الأحد 21 يوليو 2024
كتاب الرأي

حسان أبوحفص: العلاقة بين الفن والأخلاق                              

حسان أبوحفص: العلاقة بين الفن والأخلاق                               حسان أبوحفص
هل يمكن أن  نعتبر أن الفن والأخلاق مفهومان متلازمان؟ وما العلاقة التي تربط بينهما؟ 
في الواقع اذا كان تأثير الفن بكل أصنافه يحدث متعة وسحرا لدى المتلقي، فإن الحديث عنه أصبح مؤلما ومحزنا في الوقت الراهن إن لم نقل عقيما. 
الفن بدون رسالة وبدون أخلاقيات وبدون قيم إنسانية نبيلة هو عمل هابط ولا معنى له وبالتالي فهو يؤثر سلبا على المتلقى، وقبل أن نغوص في الحديث عنه وعن علاقته بالأخلاق لا بأس أن نضع بين ايديكم تعريفا مبسطا لمفهوم الفن. 
 ليس هناك تعريف محدد لمفهوم الفن، فالتعاريف متعددة ونسبية حسب فلسفة علم الجمال، فالشيء الذي تراه جميلا بالنسبة لك قد يراه الآخر غير ذلك.
لكن العديد من التعاريف تتقاطع في نقط مشتركة ومنها:
أن الفن نشاط إبداعي ينتجه الإنسان مخالفا للمألوف، إذ يخاطب الوجدان بسحره قبل أن يخاطب البصيرة .
وهو أيضا إثارة لكينونة الذات، وإعادة ربط الاتصال باللاوعي للتخفيف من معاناة خلفتها آثار سلبية على النفس، فيزيحها الفن ويحولها إلى طاقات إيجابية، بمعنى أن الفن علاج نفسي يريح الروح ويعيد إليها سكينتها.
الفنان لايرقى بفنه إلا إذا كانت إبداعاته تحمل بين طياتها أخلاقيات الصنعة، فهو يولد من رحم المعاناة حيث ينقلنا إلى عالم يسوده الخير والحب والسلام وينبذ الشر والحروب والإجرام.
عبر تاريخ الفنون كان الفن دائما مرتبطا بالأخلاق، فالشعر فن، والتمثيل فن، والكتابة فن. والرسم فن والسينما فن.... وكذلك المسرح أبو الفنون.
إن كلمة فن بالمفهوم العامي المتداول هو الدقة في الصنع، نجد في معجم اللغة أن الفن صنعة، والفن جملة الوسائل التي يستعملها الإنسان لإثارة المشاعر والعواطف خاصة منها المرتبطة بعلم الجمال.
في العصور الوسطى زينت الكنائس بتماثيل ولوحات فنية على شكل جداريات رسمت على سقوفها وكانت في مجملها تحمل رسائل أخلاقية تدعو إلى الخير ونبذ الشر والفوز بالجنة... وفي العالم الإسلامي زينت المساجد والقصور بفن التجريد والمنمنمات والفسيفساء غير المجسمة والتي سميت بفن الأرابيسك، وهو فن له قيمة جمالية تجعل الناظر إليها في حالة استشراق وذهول وانبهار وسكينة تحول الفضاء وقد غطاه  الوقار والعظمة، إلا أن تاريخ الفنون عند الغرب كان دائما يقصي وعن قصد الفنون العربية الإسلامية من مجلداته وخير دليل على ذلك الهندسة المعمارية الجميلة بالأندلس حيث كانت تنسب لغير العرب.
فن الأرابيسك هو فن تجريدي قديم  يعتمد في الأساس على أشكال ونماذج مجردة تنأى عن مشابهة المشخصات والمرئيات الواقعية لأن الدين كان يحرم فن التصوير ونحت التماثيل، بينما عند الغرب لم يظهر فن التجريد إلا في نهاية القرن التاسع عشر ميلادي مع "واصيلي كاندنسكي" الفنان الروسي رائد  المدرسة التجريدية. وكانت الغاية من فن الأرابيسك في المساجد خصوصا  إضفاء الطابع القدسي للمكان وإعطاء إحساس بالأمن والأمان في حضرة الخالق وإلا لما سمي المسجد ببيت الله.
وفي المقابل يلعب الفن دورا مهما  في التغيير والمقاومة والتمرد على كل أشكال القمع والتسلط... نذكر على سبيل المثال لا الحصر قصائد محمود درويش ونزار قباني وكتابات غسان كنفاني، ومقالات ممنوعة لسلامة موسى فقد كانت كلها نضالات من أجل الحرية والعيش الكريم للشعب الفلسطيني. 
في مجال الفنون البصرية أقدم رائد  المدرسة التكعيبية الرسام الإسباني "بابلو بيكاسو" على رسم لوحة جدارية سماها "غرنيكا" والتي  جسدت فضائع الحرب الأهلية حين قامت طائرات حربية ألمانية وإيطالية مساندة للنظام الدكتاتوري الإسباني آنذاك بقصف مدينة "غرنيكا".
هناك لوحة تشكيلية أخرى تعبيرية للفنان النورفيجي "ادفارد مونش" سميت بالصرخة والتي بيعت بثمن خيالي يقدر ب120 مليون دولار. هذه اللوحة تجسد صرخة الفنان النابعة من معاناته وقلقه وخوفه من ضغوطات الحياة؛ وهي لوحة ليست بالجميلة بقدر ما هي جد معبرة عن الرعب الذي يمارسه أشرار العالم المتحكمون في اقتصاده .
ختاما من هو الفنان الحقيقي؟ هل الفنان الحقيقي هو من يتقن فن الرسم وله مهارات وقدرات عالية وله كم هائل من  المعارف والمعلومات حول تصنيف المدارس وتاريخها وأسماء روادها، ويبيع لوحاته بأثمنة باهضة ويخلق سعادة مزيفة  لزبنائه؟ بالطبع لا.
وهل هو ذاك الشخص الذي ينصرف  إلى الفن التجريدي بسبب عجزه عن الإبداع ليشكل بمواده هرطقات  رمزية يكذب بها على زبنائه ومتلقيه، علما أن فن التجريد هو أسمى الفنون البصرية لما يحمله من فلسفة علم الجمال. فالتجريد ليس في متناول كل من هب ودب. فلنخجل من أنفسنا وكفى كذبا على الذقون.
من هو  الفنان الحقيقي إذن؟ 
الفنان الحقيقي هو إنسان باحث في الثقافة البصرية مبتكر ومبدع، له أفكار وانتاجات غير مألوفة وسابقة لعصره، قد يظن الناس أنه شخص مجنون وغريب الأطوار، لكن الواقع يؤكد أنه أوسع الناس تخيلا وأحسنهم اخلاقا وإحساسا.
أستحضر هنا الفنان رياض السنباطي الملحن الكبير والعالمي الذي لم ينل هذا الاستحقاق لأن الغرب لا يعترف إلا بأبناء جلدته . 
الفنان إذن كنز من الأحاسيس، ولا عيب إذا قلنا أن هذا الفنان كثير الإحساس، وهي  ميزة تجعل منه فنانا حقيقيا يقود قاطرة التنمية. فلا تنمية اجتماعية وسياسية واقتصادية في غياب فنون راقية.
 
حسان أبوحفص/ فنان تشكيلي وأستاذ علوم فيزيائية