الاثنين 24 يونيو 2024
في الصميم

الفساد بالمغرب بين «بغال الحكومة ودواب البرلمان»!!

 
 
الفساد بالمغرب بين «بغال الحكومة ودواب البرلمان»!! عبد الرحيم أريري
في عهد الملك الفرنسي لويس 15 (ولد عام 1710 وتوفي عام 1774)، استشرى الفساد بشكل سرطاني في فرنسا، واستأسد مستشارو الملك وتغولوا، لدرجة أنهم أفرغوا خزائن الدولة من الودائع ووضعوها في حساباتهم، بل وباعوا حتى خيول الدولة.
 
هذه الحقبة أرخ لها فولتير، الكاتب المشهور وأحد مفكري عصر التنوير، بقولته الساخرة: «لماذا تبيعون بغال الدولة وتتركون دواب البرلمان؟!». وهي القولة التي ستكلف فولتير الذهاب إلى السجن.
 
هذه السياسة الفاسدة والمفسدة سار عليها الملك لويس 16 الذي أحاط نفسه بشبكة من المسؤولين الفاسدين، وهو ما عجل بسقوط نظام حكمه، بل وبتغيير ملامح النظام السياسي بفرنسا بعد إعدامه.
 
نفس الشيء عاشته روسيا في عهد القيصر نيكولاي الثاني (ولد عام 1868 وأعدم عام 1918)، الذي بدل أن يحمي إرث روسيا العظمى، أحاط نفسه هو الآخر ببطانة السوء والفساد، فانهار نظام حكمه.
 
هذان المثالان ينهضان كحجة لكي يقطع المغرب وبسرعة مع دابر الفساد والمفسدين الذين لا تهمهم مصالح المغاربة ولا تهمهم مصلحة دولة ضاربة جذورها في أعماق التاريخ، اسمها المغرب، خاصة إذا علمنا أن الفساد لا يكتفي فقط بقتل روح المنافسة الشريفة أو بنسف ثقة المواطنين في المؤسسات، وإنما أيضا ينخر المناعة الاقتصادية للبلاد، بالنظر إلى أن له كلفة مالية باهظة قدرتها الجمعية المغربية لحماية المال العام بمبلغ 50 مليار درهم؛ أي أن الفساد يمثل 5% من الناتج الداخلي الخام بالمغرب.
 
وإذا علمنا أن كل نقطة في النمو تسمح بخلق 30 إلى 35 ألف منصب شغل، فمعنى ذلك أن الفساد يحرم المغرب سنويا من حوالي 175.000 منصب شغل!! 
 
وفضلا عن ذلك، فإن الفساد المستشري بالمغرب يفتح شهية الأجانب الحاقدين والطامعين في خيرات البلاد، كما يخلق البيئة المناسبة لإمعان الدول الأوربية وغيرها في النيل من الدولة المغربية.
 
لماذا؟
لأن استشراء الفساد ببلادنا سيجعل هؤلاء الشامتين، من أوربيين وأمريكان وغيرهم، يعرفون أن المغرب «بلاد مثقوبة»، وأن البنيات الإدارية «منخورة»، وأن الحكومة المغربية «مهزوزة» لا تتوفر على أي مشروعية مجتمعية، وأن معظم وزراء المغرب يسمنون شركاتهم بدل انشغالهم بخلق الثروة والتنمية بالبلاد... 
 
ويعرفون أن الحكومة بالمغرب تجوع الشعب، ويعرفون أن وزراءها يوظفون الأقارب والأصدقاء والأبناء العائدين من كندا وإيسلندا.
 
ويعرفون أن البرلمان المغربي مكون من 10% من المتابعين أمام القضاء بتهم الفساد وبتهم خادشة للحياء والأخلاق، وأن الأغلبية المتبقية من البرلمانيين تتهافت على «طابليت» و«بون محروقات»، بدل أن «تتقاتل» لتحسين مناخ الأعمال ودمقرطة الولوج إلى الصفقات ودمقرطة الولوج والاستفادة من الخدمات العمومية.

ويدركون أن غرفتي البرلمان لم يصوت على عدد من أعضائها إلا بـ «الزرقلاف»، وأن المغاربة يكتوون بلهيب الأسعار بعد أن باعت الأحزاب المغربية الشعب للمافيا واللوبيات ولبضع عائلات مهيمنة على الاقتصاد.
 
وطبيعي أن تشكل هذه الوضعية الفاسدة بيئة مناسبة لخصوم المغرب بفرنسا أو إسبانيا أو هولندا أو ألمانيا أو أمريكا أو فنلندا بالتهجم على المغاربة وابتزاز المغرب، لأنهم وجدوا الأبواب مشرعة ومفتوحة لذلك.
 
المغرب، وخلال ربع قرن، بنى معمارا رقابيا ومؤسساتيا لمحاربة الفساد ومكافحته، لكن يبدو أن هذه السياسة لم تسمح إلا بتمدد الفساد و«تسرطنه»، بدل أن تمنح المغرب تذكرة الولوج إلى نادي الدول الشفافة والنزيهة.
 
فلا خَلْقُ اللجنة الوطنية المحاربة الرشوة عام 1999 أعطى أكله. ولا دسترة الهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة عام 2011 أعطى مفعوله. ولا المصادقة على الاتفاقيات الأممية بخصوص مكافحة الفساد عجل بتحصين المغرب. ولا مصادقة البرلمان على القانون 46.19 لتجفيف الفساد حسن من ترتيب المغرب ومن مناخ الأعمال. ولا إصلاح نصوص الصفقات العمومية عام 2013 أوقف «اللهطة واللهفة» على المال العام. ولا الاجتماع الأول والثاني للجنة الوطنية لمحاربة الرشوة (في 2018 و2019) خلق الاطمئنان بأن المغرب «قطع الواد ونشفو رجليه» في محاربة الفساد. 
 
المغرب أمام مفترق طرق: إما أن يبقي على الفساد ويعلي من قيمة المفسدين، ليبقى المغرب فريسة تنهشها كلاب أوربا وأمريكا، وإما أن يغير المقاربة في مكافحة الفساد ببيع بغال الحكومة ودواب البرلمان، لضمان كرامة المغاربة وتأمين ديمومة المملكة المغربية كإحدى أقدم دول المعمور!!.