الاثنين 24 يونيو 2024
منبر أنفاس

الصديق الذهبي:الطفل القروي بين المدرسة والحقل!

 
 
الصديق الذهبي:الطفل القروي بين المدرسة والحقل!

 يمثل العالم القروي نسبة مهمة من العدد الإجمالي لسكان المغرب، كما تمثل أنشطة هذا المجال الفلاحية إحدى الدعامات الأساسية للإقتصاد الوطني، والذي تطور بفضل إستفادة بعض المناطق من مخططات الإصلاح التي نهجها المغرب في السنوات الأخيرة وأهمها بلا شك "المخطط الأخضر"، والذي يمثل رؤية وطنية تحمل في عمقها دلالات للإصلاح التنموي المهيكل. لكن ورغم مجموع هذه المتغيرات ذات الطابع الإيجابي، فإن البوادي في مغربنا الحبيب لازالت تعاني من معيقات تعرقل مسيرة نموها، ذلك أن بعض الظواهر الإجتماعية تستفحل بشكل يلفت الإنتباه (دون أن يتم فعلا الإنتباه إليه)، مما يعرقل السير الإيجابي لنمو وتطور العالم القروي، والذي ينتقل بخطى متثاقلة نحو الآفاق المنشودة، رغم أن الحال كان ليكون أفضل لو تمت الإستفادة بتبصر وحكمة من الموارد البشرية للقرى المغربية، والتي مع الأسف يتم تدبيرها بشكل فيه الكثير من العشوائية والإرتجالية .

فالطفل القروي على سبيل المثال لا الحصر ، لازال إلى حد الآن – ونحن على أبواب توديع العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين- يعيش على واقع إزدواجية  المهام، فالمحيط الذي يعيش ويتعايش معه، يؤثر فيه وعليه سلبا حين يساء إستغلاله بفضل المبالغة في تكريس النمط التقليدي  لتدبير الشأن التربوي، والذي ما زال يخضع في بعض المناطق لتصورات مغرقة في الأصالة والتقليد (بمعناهما السلبي)، فالطفل يزاوج بين الحقل والمدرسة، وهي مزاوجة لها تأثير مباشر على شخصيته وتكوينه العام، بل إن لها أبعادا نفسية وإجتماعية على الفرد والجماعة معا. فالساكنة القروية الآن لا تجد حرجا في تكليف الطفل الصغير (من حيث قدراته المحدودة طبقا لمرحلته العمرية) بمهمتين، فهو  تلميذ في حجرة الدرس، وفلاح مساعد حسب ما توفرت له من إمكانيات، في عملية الزرع والتتبع والحصاد وما بعد الحصاد، وهما دوران يضطر الطفل لمزاولتهما في اليوم الواحد أحيانا، دون إكتراث لخصوصية مرحلته والتي يميل فيها وبطبيعته إلى البحث عن التسلية واللعب، ناهيك عن الإستثمار  اللامشروع لفترات الراحة في الأعمال الفلاحية، وما يكتنف هذه العملية من ضرب مباشر في الغايات البيداغوجية المتوخاة من العطل المدرسية باعتبارها محطة تزويد واستجمام واستجماع للقوى الفكرية، بل إن العمل في الحقل يحظى  لد ى بعض الآباء بالأولوية، فحسب رؤيتهم الخاصة للموضوع تعتبر هذه المساعدة مفروضة ومشروطة على الطفل، إعتبارا لكونه خلق من أجلها . خاصة وأن المدرسة لدى غالبية القرويين لا تمثل نقطة الإنعتاق، فهي لا تمتلك القدرة على إنتشال الطفل من حياة الجهد والتعب، وهي قناعة تزداد ترسخا كلما تزايدت نسبة إخفاقات بعد العينات التي راهنت على المدرسة من أجل تحقيق هذا الإنعتاق ، من أبناء نفس المنطقة، مما يزيل الأمل في قدرة التعليم على تطوير ملكات الطفل بما يعينه على بناء أحسن لمستقبل أفضل.

 والحال ذاته ينطبق على الفتاة القروية، حيث تنخرط هي بدورها وبشكل مباشر في المهام الفلاحية، وهو ما لا يتلاءم مع خصوصياتها كجنس ناعم بطبيعتها، فالأرقام المتوفرة تتحدث عن حوالي% 16.5 من الفتيات اللواتي يكملن مسارهن الدراسي، في حين يحجم الباقي بفضل تشبت أولياء الأمور بالنظرة التقليدية للمرأة، وحصر دورها في الإنجاب والمشاركة المباشرة في الأعمال اليومية مناصفة أحيانا مع الرجل من حيث الجهد والدور وساعات العمل ونوع المهام، في غياب شبه تام للوعي بمكانة المرأة كمساهم فعال ورئيسي في تدبير الشأن المحلي والوطني من خلال قدرتها على لعب أدوار دينامية في بناء النسيج الإقتصادي والفكري والسياسي للبلد.

 وهذه الغاية يشترط بلوغها إعادة النظر البنيوي في واقع الطفل القروي من خلال وضع برامج تربوية تتلاءم وخصوصياته الإجتماعية ،البيئية والفكرية، بما فيها المناهج التربوية التي من المفروض أن تتجاوب مع حاجياته حتى لا يكون تعاطيه للمكتسبات المعرفية عشوائيا وغير خاضع للدراسات التربوية والمعايير التي تشترطها مرحلته العمرية، عن طريق إحترام التوافق المنهجي بين محتويات عناصر الدرس المتضمنة في الكتاب المدرسي، وبين الخلفية البنيوية للمتعلم، حيث بموجب هذا يصبح العمل في الحقول بمثابة إكتمال وإستمرارية للمعطيات النظرية التي يتلقاها داخل حجرات الدرس، وهو نموذج تعتمده بعض المدارس كالمدرسة الأمريكية التي تشتغل وفق نمط نظريات التعلم البراغماتية المؤسسة على أعمال " جون ديوي وغيره"، والتي تنظر إلى التعلم كعملية ممارسة وتطبيق أكثر من كونها عملية تلقين نظري محض،فالطفل سيمتلك في هذه الحالة قدرات وأفكار علمية دقيقة تخول له ممارسة الأنشطة الفلاحية ممارسة فعالة بموجبها ننتفل من نمط الإنتاج الفلاحي التقليدي إلى نمط عصري،وهو إنتقال يكون فيه  الطفل مساهما مباشرا بفضل المعارف النظرية  المسبقة التي يمتلكها داخل الفصل الدراسي، إذا ما حدث وتم فعلا تحيين المناهج الدراسية الحالية بحيث تصبح  متلائمة مع خصوصيات هذا الطفل المحلية. لكن الوصول إلى هذا النموذج يشترط وعي الآباء بدور المدرسة في تكوين الأجيال اللاحقة مع إحترام خصوصيات الطفل الفكرية والفيزيولوجية، وحينها فقط سيتحول الحقل من عائق إلى مساعد وموجه تربوي، إذ داخله يجد الطفل ضالته ويجيب عن الأسئلة التي تراوده بفضل الدهشة التي يولدها حب الإستطلاع كرغبة طبيعية يمر بها الطفل في بدايات إكتشافه الأولى للعالم الملغز المحيط به، والتي يصير الحقل بمثابة المجيب عنها.

وهي عموما بدائل تقتضي تغييرا جوهريا قد يتأتى وقد لا يتأتى، لكن الأمل في تحقيقه يظل مشروعا كمشروعية الأسئلة التي قد تتبادر إلى ذهن المتأمل في واقع البادية المغربية وآفاق أبناء جلدتها في ظل ماهو موجود. فهل فعلا المدرسة المغربية في المجال القروي تحترم مبدأ إنفتاح المدرسة على محيطها إنفتاحا متكاملا يتم فيه وضع توافق إيجابي بين ما يعلم وما يعاش؟ وكيف لطفل لا يتجاوز سن العاشرة أحيانا أن يتحمل مسؤوليات تتجاوز قدراته البدنية والنفسية؟ وكيف يمكن تكوين مواطن مغربي يعي دوره كفاعل وازن وإيجابي في صيرورة الإصلاح التنموي  والإقتصادي في ظل قبولنا بمثل هكذا ممارسات في حق أجيال الغد؟ وأي إصلاح  هذا الذي يتأسس على قراءة غير مكتملة في تدبير الشأن التربوي داخل الأرياف المغربية رغم حساسيته في هذه الظرفية التاريخية بالذات؟ وهل نحن الآن فعلا بصدد بناء لبنات الإصلاح يستهدف جميع أطياف المجتمع المغربي بما فيها الطفل القروي وأي آفاق لهذا الإصلاح؟.هي على العموم اسئلة ضمن أخرى تفتح الباب أمام إمكانيات جديدة لرؤية فكرية تحاول تعميق البحث في قضايا راهنة نتعايش معها، وبوعي أو دون وعي لا نقوى على وضعها في مجهر المعاينة النقدية، بالمعنى الإيجابي والبناء لمفهوم النقد هنا.