الاثنين 24 يونيو 2024
فن وثقافة

العالم اللغوي محمد بن عبدالجليل بلقزيز: صانع المعاجم والمصطلحات

 
 
العالم اللغوي محمد بن عبدالجليل بلقزيز: صانع المعاجم والمصطلحات محمد بن عبدالجليل بلقزيز وبعضا من مؤلفاته
■ عمر في خدمة العربية :
 في الحلقة السابقة من برنامجه الإذاعي "مدارات"،  تحدث  الكاتب الإعلامي عبدالإله التهاني بإسهاب ، عن العالم  اللغوي محمد بن عبدالجليل بلقزيز ، واصفا إياه بأنه أحد أعلام الدراسات اللغوية في المغرب،  وأنه صرف سنوات طويلة من حياته ، باحثا مدققا  في قضايا اللغة، موليا عنايته لخدمة اللغة العربية، ولاسيما مشروعه الضخم  الذي انخرط فيه ، والمتمثل في وضع سلسلة من المعاجم العربية ،
 في مختلف العلوم والمعارف والفنون ، والصناعات والحرف والنباتات، والمخلوقات البرية  والبحرية ، وكذا في مجال النظم السياسية والإدارية  وغيرها.
وأضاف يقول،  بأن هذا العالم اللغوي ، قد اشتغل في واجهتين أساسيتين من الدراسات اللغوية  ، هما منهجا التأثيل والتوليد ، وفيهما تحرك عقله واجتهاده،  فأنتج رصيدا ضخما من المؤلفات ،  تعدت أجزاؤها الثلاثين إصدارا . 
■  اللغوي المتفرد :  
 وأسهب عبدالإله التهاني في إيراد ما ذكرته القواميس حول هذين المنهجين ، والتعريف الذي أعطته لمفهوم التأثيل،  باعتباره علم البحث في أصول الكلمات ، يقوم على دراسة أصول الالفاظ والكلمات ،  ومنهج تطورها ، ومقارنة المتشابه منها  في لغات تنتسب إلى أسرة لغوية واحدة.  
 وتعريفا بمنهج التوليد في اللغة،  استنادا إلى القواميس، ذكر أنه يقصد به الإحداث والانتاج ، مضيفا أن علماء العربية يطلقون لفظ "المولد "،  على المحدث من كلام الناس  مما ليس له أصالة عتيقة في اللغة العربية، وأنه في الاصطلاح يقصد بالتوليد ، استخراج او استحداث أوزان وكلمات وصيغ جديدة،  لها أصول عربية ، أو هي مقيسة على العريية. كما أورد ما ذكرته القواميس من تعريف للعملية التوليدية في اللغة ، كونها تسعى إلى توليد كلمات جديدة في لغة ما ، وذلك قياسا على صيغ موجودة في هذه اللغة، مع مراعاة الانظمة والقواعد الخاصة بها. 
■ من الانبهار بالفلسفة إلى عشق اللغة :
 وعاد عبدالإله التهاني إلى الوراء ، للوقوف على المسار العلمي الطويل للعالم اللغوي محمد عبدالجليل بلقزيز ، منذ بدايات تتلمذه على والده الفقيه عبدالجليل بلقزيز ، مرورا بالمدرسة الفرنسية في مراكش ، وصولا إلى فترة تكوينه بكلية ابن يوسف في نفس المدينة، ثم معهد الدراسات المغربية العليا بالرباط ، الذي حصل منه على دبلوم في اللغة العربية، بعد أن كان قد حاز شهادة العالمية من جامعة القرويين . 
 وأوضح التهاني أن سيرة البحاثة محمد بلقزيز ، تبرز أيضا تعلقه بدراسة الفلسفة والمنطق، حيث كان في نيته تحضير أطروحته في الفلسفة ، تحت إشراف المفكر الفلسفي المصري الدكتور نجيب بلدي ، لولا إكراهات اعترضته ، فتحول إلى التركيز على أبحاثه في المجال اللغوي.
 ونقل معد ومقدم البرنامج عن العالم محمد عبدالجليل بلقزيز ، إعجابه بالدياليكتيك الهيجلي ، وبالحوار الجاري بين الفكر والواقع ، والذي ينتج عنه دوما إصلاح الفكر والواقع معا.
 كما نقل عن العالم بلقزيز،  إعجابه بفلسفة الروح عند الفيلسوف الالماني هيجل ، حيث كان يعتبرها " خير فلسفة تفسر تطور الوجود والفكر ، وتحركهما حركة دياليكتية ، في انفعال متبادل ومستمر " .
 وأورد عبدالإله التهاني اقتباسات من الشروحات الفلسفية للعالم اللغوي محمد بلقزيز،  والتي أدرجها ضمن سيرته الذاتية " حياتي بقلمي"  ، حيث كان يرى " أن الفكر يتحرك دوما نحو الطبيعة ليسجل فيها نفسه ، بما يصنع من أدوات وآلات ، وبما ينجز  فيها من أعمال ، وأن الطبيعة دائما لا توافق الفكر على آراءه، فتظهر له ما فيها من أخطاء ، وأن الفكر قد لايدرك تلك الأخطاء، فيستمر متقبلا لها على أنها صحيحة إلى حين،  ثم يتبين خطؤه، وأن الطبيعة حينما تظهر للانسان خطأه ، فإنه يرتد على نفسه ، مصلحا آراءه قبل أن يختبرها لاحقا ، مرة أخرى في الطبيعة " ، كما يقول . 
وأوضح التهاني أن العالم الفقيه محمد بلقزيز ، استخلص من كل هذا أن الحوار بين الفكر والطبيعة ، يستمر إلى ما شاء الله ، وكأن الفكر يسجل نفسه في لوح الروح ، والطبيعة تسجل نفسها في لوح الفكر،  وأنه نتيجة لذلك يتقدم الفكر دوما ، خطوة بعد خطوة ، إلى أن يكتمل نموه.  
■النحت في جغرافية المصطلحات : 
 وانتقل عبدالإله التهاني إلى استعراض مؤلفات هذا الفقيه والباحث اللغوي ، بدءا بكتابه : "مفردات العين " الذي أصدره عام 1980، وهو على شكل معجم عربي فرنسي وفرنسي عربي، يتعلق بتشريح العين وعللها، مستخرج من كتب الطب العربي ومعاجم اللغة الأصيلة، حيث جمع الاستاذ محمد بن عبدالجليل بلقزيز في هذا الكتاب ، مصطلحات تشريح العين وعللها ، وأورد منها  خمسمائة مصطلح ، معتمدا في ذلك  على كتاب "القانون" لابن سينا . 
وأوضح عبدالاله التهاني أن العالم اللغوي بلقزيز ، قد رفع بعد كتابه هذا ،  من وتيرة إصداراته في باب الدراسات اللغوية ، وخاصة منها معاجم المصطلحات. 
 وقدم  معد ومقدم برنامج "مدارات " ،  تعريفا موجزا، بكل مؤلف من مؤلفاته.
ويتعلق الأمر بكتابه "الطريقة العربية للتحليل اللغوي"، وكتاب " مدخل للطريقة الموحدة للتحليل اللغوي" ، ثم كتاب  "مصطلحات العلل في المراجع العربية" ، وهو كتاب يقع في ثلاثة أجزاء .  وتنضاف إلى هذه المصنفات  ، مؤلفات أخرى ، من قبيل  كتابه  "مصطلحات الطب والادوية" ، وهو في جزأين ، وكتابه المسمى : "مصطلحات العلاج في المراجع العربية بطريقة التأثيل" ، علاوة على كتابه الاخر : " مصطلحات التشريح في المراجع العربية الاصيلة"، وهو كتاب ألفه في جزأين ، وتناول فيه موضوعات التشريح.
 وقد عرف العالم اللغوي بلقزيز مؤلفه هذا بالقول أنه" تمكن فيه من مواضيع التشريح ، واحدا بعد آخر ، وكل موضوع يشمل المصطلحات المرتبطة به" ، 
لافتا إلى أنه لم يكن له مرجع يعتمده في هذا الباب ، وإنما كانت له موضوعات  مكتوبة بالفرنسية ومفردات عربية عنده،  أو محصلة من دراسته الطويلة لكتاب "القانون " لابن سينا ، ولكتاب  "لسان العرب" لابن منظور .
وأشار معد ومقدم البرنامج إلى مؤلفات أخرى للباحث اللغوي محمد بن عبدالجليل بلقزيز ، فأورد منها ، كتاب " تشخيص الصيغ اللغوية في اللغة العربية" ،  وكتاب " المعادن والاجسام الكيميائية في المراجع العربيةالاصيلة" ، وهو في جزأين ، وكتاب " الحيوان في المراجع العربية الاصيلة" .
■ رحلة في مصطلحات الألوان والالبسة والاطعمة والاشربة والفنون والحرف : 
وفي ذات السياق ، أشار عبدالاله التهاني إلى سلسلة أخرى من الكتب المميزة ، التي أغنى بها الباحث الاستاذ بلقزيز المكتبة المغربية والعربية ، وحظيت باهتمام المختصين . ويتعلق الامر بكتاب " حضارة وثقافة عبر أصباغ وألوان" . وقد أدرج فيه موضوعات ومصطلحات، تخص الالوان وأسماءها ، وعمليات الصباغة ، وأشكال  النقش والتزيين ، ثم  كتاب "حضارة وثقافة عبر أنسجة ولباس" ، وهو كتاب فيه موضوعات ومعجم حول الالياف المستخلصة من الحيوان ، كالصوف والحرير والشعر والوبر ، وأنواع الانسجة وأدواتها، وأشكال اللباس والخياطة، وأنواع الفتل والغزل  الاصطناعية ، إضافة إلى كتابه  : "حضارة وثقافة عبر أطعمة وأشربة" ، وقد نشره في جزأين ، وجمع فيه بين تحرير موضوعات ، وإعداد معجم بمصطلحات الاطعمة والاشربة  العربية والغربية،  بلغت في مجموعها 550 مفردة ، ثم 
 كتابه :  " حضارة وثقافة عبر منشآت وفنون وحرف " .
 وقد أشار التهاني إلى أن هذا الكتاب صدر في جزأين ، وتناول فيه البحاثة محمد بن عبدالجليل بلقزيز ، موضوعات  ذات الصلة بالمنشآت والفنون والحرف .
كما تضمن هذا الكتاب ، معجما صغيرا للمفردات الفرنسية المقابلة للمصطلحات العربية ذات الصلة  بهذه المظاهر الحضارية المذكورة ، إذ أورد
 فيه كل ما يتعلق بالمآثر والمنشآت  ، والحصون والبروج ، ووساءل السقي وقنوات المياه ، وأنواع السكن،  والمجال الاخضر ، والبريد  والمواصلات ، والمطارات والموانىء ، ووسائل الاعلام  والاتصال ، والمنشآت الدينية والسياسية والصناعية والصحية والثقافية، وما إلى ذلك.
وتوقف عبدالاله  التهاني أيضا عند كتاب آخر للعالم اللغوي بلقزيز ، كان  قد أصدره في ثلاثة أجزاء ، تحت عنوان :  "حضارة وثقافة عبر اعتمال الارض وتربية المواشي"  ، تضمن موضوعات ومصطلحات بالعربية والفرنسية في مجالات مختلفة ، كضروب النبات وغريبه ومواقعه، وأنواع الطقس ، والبساتين والحدائق، والارض الموات ، واعتمال الارض والتسميد والاسمدة ، وسواءل النبات ، ونشوء النبات ، والسوس والحشرات المفسدة للنبات ، وعلل النبات،  والاضرار اللاحقة به ، والنخيل والزروع والكروم ، والكلا والرعي ، والنعم والماشية ، وتربية الطير وعلل الحيوان ، وعلل الابل،  وعلل النخيل ، وغير ذلك من الموضوعات الطريفة،  وما يتصل بها من مصطلحات وصفية دقيقة، وفق منهج التأثيل.
■ نحو تأليف جديد في العلوم يستغني عن الترجمة  : 
وختم معد ومقدم برنامج "مدارات" ،  استعراضه لرصيد  البحاثة اللغوي محمد بن عبدالجليل بلقزيز
 من التآليف ، بالتوقف عند كتبه الاخرى ، والتي لا تقل أهمية عن سابقاتها ،  من قيمتها العلمية. 
وفي هذا الصدد ، أشار إلى كتابه "مصطلحات علمية بطريقة التأثيل" ، وكتابه حول " المفردات الدارجة من العربية الدارجة المغربية" ، وكذا مؤلفه الطريف الذي أصدره في ثلاثة أجزاء ، بعنوان : " بهرزة اللغة العربية في موضوع السمك وحيون الماء الملح والعذب " ، حيث خصص الجزء الاول من الكتاب للمصطلحات العامة الخاصة بالسمك ، وحيوان الماء الملح والعذب ، ولاسماء الحيوانات التي تعيش في هذين النوعين من الماء ، في حين جاء الجزء الثاني متضمنا لمعجم فرنسي عربي ، بكل المصطلحات المدروسة في الجزء الاول .
وقد عرف البحاثة بلقزيز الجزء الثالث من هذا الكتاب ، بأنه يشتمل على موضوعات بالعربية ، غير مصحوبة بترجمة ، لكن مع بيانات بالعريية للمفردات المذكورة في الكتاب ، مشددا على أنه قصد بهذا النوع من التحرير ، تدشين عهد جديد للتأليف في العلوم بالعربية، مع الاستغناء عن الترجمة .كما أشار إلى أنه رجع في هذه الدراسة،  إلى الوثائق الخاصة بالمادة الطبية ، ككتاب الجامع  لابن البيطار ، وكتاب التذكرة للشيخ داوود الانطاكي.
■ حياة بالقلم  : 
وبعد أن أشار إلى كتابين يعتبران من بين آخر إصدارات العالم اللغوي محمد بلقزيز ، وهما منهج التأثيل وبهرزة اللغة العربية" ، وكتاب " مدخل تمازيغت في 100موضوع" ، توقف  عبدالاله التهاني عند سيرته الذاتية التي كتبها وأصدرها الاستاذ بلقزيز عام 2018 ، تحت عنوان :  " حياتي بقلمي" ،  وهو وقتها في سن التاسعة والثمانين ، وهي سيرة تقع في 366 صفحة ، اختزل فيها أهم المراحل التي ميزت تنشءته وتكوينه ، ومعلومات وذكريات عن والديه وأسرته الصغيرة ، وعن مساره العلمي وشيوخه ، وتآليفه ، والمسؤوليات التربوية التي تولاها ، وما تقاسمه مع غيره من أواصر إنسانية وعلاقات فكرية، وكذا منتقيات من بعض الخطابات والمراسلات التي وردت عليه،  أو تبادلها مع عدد من أعلام الثقافة والمعرفة مغربيا وعربيا . وكان لافتا إدراج العالم بلقزيز في سيرته ، ثلاثة تنويهات ملكية خطية توصل بها ، تقديرا لاعماله ومؤلفاته، وكذا الأوسمة والجوائز  والشهادات العلمية  والتقديرية  التي حصلت عليها .
كما تضمنت هذه السيرة الذاتية ، منتخبات من بعض كتاباته ودراساته المميزة.