الجمعة 2 يناير 2026
رياضة

الشرقاوي: كأس إفريقيا للأمم 2025.. رياضيون يعيشون بفضل زراعة عضو يحققون إنجازات لافتة

الشرقاوي: كأس إفريقيا للأمم 2025.. رياضيون يعيشون بفضل زراعة عضو يحققون إنجازات لافتة الدكتور أنور الشرقاوي واللاعب إيفان كلاسنِيتش
بصفتي طبيبًا، وبعد مسار مهني امتد لأكثر من سبعة وثلاثين عامًا عايشت خلاله حالات الاستعجال الحيوي، ومسارات إنسانية مكسورة، وانتظارات طويلة، وأحيانًا ولادات جديدة غير متوقعة، يساورني اليوم شعور مركّب. شعور بالفخر العميق ببلدي، بكفاءاته الطبية وبرأسماله البشري.
 
ويلازمه في المقابل إحساس بالخجل الواعي والمسؤول، إزاء *عجزنا الجماعي عن إرساء برنامج وطني حقيقي ومهيكل للتبرع بالأعضاء وزراعتها* .
هذا القصور ليس هامشيًا ولا ثانويًا.
إنه يحرم سنويًا آلاف المغربيات والمغاربة من فرصة ثانية.
 
فرصة قادرة على تغيير حياتهم جذريًا، واستقلاليتهم، وكرامتهم، ومكانتهم داخل المجتمع.
وبمناسبة كأس إفريقيا للأمم 2025/ 2026 ، هذا العرس الكبير للرياضة الإفريقية، وللجسد القادر على الأداء وتجاوز الحدود، يصبح من الملح التذكير بحقيقة كثيرًا ما تُهمَل: زراعة الأعضاء لا تقتصر على إنقاذ الأرواح، بل تدفع بها إلى الأمام. إنها لا تضمن البقاء فقط، بل تفتح أبواب التميز.
 
 *في مختلف أنحاء العالم، الوقائع ناطقة بذاتها ألا في المغرب* 
رياضيون استفادوا من عمليات زرع أعضاء بلغوا بعد ذلك أعلى مستويات الأداء. 
" *كريس كلوغ"،* الذي خضع لزراعة كبد، أصبح رياضيًا أولمبيًا في التزلج على الثلج.
" *إريك كومبتون* "، الذي تلقى زراعة قلب مرتين، واصل مسيرته الاحترافية في رياضة الغولف.
" *إيفان كلاسنِيتش* "، بعد عدة عمليات زرع للكلى، عاد إلى كرة القدم رفيعة المستوى وشارك في منافسات دولية.
 
هذه المسارات تؤكد أن الإستفادة من زراعة الأعضاء لا تحدّ من الأداء، بل تعيد جعله ممكنًا.
حتى عمليات الزرع المصنفة ضمن الأكثر تعقيدًا فتحت الطريق أمام عودة حقيقية إلى الجهد والمنافسة. " *سايمون كيث"* أصبح رمزًا عالميًا بعدما عاد إلى ممارسة كرة القدم عقب زراعة قلب.
و" *سكوت بولارد* "، اللاعب السابق في دوري كرة السلة الأمريكي، تحدث علنًا عن ولادته الرياضية الجديدة بعد زراعة القلب.
 
آخرون، بفضل *زراعة القرنية،* استعادوا نعمة البصر وإمكانية ممارسة الرياضة التنافسية.
 
هذه الأمثلة تذكّر بحقيقة بسيطة: في أماكن أخرى، تُجرى عمليات الزرع، ويُقدَّم العلاج، وتُوفَّر المواكبة، فتتحول أجساد كانت محكومة بالعجز إلى أجساد قادرة وملهمة ومرئية في الفضاء العام.
 
 *زراعة القرنية تجسّد هذه الولادة الجديدة بقوة*
رؤية الملعب، تمييز الخطوط، تتبع حركة الكرة، إدراك عمق الفضاء الرياضي، كلها عناصر تغيّر جذريًا علاقة الإنسان بالعالم.
وبالنسبة للبعض، مكّنت استعادة البصر ليس فقط من الاندماج الاجتماعي، بل من الولوج إلى ممارسة رياضية منظمة وأحيانًا تنافسية.
زراعة الكلى، كما زراعة الكبد، تحرر الجسد من إرهاق مزمن، ومن تبعية طبية ثقيلة، ومن حياة معلّقة على الانتظار.
رياضيون خضعوا لزراعة الكلى أو الكبد يمارسون اليوم رياضات تتطلب جهدًا عاليًا، من رياضات التحمل إلى الألعاب الجماعية، مؤكدين أن الزراعة نقطة انطلاق لا محطة نهاية.
حتى زراعة القلب، الرمز الأسمى للطب الحديث، لا تمنع الجهد حين تكون مؤطرة ومتابَعة ومواكَبَة.
متلقو زراعة القلب يجرون ويسبحون ويقودون الدراجات، في تذكير واضح بأن القلب المزروع ليس عضوًا مؤقتًا، بل قلب قادر على الإحساس والأداء والالتزام.
 
كل عام، تجمع الألعاب العالمية للمستفيدين من زراعة الأعضاء آلاف الرياضيين من مختلف أنحاء العالم.
يحملون رسالة إنسانية واضحة وبسيطة: التبرع بالأعضاء يمنح حياة ثانية.
في المقابل، تظل هذه القصص في المغرب شبه غائبة عن النقاش العمومي وعن المخيال الجماعي.
 
لا ينبغي أن تكون كأس إفريقيا للأمم 2025 مجرد واجهة رياضية.
بل يجب أن تتحول إلى نداء أخلاقي. 
كيف نحتفي بأداء الأجساد ونحن لا ننقذ من ينتظرون؟
كيف نصفق للفائزين ونتجاهل أرواحًا معلّقة بسبب غياب زرع الاعضاء والانسجة ؟
التبرع بالأعضاء ليس مشكلة تقنية. إنه مسألة إرادة سياسية، وشجاعة مؤسساتية، وتربية مجتمعية.
إرساء برنامج وطني فعّال وشفاف ومتاح للجميع ليس ترفًا، بل ضرورة لتحقيق العدالة الصحية.
الرياضة تعلّمنا هذا الدرس أكثر من أي مجال آخر: جسد يُنقَذ يمكن أن يصبح جسدًا منتصرًا.
وفي زمن كأس إفريقيا للأمم 2025/ 2026، على المغرب أن يتحلّى بالشجاعة لإدراج التبرع بالأعضاء وزراعتها ضمن روايته الوطنية كفعل حديث للتضامن والمسؤولية الجماعية.
 
 
الدكتور أنور الشرقاوي / خبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي