الأربعاء 24 إبريل 2024
اقتصاد

الوحداني: التاريخ الاقتصادي الموجز لآيت باعمران.. ميناء إفني ولعنة التاريخ ! (1)

الوحداني: التاريخ الاقتصادي الموجز لآيت باعمران.. ميناء إفني ولعنة التاريخ ! (1) صور الميناء البحري العائم الذي بنته إسبانيا بمدينة إفني،عام 1962، وكان آنذاك من أكبر المشاريع الاقتصادية التي استثمرت فيه الدولة الإسبانية
تشرع "أنفاس بريس" في نشر سلسلة مقالات تتناول دور النخب الاقتصادية الباعمرانية في المساهمة في تنمية إقليم إفني، بتوطئة تاريخية حول ميناء إفني الذي كان دوما رهانا شعبيا تاريخيا لتحقيق التنمية، و كيف أن استنزاف خيرات ساحل إفني كان كذلك دوما خاصية لهذه النخب التجارية دون مساهمة فعلية في الاستثمار في المنطقة، طيلة قرون، سواء مع مشاريع بناء مراسي في هذا المجال الترابي من طرف الأجانب أو مع الدول المتعاقبة على حكم المغرب ! لننتقل إلى كذلك إلى تسليط الضوء على تاريخ الاستثمار الفلاحي والسياحي والتجاري ومؤهلاتهم في المنطقة، ودور هذه النخب في هذا الميادين الاقتصادية...وستتضمن هذه السلسلة بروفايلات أسماء عائلات وفعاليات تجارية باعمرانية استثمرت في المغرب وعبر العالم ولم تفكر في الاستثمار في المنطقة ! 
 
 شكل ميناء إفني عبر تاريخه قضية سياسية وتاريخية وعملية منذ قرون، ففي الوقت الذي راهنت عليه قبائل آيت باعمران كي يكون رافعة اقتصادية وسبيلا لتوفير لقمة العيش، كان محط أطماع دولية دائما (اسبانيا، البرتغال، الانجليز، الالمان....)، دون إغفال أنه كان ولازال من بين أهم التوترات السياسية بين المخزن وآيت باعمران، منذ عهد السلطان محمد الرابع.
 
وبالرجوع إلى الوثائق التاريخية المغربية والأجنبية، سنجد أن مطلب إحداث ميناء إفني كان ولازال في صدارة المطالب والملتمسات الموجهة إلى الملوك العلويين (مطلب إحداث ميناء ميراللفت للملك محمد الرابع، ومطلب إحداث ميناء أركسيس الموجه إلى الحسن الأول، والطلبات الموجهة الى الملكين الحسن الثاني ومحمد السادس حول وضعية ميناء افني).
 
ومنذ ما يقارب ثمانية قرن أو يزيد، عرفت شواطئ آيت باعمران، عقد اتفاقية بينهم وبين دول أجنبية. وتراوح هذا التعامل الخارجي بين محاولات استعمار،  أو تبادل تجاري كما وقع مثلا بينهم وبين البرتغال اللذين مازالت آثار مواقع المراقبة و مقابرهم بادية للعين، وأطلالها التاريخية موجودة في شواطئ النعالة بتراب قبيلة مستي واصبويا ومنطقة العين بسيدي إفني.
 
واذا راجعنا الوثائق والمراجع التاريخية الخاصة بميناء إفني في الخزانة الملكية المغربية، و الخزانة العامة بالرباط، وخزانة مدريد، ومتحف كريستوف كولمبوس بجزر الكناري، وكذلك فيما راج في "ملف إفني والصحراء الغربية"، في مداولات اللجنة الرابعة بالأمم المتحدة طيلة ستينيات القرن العشرين، ومن قبلها مقررات عصبة الأمم حول قضية إفني، وكذلك في اتفافية فاس يناير 1969 الخاصة بسيدي افني، واتفاقية 30 يونيو 1969، مع التذكير بالظهير الملكي عام 1970، سنكتشف أن محاولات إسبانية مستمرة بدأت منذ العشرية الثانية لعام 1400 ميلادي بما يعرف في هذه الوثائق التاريخية وهذه الأرشيفات ب " الحق التاريخي " للدولة الاسبانية في منطقة إفني. كما سنتعرف إلى كم شكل إحداث ميناء افني جدول أعمال مركزي في كل هذه الصيرورة التاريخية.
 
وبدأت حدة الصراع وسوء الفهم الكبير تضلل بنتائجها الخطيرة سواء على منطقة إفني_آيت باعمران أو على ساكنتها إلى حدود اليوم. حيث استطاع الحسن الأول في ثمانينيات القرن التاسع عشر تفويت الفرصة على الانجليز من خلال مبادرة الرحالة المدعو Curtis المعروف في الرواية الشفوية المحلية ب " كرتيت ". حيث زار الحسن الأول المنطقة وعين القايد أحمد الصبايو خليفة له فيها، مع وعد ببناء ميناء بمنطقة أركسيس الباعمرانية...لكن تم الإخلاف بهذا الإلتزام كما سابقيه من الوعود.و نتيجة لهذا من جهة، ومن جهة أخرى لظروف الحماية الفرنسية، وظروف الحرب العالمية الأولى، والأزمة المالية والإقتصادية لعام 1929، وموجة الجفاف الطويلة التي ضربت المغرب في ثلاثينيات القرن العشرين، مما أزم أوضاع الاستقرار والحياة بهذه القبائل، ومحاصرة الباعمرانيين بين فرنسا والجبال شمالا وغربا و اسبانيا جنوبا في الصحراء المغربية والبحر غربا. وظلت آيت باعمران المنطقة الوحيدة في المغرب التي لا وجود فيها لأي استعمار الى حدود 1934، أو لأي موظف يمثل المخزن ... 
 
(إشارة تاريخية: إن الباعمرانيين وسط كل هذه المعطيات كانوا يدعون للسلطان العلوي في صلوات الجمعة، و يقدمون له البيعة، ويبرحون باسمه في أسواقهم الاسبوعية، ولذلك رفضوا تجنيسهم بالجنسية الإسبانية عام 1947. ورفضوا المقترح الإسباني باحداث دولة إفني عام 1958، و شكلوا وفدا لمبايعة محمد الخامس نفس العام، كما امتنعوا نهائيا عن المشاركة في الاستفتاء الأممي أواخر الستينيات الذي دعت إليه الأمم المتحدة بايعاز من اسبانيا فرانكو ! حول سؤال هل هم إسبان ؟  أو مغاربة؟  أو باعمرانيون ؟ و شكلوا وفدا زار الحسن الثاني عام 1968 و بايعوه باعتبارهم مغاربة).
 
لكل ما سبق وقع شيوخ و إمغارن القبائل الباعمرانية ما يعرف باتفاقية أمزدوغ 1934 بينهم و بين الدولة الإسبانية التي بنيت على إثرها مدينة سيدي افني كمجال حضري يتوافر على كل شروط الحياة المدنية من طرق و خدمات وبنية تحتية و إدارة: 
مؤسسات تعليمية وتكوينية 
مؤسسات صحية وطبية 
ميناء دولي وتجاري 
مطار دولي 
مؤسسات دينية وروحية: مساجد وكنسية
طرق معبدة 
صرف صحي 
مراكز ثقافية وسينمائية 
مدرسة فنون جميلة
مطبعة 
راديو و جرائد 
حديقة حيوان 
ملاعب للرياضات: كرة قدم وتنس ومسبح دولي وحلبة لمصارعة الثيران 
ثكنات عسكرية
تليفريك 
هاتف 
ربط بالماء الشروب 
محطة كهرباء
 
شكل بناء الميناء مركز هذه المطالب، وقد عملت إسبانيا على تحقيق ذلك، ببناء ميناء إفني عبر شركة ألمانية، كمعلمة اقتصادية و تجارية دولية، كواحد من ثلاثة نماذج عبر العالم (هولندا و بنما و افني ) .
ميناء عائم بخط بحري تجاري دولي وتليفريك للصيد البحري والتجارة الدولية والتنقل الدولي. في الوقت الذي أحس الباعمرانيون بأن مطلبهم الذي عمر قرونا وكان محورا لوعود و التزامات مركزية، لم يتم الالتزام به. ومازال نفس الشعور بالغبن والحكرة مستمرا الى اليوم، حيث لاحظوا أن الحكومات المتعاقبة على المغرب والتي استطاعت بناء موانئ أكادير وطانطان والعيون والداخلة، وتوفير ميزانيات فرعونية لبناء موانئ مثل ميناء طنجة المتوسطي والداخلة ....الخ.

إلى حدود اليوم مازال ميناء إفني يعيش المشاكل نفسها: الترمل، هشاشة بناه التحتية، استنزاف خيراته وبشكل خطير وغير قانوني! عبر عدم احترام القانون الوطني والدولي أثناء عمليات الصيد، وسكوت مريب للمسؤولين المحليين . 
 
المفارقات: 
تجدر الإشارة و للحقيقة التاريخية، أن محمد الرابع، والحسن الأول والحسن الثاني ومحمد السادس، جلهم قام بزيارة أو أكثر للمنطقة، وللمراكز المقترحة لإحداث الموانئ في إقليم إفني، وأصدروا تعليماتهم الواضحة في الموضوع لمباشرة قرار إحداث ميناء مؤهل، بل منهم من ساهم من ماله الخاص لدعم ميناء افني و خلق حي صناعي لتثمينه، وتوفير مناصب شغل لتحريك الحياة الاقتصادية والتجارية بالمنطقة (الحسن الثاني أثناء زيارته مدينة افني 1972). ولا ننسى الزيارة الأولى لمحمد السادس للمنطقة، وتنظيمه رمزيا حفل استقباله بميناء افني، وتدشينه للميناء الترفيهي بها مع اصدار تعليماته للحكومة من اجل الاهتمام بميناء إفني ...

لكن على أرض الواقع الباعمرانيون يطالبون بمينائهم منذ قرون، والملوك العلويون يزورون المنطقة والمراكز المقترحة للموانئ منذ قرون، لكن هناك من يعطل دوما مطالب الباعمرانيين و تعليمات الملوك. 
ومما زاد الطين بلة، ويجعلنا نتساءل بمرارة ونطرح شكوكا مريبة، لماذا كان من أول قرارات الحكومة المغربية في أوائل السبعينات هو إصدار قرار إغلاق الخط البحري الدولي لميناء افني، وتوقيف العمل بالميناء العائم به، وإغلاق التليفريك بهذا الميناء ؟!!  
 
ولماذا بالضبط و طيلة 53 عاما الذي تعاقبت فيه هذه الحكومات على الدولة المغربية، دون نسيان مطلب عمر قرونا، لم تتوافر الارادة الحقيقية لدى أية حكومة للاهتمام بهذا الميناء الاستراتيجي، و بشواطئ تعتبر عائداتها من أهم عائدات الصيد البحري وطنيا، و تشهد الأرقام الرسمية بذلك، إذ انه دوما يحتل ميناء افني ما بين المرتبة الأولى والخامسة وطنيا في كميات صيد السردين و انواع السمك الحر ! دون ان يكون في المنطقة اي حي صناعي و الذي للمفارقات كانت تعليمات احداثه و تخصيص عقار لبنائه من طرف الملك الحسن الثاني، وبل وساهم في ميزانية ذلك!
 
ودون إغفال أن كل هذه الشروط و التفاصيل.... وعلى رأسها بناء مراسي وأحياء صناعية مؤهلة وتجهيز بناها التحتية، من طرف الأجانب والمغرب، لم يبادر معها ابدا بورجوازييو وتجار آيت باعمران على الاستثمار في المنطقة،  في حين استثمر اسبان و طاليان و فرنسيون وألمان ويابانيون وانجليز ومغاربة....