الاثنين 22 إبريل 2024
مجتمع

لحسن العسبي: يوم كان مقررا بناء 9 أبراج عسكرية بحرية ألمانية بالمغرب سنة 1889

لحسن العسبي: يوم كان مقررا بناء 9 أبراج عسكرية بحرية ألمانية بالمغرب سنة 1889 لحسن العسبي والبرج الألماني بالرباط
قد يتفاجئ الكثيرون منا حين يعلموا أن البرج الألماني بالرباط (برج روتنبرغ)، الذي أنجزته ألمانيا بطلب من السلطان المغربي مولاي الحسن الأول ابتداء من سنة 1889، قد كان مندرجا ضمن مشروع عسكري لإعادة هيكلة كل السواحل المغربية في الضفتين المتوسطية والأطلسية (يمكن أن نسميه بلغة اليوم "مشروعا وطنيا")، يشمل بناء 9 أبراج بحرية عسكرية حديثة مزودة بمدافع من عيار 293 مللمتر مصوبة باتجاه البحر يصل مداها إلى 20 كلمترا.
كان المشروع الإصلاحي ذاك قد شرع في تنفيذه ابتداء من سنة 1889 وانتهت الأشغال في برج الرباط سنة 1903. أي أنه مشروع انطلق في عهد السلطان مولاي الحسن الأول وانتهى في عهد خلفه السلطان مولاي العزيز. وإذا كانت الوثائق والمصادر التاريخية لا تفيد حتى الآن في تحديد المدن التي كان مقررا إنجاز تلك القلاع العسكرية البحرية الدفاعية بها، فإن التحليل التاريخي لأدوار الموانئ المغربية خلال القرن التاسع عشر يسمح بالقول إنها مدن طرفاية/ أكادير/ الصويرة/ آسفي/ الجديدة/ الرباط/ سلا/ العرائش/ طنجة.
لو نفذ ذلك المشروع العسكري الطموح (حتى والتاريخ لا يكتب ب "لو")، لكان حال المغرب مختلفا أكيد على ما انتهت إليه الأمور بعد مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906، المفضية إلى توزيعه بين استعمارات متعددة ابتداء من سنة 1912.
ما هو مؤكد هو أن المهندس الألماني المكلف بتنفيذ ذلك المشروع العسكري البحري الإصلاحي الكبير والمهيكل، هو روتنبرغ وأن المدافع المتفق على شراءها كانت تصنع في معامل السلاح الألمانية "كروب" بمدينة آخن.
ما هو مؤكد أيضا أن ذلك المهندس الألماني، بعد الإنتهاء من بناء برج الرباط شرع في تنفيذ بناء برج مدينة سلا قرب قصبة سيدي موسى، وأنه بدأ فعليا في عمليات الحفر، قبل أن يأتيه القرار من برلين لمغادرة المغرب بعد التطورات المتسارعة ببلادنا بعد زيارة الإمبراطور الألماني غيوم الثاني سنة 1905، الذي دفع بقوى استعمارية غربية إلى الشروع في تنفيذ مخططاتها لوضع اليد على المغرب ووقف أي مشاريع إصلاحية به، كان في مقدمتها كل من فرنسا وإسبانيا بموافقة بريطانية (كان من ضمنها إطلاق اليد للمتمرد بوحمارة القادم من الجزائر).
ما هو مؤكد مرة ثالثة، هو أن بعضا من الطلبة المغاربة الذي بعثوا للدراسات العسكرية بألمانيا وإيطاليا وبريطانيا قد كانوا مشاركين في تنفيذ ذلك المشروع العسكري الجديد، منهم بخصوص برج الرباط كل من الزبير سكيرج (الذي درس بلندن)، الحسين الزعري (الذي درس بإيطاليا)، عبد السلام الفاسي (الذي درس بمدريد).
من بين ما يقوم دليلا على تخطيط فرنسا لمنع تنفيذ ذلك المشروع الضخم لبناء 9 أبراج عسكرية بحرية بالمغرب، أن ضابطها العسكري فورني (الذي كان في خصومة أيضا مع الضابط العسكري الإنجليزي ماكلين الذي عين نفسه جنرالا بالجيش السلطاني بعد وفاة الوزير با حماد الصدر الأعظم سنة 1900)، سيطلب مقابلة مع السلطان مولاي عبد العزيز أخبره خلالها أن ذلك البناء الألماني مهزوز ولن يتحمل قوة المدافع الموضوعة فيه، مقترحا عليه منع استمرار بناء باقي الأبراج الثمانية المتبقية.
سيقرر السلطان مولاي عبد العزيز الوقوف بنفسه على الأمر، حيث توجه إلى برج الرباط (الذي كان يطلق عليه حينها إسم "برج الرابطة")، وطلب من العسكريين البحارة المغاربة السلاويين بقيادة أحمد زنيبر إطلاق طلقتين من المدافع تلك صوب البحر (بعد أن غادر هو البناية احتياطا) وتم الإطلاق بنجاح، ما جعل مولاي عبد العزيز يعود إلى داخل البرج ويأمرهم بإطلاق طلقة ثالثة أمامه فنفذت بنجاح، الأمر الذي جعله يقرر التجاوز عن ملاحظة الضابط الفرنسي. كان ذلك سنة 1903 وأصدر الأمر للمهندس الألماني بالشروع في تنفيذ مشروع برج سلا.
(المرجع الذي فصل بالتدقيق في معلومات هذه الأبراج هو مخطوط رسالة الطالب المغربي الحسين الزعري العائد من المدرسة الملكية العسكرية من إيطاليا سنة 1898، المنشورة أجزاء كبيرة منها في الجزء الأول من كتاب "مظاهر يقظة المغرب" للفقيه المؤرخ محمد المنوني المكناسي).