الجمعة 2 يناير 2026
خارج الحدود

العسبي: وفاة صاحب أطروحة "جبهة التحرير الوطني الجزائرية الأسطورة والواقع"، محمد حربي..

العسبي: وفاة صاحب أطروحة "جبهة التحرير الوطني الجزائرية الأسطورة والواقع"، محمد حربي.. الراحل محمد حربي ولحسن العسبي
سقطت ورقة فكرية رفيعة، بل جد محترمة أكاديميا، بالجزائر وبكامل المجال المغاربي والعربي والمتوسطي، في أول أيام السنة الجديدة 2026، المؤرخ والمناضل اليساري الجزائري الكبير محمد حربي..
شَكَّلَ حربي حالةً فكرية وسياسية وأكاديمية خاصة ببلاد كريم بلقاسم ومحمد بوضياف ومحمد خيضر ولائحة الشرف الطويلة في سجل الوطنية الجزائرية، كونه جمع بين الشرعية الوطنية الصلبة، الواثقة من نبع دمها، وبين الرؤية النقدية الجريئة للأحداث والوقائع والشخوص.. بكل ما جلبته عليه من محن وانتقادات بلغ بعضها حد التخوين..
تعود معرفتي بالمؤرخ محمد حربي إلى علاقته المتميزة والرفيعة بالقائد الوطني المغربي المرحوم عبد الرحمن اليوسفي وكذا إلى علاقته بالصديق والمناضل الحقوقي المغربي امبارك بودرقة.. فمن خلالهما اكتشفت حكاية مختلفة قليلا عن السائد تواصليا واعلاميا عن الرجل، حتى وإن لم تسمح الأيام سوى بأن ألتقيه مرتين خارج المغرب. 
مما ردده أمامي أكثر من مرة في سياق أحاديث متناثرة عن الجزائر المرحوم عبد الرحمن اليوسفي أن محمد حربي بالنسبة له أقرب فكريا وطباع شخصية من الشهيد المغربي عمر بنجلون، كونهما معا يصدران عن تحليل ماركسي تحت سقف فكري وطني.. بالمعنى الذي يفيد أن الرجل كان محميا ببوصلة السقف الوطني من الآلية الايديولوجية الأممية للماركسية.. مما مكنه أن يكون نقديا في الاتجاهين معا.. وذلك عنصر تميزه واختلافه وقوته المعرفية والفكرية أيضا..
محمد حربي مؤرخ كبير جاء إلى علم التاريخ من السياسة.. لهذا السبب كان ناقدا لمسارات تاريخية جزائرية بجرأة لم يصل إليها أي أحد مثله في كامل البحث الأكاديمي العلمي بالجزائر. كان رفيقا لكريم بلقاسم وكاد أن يتعرض للاغتيال مثله من قبل الرئيس هواري بومدين، الذي اكتفى في نهاية المطاف باعتقاله ووضعه في ما يشبه فضاء للعزل بصحراء بشار بالغرب الجزائري لسبع سنوات كاملة بسبب مشاركة الحاسمة في تأسيس ما عرف ب "حركة المقاومة الشعبية" ضد الإنقلاب على الرئيس أحمد بنبلة، قبل أن يتمكن من مغادرة البلاد صوب فرنسا حيث تدرج في كراسي البحث العالي بجامعة السوربون ليصبح واحدا من كبار مؤرخي المنطقة المغاربية، المنتمي معرفيا إلى تيار فيرناند بروديل للتاريخ الإجتماعي أو "مدرسة الحوليات"..
مما نبهني إليه اليوسفي أن محمد حربي جاء إلى السياسة والفعل الوطني من موقع انتمائه لعائلة جزائرية ميسورة مالكة لثروات عقارية وتجارية حوربت سياسيا من قبل الاستيطان الفرنسي (تماما مثل حال رفيقه الكبير وصديقه كريم بلقاسم). وأن بعضا من راديكاليته آتيةٌ من خلفيته الإجتماعية هذه. لكن فطنته وتميزه كامنان في أنه لم يسقط في منطق رد الفعل والجذرية الانفعالية مثلما حدث لكثير من الماركسيين المتياسرين بالفضاء المغاربي، بل بنى فكره بحس نقدي رفيع، عززه بتكوين أكاديمي رصين.. وأنه بالتالي مؤرخ جاء إلى الكتابة والتأليف من موقع الفاعل المجرب لدروب السياسة ودهاليز الحكم. فالرجل من أطر الدولة الجزائرية الأوائل المقربين جدا من الرئيس احمد بنبلة (المساهمين في تحرير وثائق تنظيمية تأسيسية للدولة الجزائرية الوليدة)، ومن أكبر الناقدين لتجربة حكم بومدين.. مما كانت نتيجته منع كل كتبه بالجزائر حتى سنة 1990.
كتب محمد حربي في مناسبات متفرقة أيضا عن المغرب وعن عدد من رجالات الوطنية المغربية في مقدمتهم عبد الرحيم بوعبيد والمهدي بنبركة وعبد الرحمن اليوسفي ومحمد باهي، مثلما أن له تصورا معرفيا رصينا عن تاريخ الحركة الوطنية المغربية وعن أسس الدولة المغربية في عمقها المؤسساتي والتاريخي. لهذا السبب كان دوما منصفا للواقعة المغربية في كتاباته..
كثيرة هي كتب محمد حربي، لكن أكثر مؤلفاته التي أثارت جدلا كتابه النقدي بإزميل المؤرخ حول تجربة جبهة التحرير الوطني الجزائرية من موقع تنسيب الحقائق حول الأساطير التي أطرت الكثير من الرؤى والكتابات الرسمية حولها، ومحاولة رسم خريطة الوقائع التي ارتبطت بها فعليا.. أي أنه كتاب نقدي جريئ من موقع الشاهد والفاعل أي من داخل الداخل.. الكتاب الذي صدر بعنوان " جبهة التحرير الوطني، الأسطورة والواقع"، الذي حورب بشراسة من قبل كل مؤسسات الدولة بالجزائر.. دون اغفال بعض أعماله المشتركة مع المؤرخ الفرنسي المولود بالجزائر بنجامان سطورا..
رحم الله محمد حربي المناضل والوطني والعالم الأكاديمي الرصين بالجزائر..