الثلاثاء 16 يوليو 2024
فن وثقافة

على هامش ندوة مواسم التبوريدة.. إدماج التراث في مسلسل التنمية ضرورة قصوى

على هامش ندوة مواسم التبوريدة.. إدماج التراث في مسلسل التنمية ضرورة قصوى جانب من اللقاء وفي الإطار الباحث السوسيولوجي الأستاذ عمر إيبوركي

كانت ندوة النادي الملكي بدار السلام مساء يوم الثلاثاء 30 ماي 2023، فرصة سانحة لإثارة ملف غاية في الأهمية، وهو موضوع "مواسم التبوريدة السنوية بالمغرب ودورها في التنمية المجالية"، حيث ساهمت بصفتي كفاعل إعلامي مهتم بالتراث إلى جانب كل من الدكتور الباحث والكاتب حسن نجمي والباحث محمد خراز مدير قطاع الثقافة بمكناس، فضلا عن رئيس جماعة مولاي عبد الله مولاي المهدي الفاطمي (موسم مولاي عبد الله)، ورئيس جمعية الإخلاص للفروسية التقليدية بمكناس عبد الرحمن الريحاني (موسم تيسة).

ولإغناء النقاش العمومي ومواكبة من جريدة "أنفاس بريس" لموضوع التراث وفعاليات دار السلام برسم سنة 2023، كانت قد وجهت أسئلة محورية للباحث السوسيولوجي والأنثروبولوجي الأستاذ عمر إيبوركي قبل انعقاد ذات الندوة بيوم واحد، حول القيمة الاجتماعية والرمزية لمفهوم الموسم؟ ودور الموسم في مسلسل التنمية؟ وكيف يتمثل المجتمع المغربي مفهوم الموسم السنوي كمجال ثقافي بأبعاده الاقتصادي والاجتماعي والدينية والفرجوية..وأسئلة أخرى ذات الصلة بنفس الموضوع؟

تجدر الإشارة إلى أن جريدة "أنفاس بريس" ستنشر مضمون مداخلات المشاركين في ندوة دار السلام بعد بثها يوم الخميس 8 يونيو 2023 على شاشة القناة الأولى بالتلفزة المغربية.

 

إليكم وجهة نظر الباحث السوسيولوجي الأستاذ عمر إيبوركي

تمثل المواسم السنوية قيمة اجتماعية ورمزية في المجتمع المغربي، لتعدد أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والروحية، فهي مؤسسات راسخة في الذهنية المغربية، بل وتشكل جزء هاما وركنا أساسيا من التراث المغربي الذي تشكل عبر التاريخ، ويعبر القرون ليستمر من جيل إلى آخر، وما يزال الموسم كبعد ثقافي يستمر إلى اليوم وبنفس القيمة الاجتماعية عبر مختلف المناطق المغربية، وكنموذج للاحتفالية وللتبادل الاقتصادي والتواصل الثقافي بين الأفراد.

ويعتبر الموسم كمجال ثقافي تتفاعل فيه مجموعة من الأفراد، والأفكار والتصورات، والتمثلات، فهو مجال رمزي أكثر منه مادي رغم  النشاط التجاري وتسويق البضائع، وأشكال الفرجة.

وانطلاقا من المقاربة الأنثربولوجية التي تنطلق من مسلمة التنوع الاجتماعي بوصفها السمة المميزة للتنظيم الاجتماعي العام للمجتمع المغربي، يمكن اعتبار الموسم مؤسسة تختزل لنا مجموعة من المكونات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والمجالية، هذه المكونات كلها تجتمع في الموسم كبنية ثقافية تكشف لنا مجموعة من الممارسات والطقوس التي ترمز إلى طبيعة المجتمع المحلي المادية منها واللامادية.

فهو (الموسم) مجال يعكس نوعية الفئات الاجتماعية حسب الأنشطة، والمعتقدات، وآليات الترفيه والفرجة... وتلك هي الصورة الفسيفسائية لمجتمع مركب كالمجتمع المغربي الذي من سماته التنوع الاجتماعي والثقافي. وإلى جانب مجموعة من المكونات فالمواسم السنوية تشكل تراثا مغربيا له قيمته الاجتماعية، وجزء من الثقافة المغربية بمعناها الواسع.

ما هو التراث؟ وماهي قيمته الرمزية والاجتماعية؟ وما علاقة المحافظة عليه وصيانته بالتنمية المستدامة؟

في تعريف اليونسكو: إن ما يمثل ويميز مجتمع معين عن مجتمع هو تلك الثروات التي ورثناها عن أسلافنا، ونعاصرها حاليا، ويتوجب علينا أن نورثها لخلفنا..

وفي تعريف وزارة الثقافة المغربية: فالتراث هو ماضينا وتاريخنا الحاضر فينا من ثقافة أو طبيعة أو معالم ومقدسات أعلام ومدن ومآثر تاريخية وزوايا وحضارات متتالية...

إن التراث هو مجموعة متراكمة ومتلاحقة بين العصور والحقب الزمنية، هو عبارة عن بنية تراكمية عبر أجيال متلاحقة. إنه ما ورثته الأمم وما تركته من انتاجات حضارية وفكرية اجتمعت بتوالي العصور والحقب الزمنية. بمعنى أن التراث ما هو موروث في مجتمع معين عن الأجيال العابرة من عادات وأخلاق وآداب وتعاليم وتنظيمات أو مجموعة من السلوكات التي انحدرت الينا من الأجيال السالفة.

إن التراث ما هو حاضر فينا، لأنه يمثل تاريخ الأمم وذاكرتها الجماعية من خلال ما خلفته الأجيال السابقة من مخزون ثقافي متوارث بين الأجداد من عادات وتقاليد ومعتقدات تعبر عن القيم الدينية والاجتماعية والثقافية.

ينقسم التراث الثقافي إلى نوعين أساسيين:

ـ التراث الثقافي المادي: ويقصد به ما هو ملموس، من عناصر وأشياء اكتسبها الانسان وطورها لتلبية حاجياته كالمباني والمدن العتيقة، والملابس ونوعية الأطعمة، والآلات الموسيقية والصناعات الحرفية اليدوية...

ـ التراث الثقافي اللامادي: وهو ما يبتكره الإنسان ويستخدمه من سمات ثقافية، ومهارات وقيم، وعادات، ومعتقدات واتجاهات توجه سلوك الأفراد وتصرفاتهم. فالثقافة اللامادية غير واضحة أو ملموسة ولكنها توجه السلوك وتتحكم في حياتنا اليومية، وهي نوعان:

 أ – شفاهية: كالأمثال الشعبية والأغاني والحكايات والنكت والألغاز...

 ب – فعلية: كالاحتفالات والمواسم والأعياد والمناسبات والألعاب الشعبية

إن الثقافة بكل مكوناتها هي كل ما ينتجه الإنسان تلبية لحاجاته، وما يستخدمه في تفاعله الاجتماعي والرمزي من عادات وتقاليد وقيم وطقوس لترسيخ انسجام المجتمع واستمراريته.

أهمية التراث وعلاقته بالتنمية :

أهمية المقاربة السوسيو- أنثربولوجية للتنمية المحلية، ودورها  في إبراز العلاقة بين التنمية والثقافة، فالتوظيف الاجتماعي والمؤسساتي للموروث الثقافي قد يسهم في بلورة مشاريع تنموية رائدة، أو قد يتحول إلى أداة لتكريس الركود والتخلف الاجتماعي.

على هذا الأساس تفرض التنمية الترابية تركيز المجهودات في تنويع الأنشطة، والتكيف مع ظروف الوسط الطبيعي والمحيط الثقافي للسكان، وإعطاء أهمية خاصة لمقومات الهوية المحلية (عادات وتقاليد وقيم...)، والخصوصيات المحلية الفريدة، لأن هذه العناصر هي "الركيزة الأساسية لكل تنمية محلية مستدامة". إذ أنه لا وجود لتنمية اجتماعية دون تجديد، دون إبداع، دون تغيير للذهنيات والعقليات، لا حديث عن تنمية اجتماعية بدون ثورة علمية وثقافية، وبدون انطلاق من الموارد والإمكانات المحلية الذاتية، والمقومات اللامادية وإدماجها في سياسات التنمية.

من هنا تبرز إشكالية العلاقة بين التنمية والثقافة، إذ أننا سنجعل من هذه العلاقة منطلقا سوسيو أنثربولوجيا محوريا، للبحث في دور التراث الشعبي وأهميته في تعزيز التنمية المحلية. على اعتبار أن التراث بكل مكوناته الثقافية والمعمارية والطبيعية يُعَدُّ المُحرّك والمحفز للطاقات المنتجة من أجل تنمية مندمجة ومستديمة.

 لقد أصبح التراث يشكل بعدا أساسيا في التنمية ومكونا من مكونات التهيئة المجالية، يقتضي الصيانة والتثمين في إطار نظرة شمولية تأخذ بعين الاعتبار، رصد مختلف التفاعلات بين التراث وباقي القطاعات، كالثقافة والصناعة التقليدية والسياحة.

التراث مكون أساسي في سياسة إعداد التراب الوطني

لا بد من استراتيجية  لتثمين التراث وتعبئته لأنها مسألة ملحة في وقتنا الحاضر (هذا ما جعله مكونا أساسيا في سياسة إعداد التراب، إذ أولاه التصميم الوطني لإعداد التراب والتنمية المستدامة عناية كبيرة). وترتكز هذه السياسة على انتهاج مقاربة مندمجة لصيانة التراث، تقوم على نسق متكامل من التدابير والإجراءات الهادفة إلى ضمان استمراريته في محيط طبيعي وبشري ملائم، يتم توظيفه توظيفا عقلانيا، للاستفادة من منافعه حاضرا ومستقبلا. وذلك عبر:

توثيق التراث و حمايته: بالاعتماد على مجموعة من التدابير التقنية والقانونية والتنظيمية التي يتعين تحديدها، والأخذ بعين الاعتبار كون التراث ـ يشكل ـ جزءا لا يتجزأ من النسق الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

2 ـ إصدار قانون لحماية التراث: يحين ويكمل القوانين القائمة، ليتخذ كمرجعية لتصنيف مكونات التراث بغية المحافظة عليها.

ومن هذا المنطلق يعد إدماج التراث في مسلسل التنمية ضرورة قصوى، عبر تعبئة مختلف مكوناته الثقافية والطبيعية و المعمارية، ومن أجل المساهمة في التنمية الترابية المستديمة.