الأحد 14 إبريل 2024
كتاب الرأي

إدريس الأندلسي: أشباه السياسيين يقتلون ذاكرة مدن بلادنا 

إدريس الأندلسي: أشباه السياسيين يقتلون ذاكرة مدن بلادنا  إدريس الأندلسي
بدأ موضوع المحافظة على ذاكرة مدننا وخصوصا منها تلك التي توصف بالعريقة منذ عشرات السنين. ظن الكثير من أصحاب القرار أن الأمر يحتاج إلى المال فقط وبعض الخبراء. 
كان مصير هذه النظرة الفوقية والبسيطة، لأمور تتطلب علم المؤرخ ونظرة علم الإجتماع والخبير المعماري والمثقف الملتزم وغيرهم من الجادين، تعثر الكثير من مشاريع إعادة الاعتبار لمكونات حضارية سكنت من أسسوا مدننا ووضعوها على خارطة الثقافة الإنسانية. الشيء الوحيد الذي نجح نسبيا هو تحويل رياضات ومنازل قديمة إلى منتوج سياحي مدر للدخل. 
مدننا العتيقة رأسمال ثمين لقي رعاية ملكية منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن. المشكل في الإخفاق ليس ماليا ولا في غياب المعطيات التاريخية كعنصر لإعادة احياء أمكنة تاريخية تحمل ذاكرة هي في البدء وفي العمق رأسمال لامادي ينير طريق أجيال من المغاربة في يومنا هذا وفي غدنا الذي نريده أن يكون مشرقا. نريده أن يكون نبراسا في مجال الإقتصاد الثقافي وليس مجالا لتمرير قرارات حول صفقات من طرف أميين ابتلينا بهم عبر انتخابات لا يدخلها، في الغالب، صاحب الفكر وممتهن البحث العلمي وذلك الذي لا قدرة له على مقارعة خبراء المعارك الانتخابية. وتسند الأمور الخاصة بذاكرة المدن إلى من يضحكون بصراخ جامح حين يتعلق الأمر بقضايا الثقافة. 
بدأت سياسة إعادة هيكلة المدن العتيقة وأشرف عليها ملك البلاد بكثير من العزم والإلتزام والنزول إلى الميدان. من سمحت له الظروف لوضع إقتراح مبني على معطيات صلبة بين يدي عاهل المغرب لا ينسى أن إقتراحه نوقش بجدية وقوبل برأي وقرار إيجابي جدا. وضعت برامج لإعادة الروح للمدن القديمة وحرص الملك محمد السادس على التنقل إلى الكثير من المدن وتم رصد الميزانيات ولكن النتائج ظلت في بعض المدن دون مستوى الرغبة الملكية في تسريع مسلسل إعادة المدن العتيقة لتصبح منبعا لخلق الثروات المادية واللامادية. 
ولنرجع إلى قراءة أسباب النجاح ومسببات الفشل. السبب الأول هو ضعف أو قوة الإشراف على التخطيط والتنفيذ. في مدن طنجة وتطوان اوكلت وزارة الداخلية عبر الولايات مهمة الإنجاز إلى وكالة تنمية الشمال  وكان المشروعان على موعد مع الإنجاز. مدينة طنجة نجحت في تنزيل النظرة الملكية بامتياز. كانت البداية استماع إلى أهل العلم  والمعرفة التاريخية في مستواها العمراني. كانت عدة أحياء محجوبة عن النظر فجاء مشروع فتح الواجهة الشمالية لطنجة عبر طريق كبير يكشف عن وجه المدينة من حي الدرادب إلى القصبة مرورا بحي مرشان. من يتجول على الكورنيش الممتد من شاطىء مرقالة إلى غاية الميناء يكتشف كنوزا معمارية لم تراها الأعين قبل إعادة الإعمار. يوم طنجة وليلها حفلة تحفها الأنوار ويحبها الزوار. ونفس النجاح عرفه المشروع التكميلي لإعادة هيكلة مدينة تطوان الذي تميز بشموله لعدة أشغال همت الطرق داخل المدينة والمساجد العتيقة والأسواق والدور الآيلة للسقوط والساحات. 
 من زار مدينة أصيلة  وترجل عبر الطرق المجاورة لسورها يعرف أن الثقافة وأهلها سهروا على توهجها وصحوتها الجمالية.
 وقد تطلب أمر هذه المدينة نفسا طويلا كان له الأثر الكبير على احدات تغيير في التعامل مع الرأسمال المعماري والثقافي للمدينة. 
العرائش لا زالت تعيش عزلة منذ سنين وتنتظر صحوة تعيد نشوة التمتع بجمال معمارها. مرت مجالس ترابية بألوان سياسية مختلفة وظلت هذه المدينة مجرد سجل لتصريحات ووعود انتخابية منذ عشرات السنين. ونفس الأمر يهم مدنا مثل ازمور والجديدة. جاء أناس إلى ميدان التدبير الوزاري والترابي فخلطوا بين تسيير الصفقات العمومية وبين الفهم الثقافي العميق لتاريخ  ومسار مدن. حين تتعرض مآثر تاريخية لهجوم أسمتني يسكت أصحاب القرار ويعتبرون رأي واحتجاج المثقف والمناضل من أجل الذاكرة التاريخية مجرد حقد على "نخب" تضع تصريف المياه العادمة فوق الآثار التاريخية في لائحة الأشياء العادية جدا. وكان التحرك الذي قامت به جمعيات حماية الذاكرة بالمغرب سببا في دق ناقوس الخطر حول مصير المأثر التاريخية  وبنيات المعمار التاريخي. وقد تابعنا ماحصل في مدينة أسفي جراء محاولة الاعتداء على معلمة قصر البحر. تحركت الجمعيات والجسم الصحافي ووجد هذا التحرك تجاوبا من طرف وزارة الثقافة وتم تسريع خطة تمويل إعادة تأهيل القصر المذكور ويظل موضوع إعادة تأهيل وإعمار المدينة العتيقة لأسفي معلقا. دور قديمة آيلة للسقوط  وأزقة تتدهور  مؤسسات تاريخية يطالها الإهمال. الأمر يتطلب تكوين لجنة خبراء ووحدة للتنفيذ مسلحة بالخبرة والتأطير المؤسساتي الفعال.
زار وفد من جمعيات حماية ذاكرة مدننا منطقة الأندلس وتأكدوا حرص مدبري الشأن الثقافي بهذه المنطقة كبير جدا في مجال الحفاظ على كل مكونات ماضيهم. كل هذا يقع في الوقت الذي تضع فيه حكوماتنا ميزانيات كبيرة تحت تصرف من لا يفقهون في التاريخ ولا في حمولة المعمار. اختلطت الأمور حتى أصبح التقني البسيط يطغى على المؤرخ والعارف بالمكونات الثقافية لرأسمال البلاد. لو ترك الأمر للبسطاء معرفيا لانهارت رموز معمار الرباط و لانهارت معلمة لوداية بحديقتها الأندلسية ومقهاها الفريد من نوعه. مراكش لم تعش نهضة أحياء الذاكرة بالشكل المطلوب لأن تدخلات من لا يفقهون في أمور الذاكرة والثراث كانت قوية في مجال القرار.
آسفي المدينة التي وصفها كبار المؤرخين بعاصمة المحيط استسلمت إلى قرار أشباه السياسيين الذين قطعوا أوصالها. تم الترخيص بالبناء فوق مناطق تاريخية تحمل تحتها كنوزا تشهد على تاريخ ممتد في القدم. آسفي العاصمة لها من المقدرات ما يجعلها  في قمة المدن المطلة على المحيط الأطلسي. وللتذكير فرحلة راع الأولى والثانية والتي مضى عليها الكثير من العقود انطلقت بمباركة ملكية ومتابعة دولية من هذه المدينة. هذه المدينة التي تحمل ارثا تاريخيا كبيرا لازال ينظر إلى إعادة تأهيلها بمنظار بعض صغار التقنوقراط وليس بوعي المؤرخ والمهندس المعماري المثقف وتصور الباحث الإجتماعي. إعادة هيكلة مدينة قديمة قضية سياسة عمومية تحتاج إلى الكفاءة والقدرة على المتابعة وخصوصا إلى التقييم الصحيح. 
حين يصبح من لازال محتاجا إلى محاربة الأمية الآمر والناهي بإسم حزب طوفي مجلس ترابي في كل القضايا، فلنعلم، بكثير من اليأس، أن الديمقراطية تحتاج إلى الكثير من الوصاية من طرف الدولة. هذا الاستنتاج ليس إعلان تراجع عن الإيمان بمبادئ الإختيار الديمقراطي ولكنه إقرار بضعف محاسبة من راكموا ثروات دون محاسبة وأصبحوا أصحاب كل القرارات. أمر إعادة إعمار المدن العتيقة جدي للغاية  ويتطلب الحرص الكبير على أن يتولاه ذوو الخبرة في إطار شفاف ومحاسبة كبيرة وتقييم قبلي وبعدي وأثناء الإنجاز. إعادة إعمار المدن العتيقة ليس مجرد تغيير شكل أبواب وصباغة حائط ولكن تأهيل بنيات حضرية لخلق مناصب شغل وحركة اقتصادية وثقافية تنبع من قلب الأحياء القديمة. ولنا في الأحياء العتيقة لكثير من دول الجوار في شمال البحر الأبيض المتوسط أمثلة على إمكانيات تثمين رأسمال مدننا العتيقة.