الأحد 14 إبريل 2024
مجتمع

المحامي الصافي يرد على القاضي الجباري.. عبد النباوي حاد عن واجب التحفظ والحياد في مؤتمر الداخلة

المحامي الصافي يرد على القاضي الجباري.. عبد النباوي حاد عن واجب التحفظ والحياد في مؤتمر الداخلة عبد النباوي يتوسط القاضي الجباري والمحامي الصافي(يسارا)
مازالت واقعة مقاطعة المحامين بالتصفيق لكلمة محمد عبد النباوي الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية في مؤتمر الداخلة، تلقي بظلالها على النقاش العام، وهي الواقعة التي حضرتها جريدة "أنفاس بريس"، وغطتها بالصوت والصورة.. هي ردود فعل متباينة بين الجسم القضائي والمحامين، وكل واحد تقدم بدفوعاته، وفي هذا الإطار، تنشر جريدة "أنفاس بريس"، وجهة نظر الأستاذ عبد العالي الصافي محام بهيئة المحامين بالقنيطرة وعضو جمعيتها العمومية، يرد فيها على الأستاذ عبد الرزاق الجباري، رئيس نادي قضاة المغرب: 
 
سيدي الرئيس الأستاذ عبد الرزاق الجباري، لا أخفيك سرا أني ترددت كثيرا قبل أن أحسم أمري في كتابة هذه الأسطر من عدمه لسببين، أولهما لما أكنه لشخصك من احترام وتقدير كقاض اعتبرناه - ونعتبره دائما وسنبقى كذلك - وجها مشرفا ومشرقا لعدالتنا وقلما جريئا أغنى الخزانة الفقهية، وقاضيا نزيها مجتهدا ومناضلا شجاعا شهما، وثانيهما لأني لم أستطع أن أميز في المقال المنشور في جريدة "أنفاس بريس"، والذي قرأته وأعدته، هل يتعلق الأمر بتصريح للأستاذ عبد الرزاق الجباري القاضي وأن الأمر يتعلق بقناعة أو انطباع شخصي؟ أم أنه صادر عن السيد رئيس نادي قضاة المغرب بهذه الصفة؟ 
شخصيا أتمنى أن يكون التصريح شخصيا، أي انطباع شخصي للأستاذ عبد الرزاق الذي قد يصيب ويخطأ، على أن يكون مؤسساتيا خاصة في هذه الظرفية الدقيقة التي تمر منها مهنة المحاماة.
"إن مقاطعة كلمة عبد النباوي بالصراخ عندما عبر عن رأيه فيما يحدث في الساحة المهنية يعد انتكاصا من قلة من المحامين عن انتصارهم للحق في التعبير عندما يختلفون مع الرأي المعبر عنه، وتضييقا خطيرا على ما يتعين فيه على المحامي أن يعمل على توسيعه، خلافا لما تتكرس في المسار الطويل لهذه المهنة النبيلة.. إذ ليس من الآداب أن نصرخ في وجهه مع أنه ضيف في مؤتمر مهني، حيث من الواجب التعامل معه بأخلاق وكرم الضيافة لا العكس..." وورد في المقال أيضا: " ووصف عبد الرزاق الجباري ما حصل لمحمد عبد النباوي بمؤتمر الداخلة بالأمر المسيء للقضاة، باعتبار أن حضور الرئيس المنتدب في مؤتمر الجمعية لم يكن باسمه، وإنما هو تمثيل لمؤسسة القضاء، وزاد متأسفا "ما تعرض له تعرضت له بالتبع، و لا شك مؤسسة القضاء بكل أطيافها ومكوناتها، فمن أساء اليه يكون قد أساء إلينا جميعا، وهذا أمر مشجوب وغير مقبول تحت أي غطاء".
وسنحاول قدر الإمكان تحليل تصريحكم أستاذي بكل رزانة وبهدوء واتزان، ولنبدأ بالعبارة الأخيرة:" غير مقبول تحت أي غطاء". 
أولا: هنا سأستعير منك بعض ما جاء في تصريحك، فإذا كان بعض المحامين الذين صرخوا كما تفضلتم، وقاطعوا السيد الرئيس يعد انتكاصا عن الانتصار للحق في التعبير، فإن الجزم بأن الأمر غير مقبول تحت أي غطاء، وأظن أنك تقصد به تحت أي مبرر، وعندما نتحدث عن المبرر نتحدث عن وجهة نظر، أي أننا نتحدث بالضرورة عن حرية التعبير، حيث أن الصراخ وتقصد به الشعارات على ما يبدو هو شكل من أشكال التعبير، وبالتالي فانك تنتصر لحرية التعبير لجهة وتنكرها على جهة أخرى. 
ثانيا: كما تفضلتم فإن المحامين مؤمنون بحرية التعبير كما أنهم مؤمنون بالحق في الاختلاف، وهو أمر ليس غريب عليهم بحكم التكوين والممارسة المهنية والتدرج في المؤسسات الشبابية والمهنية، لكن كما تابعتم وتابع جميع مكونات منظومة العدالة فإن السيد الرئيس المنتدب لم يعط رأيا بل ذكر المؤتمرين بمقتضيات المادة 39 من مهنة المحاماة، وهو ما اعتبره المؤتمرون تهديدا صريحا لضرب حراكهم، ولا نحتاج للتذكير بأن هناك فرق بين إبداء الرأي والتلويح بتفعيل مقتضيات تأديبية أو حتى زجرية في مواجهة المحامين، وذلك كله في عقر مؤتمرهم وهو الضيف الكبير كما تفضلت بذلك والذي أراد المحامون أن يستمعوا له بتمعن وباحترام وتقدير كبيرين. 
ثالثا: دستور المملكة في فصله 111 نص على ما يلي: "للقضاة الحق في حرية التعبير، بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات المهنية "، والسيد الرئيس لما انتصر لجهة ضد جهة في معركة نضالية يكون قد حاد على واجب التحفظ والحيادية، وكذلك ينص ذات الدستور في فصله 113 على ما يلي: "..يصدر المجلس الأعلى للسلطة القضائية بطلب من الملك أو الحكومة أو البرلمان آراء مفصلة حول كل مسألة تتعلق بالعدالة مع مراعاة مبدأ فصل السلط"، وحيث أنه لم تطلب أية جهة من هذه الجهات رأي السيد الرئيس فكان عليه أن يحتفظ بحياده وحياد سلطة يلجأ لها كحصن منيع لحماية الحقوق والحريات، لا الاصطفاف مع جهة ضد أخرى، ثم إن الصراع مع الجهات المكفول لها بالتشريع عن طريق إعداد مشاريع قوانين، وتدخل السلطة القضائية يضرب مبدأ فصل السلط التي ما فتئ السيد الرئيس المنتدب أن نادى بها عندما كان رئيسا للنيابة العامة. 
رابعا: أن المادة 5 من القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية ينص على ما يلي : " يمثل الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية هذا المجلس أما القضاء وباقي السلطات والإدارات وأمام الغير"، وبذلك فإن السيد الرئيس المنتدب لم يحضر لمؤتمر الداخلة لتمثيل القضاة، أو أطياف مؤسسة القضاء كما أشرت وأنما جاء ممثلا للمجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي يتشكل من بين أعضائه ليسوا قضاة، بالإضافة الى أن السيد عبد النباوي هو الرئيس المنتدب للسلطة القضائية وليس رئيس القضاة، وأنه يجب ان نعيد تمثل مفهوم السلطة القضائية كسلطة ثالثة إلى جانب السلطتين التنفيذية والتشريعية، إذ أن هذه السلط الثلاث تمثل كل المغاربة وإلا فإن رئيس الحكومة يمثل الوزراء ورئيس البرلمان يمثل البرلمانيين دون باقي المغاربة، وأن الرئيس المنتدب لما حضر، فلم يحضر كضيف وإنما كمسؤول يترأس السلطة القضائية بالنيابة، وأن من بين اختصاصاته استقلال السلطة القضائية وحماية المواطن وتمكينه من المرفق العمومي وكذا قضاء مستقل وعادل ونزيه. 
خامسا: بداية وعند تصفحي للمقال اعتقدت أنكم تستنكرون ما جاء في تصريح السيد الرئيس المنتدب، الذي اعتبره المؤتمرون انزياحا عن الحياد المفروض في القاضي أولا و في السلطة القضائية ثانيا، التي نص دستور المملكة على استقلاليتها وفصلها عن السلطة التنفيذية، وثالثا عن واجب التحفظ وأخذ مسافة بين أطراف النزاع، وهو ما سبب في رفع شعارات في أعقاب مداخلته، وليس صراخا، الشيء الذي اعتبرتموه سلوكا يفتقد للياقة، وليس مخالفا للأدب، أي أن الشعارات جاءت كرد فعل عن ما اعتبره المؤتمرون خطابا هجوميا وتهديديا، وبالتالي تهييجيا، أي أنه بلغة القانون يجب مراعاة التناسبية هل هي متوفرة أم لا: تهديد قابله رفع شعارات أو حتى صراخ كما تفضلتم، وبمعنى أدق، إذا كان من أحد تسبب فيما أحسستم به من إهانة شخصية فأنه السيد الرئيس المنتدب، ومع ذلك فإني أؤكد لكم أنه لا أحد من المؤتمرين كانت له النية في الإساءة لأي من زملائهم القضاة الذين يكنون لهم كل الاحترام والتقدير، والكل يعي جيدا أننا جميعا شركاء في منظومة العدالة وأن تعطيل أحد مكوناتها يكون الأثر السلبي، ومعركة المؤتمرين ليست مع السلطة القضائية ولا يريدون ذلك، فقط يلتمسون الحياد وواجب التحفظ. 
 وفي جميع الأحوال، الشعارات أو الصراخ هو شكل من أشكال التعبير، و لا أحتاج أن أذكرك بأن في بريطانيا العظمى وهي أعرق ديموقراطية على الإطلاق، عندما يقدم الوزير الأول البريطاني على عرض برنامجه الحكومي قد ينجح ويلاقي التصفيقات، وقد يفشل ويقابل بالصراخ، وذلك في جلسات عامة منقولة على المباشر، ومع ذلك لا يجد الوزير الأول أي حرج في ذلك، إذ يعتبره شكلا من أشكال الاحتجاج.
وأختم بمقولة ل"كلسن" الذي قال، بأن التعبير عن إرادة المشرع ليس القاعدة بل فقط بيان، ومعنى هذا البيان هو التعبير عن إرادة ما، والقاعدة لا تحتفظ بقيمتها إلا بعد ملء الشروط التي تحددها السلطة ومن ضمن هذه الشروط، شرط التوافق بين محتوى هذه القاعدة ومحتوى القاعدة العليا، "وبإعمال ذلك على المادة 39 التي تتحدث عن التواطؤ تكون مخالفة لقاعدة دستورية وهي الحق في الإضراب وكذلك للمواثيق الدولية التي صادقت عليها المملكة، إذ لا يمكن اعتبار الإضراب تواطؤا، وهناك نقاش مستفيض في هذا الموضوع.
ويبقى القضاء والمحاماة أهم مرتكزات منظومة العدالة وبدون أحدهما تتعثر حتما، ولا سبيل لنا إلا إيجاد أرضيات للحوار والتواصل وإزاحة كل ما من شأنه خلق نوع من الضبابية أو سوء الفهم.