السبت 18 مايو 2024
منبر أنفاس

البراق شادي عبد السلام: الرد الإيراني على إسرائيل وحِسابات المُعادلة الإقليمية

 
 
البراق شادي عبد السلام: الرد الإيراني على إسرائيل وحِسابات المُعادلة الإقليمية البراق شادي عبد السلام
النظام الإقليمي في الشرق الاوسط هو  اليوم أمام مشهد جيوسياسي جديد ترسمه إيران في المنطقة لأول مرة منذ حرب الثماني السنوات بين نظام الولي الفقيه في طهران و نظام البعث في بغداد، الضربة الإيرانية تأتي اليوم بعد سلسلة من العمليات النوعية التي قام بها جهاز الموساد والجيش الإسرائيلي ضد المصالح الإيرانية في الشرق الأوسط منذ عقود خلت إبتداءا من تحييد قيادات فاعلة في الحرس الثوري والميليشيات التابعة له في المنطقة وإنتهاءا بإستهداف مبنى ديبلوماسي إيراني في دمشق وإغتيال قيادات رفيعة في الحرس الثوري الإيراني، قبل التطرق لهذا التصعيد الخطير وتأثيراته على الوضع الجيوسياسي في الشرق الأوسط والعالم، علينا أن نتفق أن الشرق الأوسط بعد السابع من أكتوبر 2023 ليس هو الشرق الاوسط ما بعد الثالث عشر من أبريل 2024 ، فالعديد من المياه تجري تحت الجسر وصورة إسرائيل المستهدفة من طرف حركة حماس لطختها الدماء الغزيرة التي أريقت في قطاع غزة بعد العمليات الدموية التي نفذتها القوات الإسرائيلية في حق المدنيين العزل من الأطفال والنساء والمصابين والجرحى وتراجع حجم التعاطف الدولي مع أسطورة شعب إسرائيل المظلوم والمحاصر من طرف شعوب تريد إلقاءه في البحر كما في "الرواية الإسرائيلية " التي لم يعد يصدقها أحد أكثر من أي وقت مضى، فإسرائيل في هذه اللحظة هي في حاجة إلى  إعادة توحيد العالم" الغربي "حول مظلوميتها التاريخية بإعتبارها "الواحة" الوحيدة للسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان المحاصرة من طرف شعوب الشرق الأوسط المعادية للسامية.
 
إيران هي الأخرى في حاجة ماسة إلى إعادة توحيد ساحات المقاومة والحفاظ على عنصر التناغم المطلوب لنجاح عمليات الميليشيات التابعة لطهران ضد إسرائيل و الحرص على توافقها مع المصالح العليا لإيران و ذلك لن يتم إلا بإسترجاع ثقة المنظمات والميليشيات الشيعية الموازية للحرس الثوري الإيراني و في قدرة نظام الولي الفقيه على إدارة المواجهة الشاملة مع إسرائيل وحلفاءها بعد عقود من حروب الظل في مختلف مناطق الشرق الأوسط وأيضا في قدرة الحرس الثوري على تقديم طوق النجاة في الوقت المناسب في حالة المواجهة المباشرة مع العدو و هنا يحق لنا طرح السؤال المحوري: ما علاقة التصعيد الإيراني مع الواقع الميداني العسكري على الأرض في قطاع غزة!؟ 
 
النظام الإيراني كعراب لمحور المقاومة أصبح مطالبا اليوم بتنفيذ وعوده لإنقاذ حركة حماس من خطر التشظي والتفكك وتلاشي قدراتها القتالية يوما عن يوم بسبب الحصار الإسرائيلي لجنوب القطاع والهزائم التي حصدتها وحداتها القتالية بعد ستة أشهر من حرب الشوارع في مختلف مناطق غزة توجته إسرائيل بإستهداف مباشر لعائلة رئيس المكتب السياسي لمنظمة حماس إسماعيل أبو هنية وهو إستهداف بدلالات متعددة ولايمكن فصله عن إستهداف مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق وبالتالي فالوضع الميداني في القطاع ليس في صالح محور المقاومة وإيران غير مستعدة لخسارة منطقة تماس جيوسياسي لها أهميتها في جنوب إسرائيل قد ينتهي وجود حماس فيها  بسيناريو شبيه لخروج المقاومة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات إلى المنافي في اليمن وسوريا وتونس في 30 غشت 1982 بعد الإجتياح الإسرائيلي لدولة لبنان وإحتلال بيروت في نفس السنة بقيادة إرييل شارون وهو نفس الوضع الذي  قد نشهده مرة أخرى في قطاع غزة لكن بواقع جيوسياسي جديد .
 
خروج إيران من منطقة الظل و فتح أبواب المواجهة الشاملة مع إسرائيل لم يكن ليحدث إلا بتجاوز الموساد للخطوط الحمراء كما أكد رئيس هيئة الأركان الإيرانية اللواء محمد باقري، الضربة الإيرانية كان الهدف المعلن عنها هو كسر قواعد الإشتباك التقليدية بين إسرائيل ومحيطها الإقليمي ومحاولة فرض معادلة ردع جديدة على المستوى الإقليمي في ظل وضع جيوسياسي يطبعه التعقيد وتداخل المصالح بين كبار اللاعبين في منطقة الشرق الأوسط، ولأول مرة في تاريخ المواجهة الإيرانية الإسرائيلية يتم إستهداف مباشر للعمق الإسرائيلي إنطلاقا من قواعد عسكرية داخل إيران بدل إستخدام البنادق المأجورة  للميليشيات الإيرانية التابعة للحرس الثوري في العراق وسوريا و لبنان واليمن أو قطاع غزة، طوال عقود من المواجهة المفتوحة بشكل غير مباشر بين إسرائيل وإيران وبشكل أدق الموساد والحرس الثوري لم يتم تجاوز الخطوط الواضحة لقواعد الإشتباك وحتى حدث تحييد الجنرال قاسم سليماني عراب "ميليشيات إيران" في الشرق الأوسط و منسق عمليات الحرس الثوري في العالم كان بقرار أمريكي و بأدوات أمريكية رغم كل التقارير التي روجها الإعلام التابع لمحور المقاومة بأن المعلومات الدقيقة حول تحركات قاسم سليماني تعود لعناصر من الموساد.
 
قواعد الإشتباك التقليدية في الشرق الأوسط حددتها سابقا المصالح الإقتصادية والجيوسياسية وكذا الحسابات الداخلية لكل طرف فاعل في مسرح الشرق الأوسط حيث هنا نسجل تطورا في الموقف الإيراني وإنتقاله من لغة التهديد والوعيد والخطابات الإنشائية والحملات الإعلامية والبروباغندا وإستهداف المصالح الإقتصادية بإختطاف السفن وأعمال القرصنة البحرية وتبادل القذائف الصاروخية في جنوب لبنان بإستخدام وكلاء حرب كميليشيا الحوثي في اليمن وميليشيا حزب الله في لبنان إلى الحرب المباشرة مع إسرائيل بما تحمله من مخاطر كبرى على الأمن الإقليمي و العالمي .
 
اليوم مسرح الشرق الأوسط مقبل على حرب إقليمية كبرى قد تهدد الأمن الدولي لما تشكله منطقة الشرق الأوسط من أهمية جيوسياسية و إقتصادية لمختلف القوى الفاعلة في السياسة الدولية وكما هو معروف الولايات المتحدة الأمريكية لن تترك إسرائيل وحدها في مواجهة الصواريخ الإسرائيلية، ولن تترك الممرات المائية في الخليج العربي والبحر الأحمر لتتحول إلى أوراق ضغط في يد نظام الملالي من أجل إستخدامها لفرض واقع عسكري يخدم مصالح طهران و حلفاءها، غير أن الأكيد انه في حالة إشتعال هذه الحرب فإن إيران ستسعى جاهدة لتوسيع نطاقها بتحريك قطع الدومينو المنتشرة في مختلف أنحاء العالم من ميليشيات إرهابية و حركات إنفصالية التابعة بشكل مباشر أو غير مباشر للحرس الثوري وبشكل خاص فيلق القدس الذي يعتبر النواة الصلبة التي تنفذ بها إيران إستراتيجياتها الإقليمية، بهدف تخفيف الضغظ الهجومي على قواعدها في داخل إيران وتشتيت القدرات الهجومية لمحور إسرائيل وحلفاءها.
 
وإيران قد أرسلت رسالة واضحة إلى محيطها الإقليمي قبل إطلاق المسيرات الإيرانية لإستهداف العمق الإسرائيلي  بقرصنة سفينة شحن تابعة لرجل أعمال إسرائيلي في مضيق هرمز في إشارة إلى إستعدادها لتحويل المضيق الأستراتيجي إلى منطقة قرصنة بحرية على شاكلة مضيق باب المندب في جنوب البحر الأحمر.
 
اليوم العالم يترقب الرد الإسرائيلي على الضربة الجوية الإيرانية التي كسرت كبرياء إسرائيل وأنهت بشكل نهائي معادلة غير معلن عليها تلتزم فيها إيران بعدم المخاطرة بإستهداف عمق إسرائيل إنطلاقا من قواعد عسكرية في قلب إيران ولتقدير موقف متناسب لطبيعة الهجوم الإسرائيلي وشكله وحدوده لكن الأكيد ان صانع القرار الإستراتيجي في تل أبيب سيكون أمامه خيار وحيد بشن "عملية جراحية هجومية واسعة النطاق " في إيران ومناطق توزع الميليشيات الإيرانية في الشرق الأوسط باستخدام سلاح الطيران و المسيرات  وقوات العمليات الخاصة لتنفيذ غارات دقيقة وموجهة للأهداف والبنية التحتية ذات القيمة العالية لإيران وبشكل خاص إستهداف البنية التحتية الخاصة بالبرنامج النووي العسكري الإيراني مع العمل على عدم إستهداف البنية التحتية المدنية الضرورية لإستئناف حياة طبيعية مما يجعل النظام يفكر كثيرا في حجم الخسائر الممكنة في  في حالة إختياره  التصعيد الإقليمي، مما يقلّص بشكل كبير فرص اختيار إيران لإستراتيجية الرد الشامل.
 
فيما يخص الرد الإيراني المرتقب فهناك عدة عوامل لتقدير الرد الإيراني على الرد الإسرائيلي الذي ينتظره العالم،  الأول يتعلق بالجهة المهاجمة و هنا نطرح التساؤل المشروع هل من المرتقب حدوث هجوم إسرائيلي بدون دعم أمريكي أو هجوم مشترك بين إسرائيل وحلفاءها وبشكل خاص امريكا وقد تابعنا جميعا إنخراط القوات الأمريكية والبريطانية في عملية الصد الإستراتيجي للمسيرات الإيرانية في عملية الثالث عشر من أبريل في إشارة واضحة إلى إستعداد الجيش الإمريكي الكامل للمشاركة في الحفاظ على الأمن القومي الإسرائيلي.
 
العامل الثاني متعلق بأهداف الهجوم الإسرائيلي والأمريكي وهل الهدف منه هو إضعاف مقومات النظام و الحد من القدرات التشغيلية للقوة الصاروخية الإيرانية وضرب البنية التحتية للجيش الإيراني أو الهدف سيكون  عملية تطهير شامل في العاصمة طهران بتفكيك بنية النظام بعد سلسلة من الغارات الجوية على شاكلة عمليات عاصفة الصحراء أو درع الصحراء و فتح ممرات آمنة للقوى المعارضة من إجل إستلام السلطة في ظل الغليان الشعبي ببن مختلف فئات الشعب الإيراني بعد فشل الثورة في تحقيق التنمية الموعودة وتبديد ثروات الشعب الإيراني في سياسات التسليح و تمويل الحركات والميليشيات الطائفية والإنفصالية في مختلف انحاء العالم الإسلامي.
 
لكن ما يمكن التأكيد عليه هو أن حسابات الداخل الامريكي والإسرائيلي قد تستبعد هجوما واسع النطاق على إيران في الوقت الراهن والمؤكد أن تستأنف إسرائيل بدعم تكتيكي أمريكي في إطار التنسيق الأمني والعسكري بين الأجهزة الإستخباراتية عملياتها النوعية والعودة إلى المطاردات الأمنية في الساحات المستباحة أمام الجيش الإسرائيلي كسوريا ولبنان وقطاع غزة بإستهداف شخصيات بارزة في النظام وتقليم أظافر الميليشيات الإيرانية المنتشرة في مختلف مناطق الشرق الأوسط وبشكل خاص مضيق باب المندب الذي أصبح هدف تطهيره وإفتكاك سيطرة جماعة الحوثي على مفاصله مطلبا إقليميا لنزع فتيل  التصعيد الإقليمي الذي قد يتحول إلى مواجهة شاملة قد تدخل العالم في آتون حرب عالمية ثالثة.