاب السياسية، مثلما ينبغي استحضار تصريح الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، في ماي الماضي، بخصوص أن 95 في المائة من الجمعيات المغربية لا تصرح بالتمويل الذي تتلقاه.

ماذا تنتظر المصالح الحكومية المعنية إذن لتفعيل مساطر المراقبة، وللاحتكام إلى القضاء حتى يتميز للمغاربة الحد بين الجد واللعب، وبين الخيط الأبيض والخيط الأسود في هذه النازلة، وحتى يوضع كل طرف أمام مسؤولياته الحقيقية، خاصة بعد ورود معلومات عن تمويلات مباشرة تتلقاها بعض الجمعيات مباشرة من سفارات الدول الأجنبية بالرباط.

فهل ينتظر المغاربة إلى حين نستفيق على الكوارث لنجد أنفسنا أمام سلطات انتداب جديدة؟

 

محمد زهاري، رئيس العصبة المغربية لحقوق الإنسان

 

فسر محمد زهاري، رئيس العصبة المغربية لحقوق الإنسان، سبب انتفاضة الوسط الحقوقي ضد تصريح وزير الداخلية بشأن التمويل الأجنبي. وتساءل بدوره، إن كانت التمويلات الخارجية التي يحصل عليها مجلس النواب أو وزارة العدل تخدم أجندة خاصة.

وبعد أن بين أن العصبة لم يسبق لها أن حصلت على شراكات أجنبية، دافع عن حق أي جمعية في الحصول على الدعم الخارجي مادام يتم وفق الضوابط القانونية.

 

 

- ما الداعي الى انتفاضة الجمعيات على إثر تصريح وزير الداخلية فيما يخص التمويل الأجنبي للجمعيات؟

+ أولا، الانتفاضة لاتهم فقط التمويل الأجنبي، التمويل الأجنبي هي مسألة عادية تتم وفق ضوابط قانونية وكذلك وفق قواعد المحاسبة التي يحددها الطرف المانح ضمن بنود الشراكة، ولكن الأمر هو أكبر من ذلك فوزير الداخلية اعتبر هذا التمويل المالي هو الذي يحدد مجال أو مآل أو مضمون المواقف أو القرارات التي تتخذها الجمعيات وقال بأن ذلك يدخل في إطار خدمة أجندات أجنبية. إذن هذا هو الأمر الخطير، تصريح وزير الداخلية يأتي ضد هذه الجمعيات التي تتخذ مواقف تتعلق مثلا بفضح حالات التعذيب التي تتم في بعض مراكز الإحتجاز سواء تعلق الأمر بمخافر الدرك أو الشرطة، اعتبر التنديد بهذه الحالات أو فضحها أو التصدي لها يعتبر إساءة إلى سمعة البلاد، ولهذا السبب انتفضت الجمعيات الحقوقية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم الربط بين عملية تلقي الدعم المالي من الخارج سواء تعلق الأمر بمؤسسات دولية تشتغل على قضايا تتعلق بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان ومابين عمل هذه الجمعيات الذي يدخل كذلك في الصلاحيات المحددة دستوريا خاصة بالنسبة للأدوار الدستورية الجديدة فيما يتعلق بعمل المجتمع المدني. إذن هذه من الأسباب الرئيسية التي دفعت الجمعيات الحقوقية الى التصدي الى مثل هذه التصريحات التي تسيء للبلد، وقد طرحنا مجموعة من الأسئلة: هل كل من يتلقى دعما أجنبيا في إطار شراكة واضحة المعالم محددة المقتضيات يخدم أجندة خاصة تسيء للبلد؟ إذا كان هذا هو منظور وزير الداخلية فنحن نطلب منه أن يجيبنا عن تفسيره للدعم الذي تلقاه مجلس النواب من الإتحاد الأوروبي والذي وصل إلى الملايين من الأورو بمعنى ملايير السنتيمات هل المؤسسة التشريعية بحصولها على هذا الدعم تخدم أجندة خاصة تسيء إلى البلد؟ ما هو تفسيره كذلك للدعم الذي تلقته وزارة العدل والحريات في إطار مواكبتها لإصلاح منظومة العدالة هل هذا الدعم يخدم أجندة خاصة تسيء إلى البلد، إذن في اعتقادي الشخصي وفي نظر الجمعيات التي عقدت ندوة صحفية بمقر النقابة الوطنية للصحافة المغربية، أردنا أن نزيل هذا اللبس وطالبنا باعتذار وزير الداخلية للحركة الحقوقية المغربية التي ساهمت إلى جانب القوى الحية في تحسين الأوضاع الحقوقية ومحاولة الخروج بالمغرب من مرحلة ماضي الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان إلى مرحلة طي صفحة هذا الماضي ووجود عدالة انتقالية حقيقية تحترم فيه كرامة المواطن وتصان فيه.

- لكن بعض الأراء المستقلة أيضا تشير الى أن الدعم الأجنبي لايمكن أن يقدم مجانا للجمعيات المغربية؟

+ أنا أدافع من حيث المبدأ رغم أن العصبة المغربية لحقوق الإنسان وإلى حدود اليوم الذي أتحدث فيه ليست لها أي شراكات مع أي مؤسسة أجنبية سواء تعلق الأمر بالإتحاد الأوروبي او مؤسسة فريديريك أيبير أو هيومان رايت الخ، ولكن أدافع عن المبدأ ومن خلال العلاقة مع الحركة الحقوقية التي تستفيد من الدعم الأجنبي. أؤكد على أن كل دعم مادي هو يتم وفق مقتضيات شراكة واضحة المعالم والطرف المانح يطالب الجمعية بتقرير محساباتي لإفتحاص هذه المالية وكذلك له الحق ان يتابع عملية صرف الأموال التي تم منحها اذن عملية خضوع هذا لقواعد المحاسبة العمومية الوطنية وكذلك بالنسبة للخبرة المحاسباتية للطرف المانح هي موجودة أصلا. وأطلب منكم أن تعودوا إلى مقتضيات الفصل 32 مكرر من القانون المنظم للجمعيات فهو يشرعن عملية التمويل الجنبي فقط يربطها بشرط لازم وهو التصريح بذلك في أجل أقصاه ثلاثون يوما للأمانة العامة للحكومة، فإذا كانت الجمعيات لا تقوم بهذا المقتضى اذن يجب تطبيق القانون، ولكن إذا كانت هذه الجمعيات تقوم بتطبيق وتنفيذ هذا المقتضى وتصرح بما تتلقاه من أموال للأمانة العامة للحكومة فالأمر له سند قانوني.

- لكن لماذا اكتفيتم بإصدار البلاغات بدل الكشف عن حساباتكم المالية للرأي العام؟

+ فيما يخص الكشوفات المالية فقد سبق للوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان داخل لجنة العدل والتشريع المكلفة بمناقشة الميزانية القطاعية للوزارة خلال سنة 2012 قدم هذه الكشوفات وبالتالي فالعملية هي تحصيل حاصل، إذن الجمعيات طبقت مقتضيات الفصل 32 من قانون الجمعيات من خلال تصريحها بالتمويل الأجنبي الذي حصلت عليه للأمانة العامة للحكومة بمعنى أن الدولة تتوفر على كل المعطيات المتعلقة بكل مصادر التمويل وحجم هذا التمويل الذي تتلقاه هذه الجمعيات من المؤسسات الأجنبية سواء تعلق الأمر بالاتحاد الأوروبي أو بالمنظمات الدولية أو بالسفارات الأجنبية.

 

وزارة الداخلية بين «كرموس جبالة» وملايير الجمعية المغربية 

بقدر ما فجر تصريح وزير الداخلية محمد حصاد قضية التمويل الأجنبي لبعض الجمعيات وعلاقته بخدمة «أجندة خارجية» بقدر ما جعل أصابع الاتهام تتوجه مباشرة إلى مسؤولية وزارة الداخلية في حد ذاتها بخصوص مفارقة إخضاع الجميع للقانون.

ففي الوقت الذي تمطر فيه وزارة الداخلية الرأي العام ببلاغات حول إرسال «كوماندوهات» إلى جماعة قروية منسية في الجبل للتحقق من صرف مبيعات صندوق من «الكرموس الهندي» في السوق الأسبوعي وحرصها على «جرجرة» وكيل المداخيل في جلسات التحقيق اللامتناهي نجد مراقبي ومفتشي نفس الوزارة «يضربون الطم» كلما تعلق الأمر بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان ولا يراقبون ماليتها وطمأنة الرأي العام حول مصدر هذا المال والوجهة التي يتخذها والأجندة التي سخر لها بشكل جعل مراقبين يتساءلون عن السبب: هل هو خوف مصالح وزارة الداخلية أم تواطؤ منها أم اعتناقها لسياسة الكيل بمكيالين؟ أم هي لعبة «مخدومة» بين وزارة الداخلية والجمعية.

إنه مجرد سؤال!

 

ادريس الكريني، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش

 

نشر التقارير المالية من طرف الأمانة العامة والجمعيات هو السبيل لوقف القيل والقال

 

دعا ادريس الكريني، استاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، إلى عدم وضع كل البيض الجمعوي في سلة واحدة، قائلا إن جمعيات عديدة جادة تتلقى أموالا من الخارج والداخل في إطار ضوابط قانونية وتوظفها في مجالات مشروعة. بالمقابل نبه إلى وجود جمعيات تشتغل وفق منطق الريع.

ورأى أن المدخل السليم لتنزيل الدستور فيما يخص دور المجتمع المدني هو أن يكون الجميع مقتنعا بالشفافية سواء داخل الأحزاب أو النقابات أو الجمعيات.

- أضحى موضوع التمويل الأجنبي للجمعيات موضوع جدل كبير بعد تصريح وزير الداخلية، كيف يتم هذا التمويل؟

+ طرح الموضوع يتطلب ثلاث ملاحظات: الملاحظة الأولى هي أن النقاش الأخير بصدد المجتمع المدني في المغرب وخصوصا في أفق تنزيل المقتضيات الدستورية المقدسة التي تدعم أداء المجتمع المدني في المغرب أبرز وجود اختلالات كبيرة جدا في حقل المجتمع المدني سواء على مستوى الضوابط والقواعد القانونية أو الفضاء الذي يشتغل فيه، كذلك كانت هناك نقاشات حول الإختلالات الذاتية المرتبطة بغياب الإحترافية عند مجموعة من الجمعيات وكذلك المشكل المرتبط بالتمويل، بالإضافة إلى غياب حضور استراتيجي مرتبط بدعم التنمية وترسيخ التنشئة الإجتماعية بشكل دينامي داخل المجتمع، كما بين النقاش حول المجتمع المدني وجود اختلال على المستوى التمويلي بحيث أن هناك نسبة قليلة جدا محظوظة هي التي تتلقى التمويل العمومي مقارنة بالجمعيات التي تشتغل بإمكانيات بسيطة، علما أن هناك الكثير من الجمعيات الجادة التي تعتمد على إمكانياتها المتواضعة ولكن مخرجاتها متميزة وفاعلة، اذن هناك خلل. فيما يتعلق بالتمويل الأجنبي طبعا القانون المغربي ينظم كيفية الإستفادة من التمويل الأجنبي خصوصا على مستوى اتباع مسطرة محددة يحددها القانون في علاقتها بإخبار الأمانة العامة للحكومية، وعندما نتحدث عن التمويل، وحتى لانعمم، ينبغي الإقرار أن التمويل الأجنبي يحيلنا إلى أن الكثير من الجمعيات استطاعت أن تراكم أنشطة وازنة اعتمادا على التمويلات الأجنبية، وطبعا هذا التمويلات تجعل الكثير من الجمعيات لاتعتمد على المال العام بأي شكل من الأشكال وهذا اعتبره أمرا مهما خصوصا إذا ما انضبطت هذه الجمعيات لأهدافها المعلنة في قوانينها الأساسية واعتمدت الشفافية في تدبير هذه الأموال.

- البعض يقول بأن هذا التمويل مرهون بأجندات معينة، مارأيك؟

+ كما قلت سابقا، لاينبغي التعميم، خصوصا أن الدولة هي أيضا تتلقى مساعدات من الخارج، من البنك الدولي ومن بعض الدول الصديقة والشقيقة مثل دول الخليج وحتى من الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي، فهل يمكن القول بأن هذه المساعدات التقنية أو العلمية أو حتى المادية دائما تكون مشروطة، أعتقد أن هذا التعميم ينبغي أن نتجاوزه ذلك أن بعض المنظمات الدولية أو البحثية التي تقدم الدعم لكنه دعم مشروط بالإشتغال في مجالات معينة. مثلا هناك منظمات تدعم الأبحاث أو الأنشطة المرتبطة بتمكين المرأة أو الطفولة أو البحث العلمي أو العدالة الإنتقالية أو الديمقراطية وحقوق الإنسان بشكل عام أو الحقوق الفردية، وجميع هذه المبادرات التي هي نزيهة في جزء كبير منها لا ينبغي أن نخلطها ببعض التمويلات المشبوهة التي يمكن أن تؤثر على مصداقية المجتمع المدني، واتفق معك بان هناك بعض الفعاليات التي يمكن أن تتلقى أموالا من جهات ربما تشتغل على أجندات قد تكون مسيئة لمقومات المجتمع والدولة نتحدث عن الإساءة للوحدة الترابية، نتحدث عن القيام بأعمال تمس بالأمن القومي للبلد أو تمس بالأمن الروحي للبلد أو تمس كذلك بتوابث البلد، طبعا هذا الأمر يسائل هذه المنظمات وهذه الفعاليات في إطار الإنضباط للقوانين الجاري بها العمل وفي إطار تخليق أدائها خصوصا وأن هذه الأموال يمكن أن تستثمر خدمة لأهداف مشبوهة وفي الوقت على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها في مراقبة هذه الأموال كما هو الشأن بالنبسة للاحزاب السياسية التي تخضع لمراقبة المجلس الأعلى للحسابات، كذلك متابعة مشاريع وأنشطة هذه الجمعيات. ولا أعتقد أن هذا الأمر يمكن قراءته بكونه يشكل تضييقا على عمل الجمعيات، ولكن علينا أن نقرأه من زاوية الحرص على الإنضباط للقانون الأساسي للجمعية وللقوانين الجاري بها العمل في هذا الصدد حتى لانكون أمام أنشطة مشبوهة أو الحصول على تمويلات مشبوهة من جهات تسيء لمقومات وتوابث البلد.

- في هذا لإطار طغت لغة التنديد وإصدار البلاغات دون أن تقدم أي جمعية على نشر كشوفاتها المالية لوضع حد للقيل والقال فيما يتعلق بالتمويل الأجنبي؟

+ من زاوية أولى لا ينبغي أن نعمم لأنه كما قلت الكثير من الجمعيات تشتغل بشفافية ولها محاسبين وتقارير مالية وتشتغل على أجندات واضحة مرتبطة بدعم حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا أو مرتبطة بحماية فئات داخل المجتمع أو مرتبطة بقضايا بيئية وهذا الأمر لايتناقض مع القوانين ومع روح الدستور المغربي، لكن في المقابل ينبغي الإقرار بضرورة وأهمية مناقشة هذا الموضوع، فكما قلت الكثير من الجمعيات تشتغل وفق منطق الريع عبر الإستفادة من دعم بعض الجهات أو على مستوى تدبير هذه الأموال وثانيا على مستوى توظيف هذه الاموال ربما في أنشطة غير معلنة، وبالتالي ففتح نقاش بهذا الصدد بمشاركة مختلف الفاعلين، بمشاركة فعاليات المجتمع المدني ومختلف الكفاءات أعتقد أن من شأنه أن يجعلنا أمام مقاربة موضوعية توازن مابين أمرين: توازن مابين احترام القانون من جهة، ومن ناحية ثانية تسمح بتوفير أجواء الحرية وأجواء الإنفتاح الذي يدعم تحرك فعاليات المجتمع المدني في إطار من الدينامية وفي إطار من التشاركية بما يسمح له بالمساهمة في التحولات المجتمعية الجارية حاليا.

- كما هو معلوم فإن القانون يلزم الجمعيات برفع تقارير تهم حصولها على التمويل الأجنبي الى الأمانة العامة للحكومة، لكن لاحظنا ان هذه الأخيرة فضلت نهج أسلوب الصمت إزاء تصريحات وزير الداخلية فيما يخص التمويل الأجنبي للجمعيات، فكيف تقرؤون ذلك؟

+ لا ينبغي أن يكون النقاش في هذا الموضوع ذريعة للتضييق على الجمعيات الجادة، ثم من ناحية ثانية نحن في دولة القانون نحن في دولة دستورها يتضمن مجموعة من المقتضيات التي تدعم الجمعيات في إطار التشاركية والمساهمة في التنمية في إطار المجلس الأعلى للشباب والعمل الجمعوين. هذه المعطيات كلها ينبغي ان تترجم على أرض الواقع من خلال السعي الى نشر التقارير سواء من قبل الأمانة العامة للحكومة او من طرف الجمعيات ذاتها لأنها هي الوسيلة الفضلى للحد من القيل والقال. لأن خير رد على ما قاله السيد حصاد ليس اعتبار الأمر بانه يستهدف المجتمع المدني في المغرب بل ينبغي فعلا ان نناقش الأمر بجدية في اتجاه الموازنة بين الحرية واحترام القانون وفي نفس الوقت ينبغي أن تكون لهذه الجمعيات الجرأة في نشر تقاريرها المالية، لأننا نطالب بتخليق الحياة العامة فيما يتعلق بمؤسسات الدولة والأحزاب السياسية والنقابات فلماذا لانطالب بتخليق الحياة الجمعوية وتجديد إمكانياتها المالية ونشرها في مواقعها الإلكترونية تماما كما تنشر التقارير المتعلقة بسياسة الدولة في مختلف المجالات، ففاقد الشيء لايعطيه، فلا يمكن الاعتماد على جمعيات لا تؤمن بالممارسة الديمقراطية علما أن الدستور الجديد يؤكد على الممارسة الديمقراطية داخل الجمعيات، كما لايمكن للجمعيات أن تساهم في التنشئة الإجتماعية السليمة وأن تساهم في دعم الممارسة الديمقراطية ودعم التنمية مع وجود اختلالات مرتبطة بغياب الشفافية في تدبير حساباتها المالية، وفي غياب الشفافية فيما يتعلق بمصادر التمويل، لأن مصادر التمويل ينبغي أن يصرح بها بشكل تلقائي وليس فقط خلال المناسبات وخلال بعض الخرجات التي يقوم بها بعض المسؤولين.