في حوار مع عبد الوهاب الدبيش، أستاذ التاريخ السابق بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، يكشف الخبير جذور غدر الجزائر الممتدة منذ حرب الرمال، مع تسليط الضوء على مغربية الصحراء الشرقية المغتصبة (توات، فكيك، تندوف وبشار).
ويبرز الدبيش في لقاء مع جريدة "انفاس بريس" حكمة المغرب في تجنب إثارة الموضوع رسميا، مستندا إلى الإرث التاريخي والاستعماري للحدود.
ويبرز الدبيش في لقاء مع جريدة "انفاس بريس" حكمة المغرب في تجنب إثارة الموضوع رسميا، مستندا إلى الإرث التاريخي والاستعماري للحدود.
هل هناك تحديد لمجال الصحراء الشرقية المغربية؟
تضم الصحراء الشرقية المغربية ثلاث مناطق رئيسية: واحات توات وفكيك والقنادسة، وبشار وتندوف وكورارة. وهي كانت امتدادا للسلطة المغربية قبل التقسيم الاستعماري، مع العلم أن مصطلح «توات» محظور في الجزائر لأنه يذكّرهم بمغربيتها.
تمتد هذه المساحات على مئات الكيلومترات، حيث تبعد فكيك عن توات بحوالي 1200 كيلومتر، وكانت مسارات للقوافل التجارية المغربية، ومناطق توات وبشار وتندوف هي القلب النابض للمغرب في القرون الماضية. الصحراء صنعت المغرب الأقصى، إذ كانت مجالا للطرق التجارية بين المدن، ومسارات للطرق الصوفية، والمعبر الشرقي الأساسي نحو مكة للحج. أشهر ركب الحج كان من آسفي على يد الولي أبي محمد صالح، حيث يتجمع الحجاج المغاربة في سكورة بوارزازات، ثم ينطلقون عبر تندوف إلى القنادسة، أدرار، توات، الصحراء الليبية، ثم مصر والحجاز. لذلك، كانت الصحراء الشرقية ذات أهمية استراتيجية، ومنها جاءت سلالتان: السعديون والعلويون، وقبائل ساعدتهما تنتسب إليها، مستندة إلى عصبيتها القبلية.
أما الصحراء المغربية الجنوبية (السمارة، بوجدور، الداخلة، تيرس الغربية)، فعاصمتها كلميم، فليس غريبًا أن جل قادة البوليساريو من كلميم وطانطان أو طاطا؛ فهم مغاربة، وأصنفهم ضمن الطابور الخامس.
ما سياقات الحدود الموروثة عن الاستعمار؟
نبدأ بمعركة إيسلي سنة 1844، حيث انهزمنا بشكل فظيع أمام الفرنسيين، وفقدنا هيبتنا بعد أن كانت فرنسا تخشى المغرب. فرنسا استهدفت شمال إفريقيا، بما فيها المغرب، منذ القرن السادس عشر، لموقعه الاستراتيجي في تجارتهم مع آسيا.
نبدأ بمعركة إيسلي سنة 1844، حيث انهزمنا بشكل فظيع أمام الفرنسيين، وفقدنا هيبتنا بعد أن كانت فرنسا تخشى المغرب. فرنسا استهدفت شمال إفريقيا، بما فيها المغرب، منذ القرن السادس عشر، لموقعه الاستراتيجي في تجارتهم مع آسيا.
عندما اصطدموا بامبراطورية المغرب، أقروا بخصوصيته التاريخية، مقابل عدم وجود كيان جزائري، بل مدن تحت سيطرة القراصنة.
عند احتلال الجزائر سنة 1830، أطلق عليها البلد المحتل «الجزائر الفرنسية»، وحدودها الجنوبية لا تتجاوز التل الصحراوي حتى 1865، بمساحة 500 ألف كلم مربع، كما يوثق التاريخ الجزائري نفسه. هذا التوسع الاستعماري كان على حساب أراضٍ مغربية أو طوارقية في مالي، مما دفع مسؤولين روسًا، مثل لافروف لاحقًا، إلى وصفها بـ «أراضٍ مالية تحت السيطرة الجزائرية»، مسببًا برودة في علاقاتهما.
عند احتلال الجزائر سنة 1830، أطلق عليها البلد المحتل «الجزائر الفرنسية»، وحدودها الجنوبية لا تتجاوز التل الصحراوي حتى 1865، بمساحة 500 ألف كلم مربع، كما يوثق التاريخ الجزائري نفسه. هذا التوسع الاستعماري كان على حساب أراضٍ مغربية أو طوارقية في مالي، مما دفع مسؤولين روسًا، مثل لافروف لاحقًا، إلى وصفها بـ «أراضٍ مالية تحت السيطرة الجزائرية»، مسببًا برودة في علاقاتهما.
هذا يفسّر عداء الجزائر للمغرب طغمة وشعبًا، عبر غسيل دماغ في التعليم والإعلام، كما في ردود الفعل على تظاهرة «كان» بالمغرب. لذا، يُضيَّق على الجزائريين المتحررين مثل بوعلام صنصال، الذي تحدث عن أراضٍ مغربية في الجزائر، أو عبدو السمار الذي حذَّر من مطالب مغربية بتندوف وبشار، معتبرا نزاع الصحراء الغربية مفتَعَلًا للردع. مآل هؤلاء يؤكّد عدم الثقة بالجزائر.
لماذا لا يُطرح استرجاع الصحراء الشرقية رسميًا؟
من حكمة المغرب ألا يُثير الموضوع، دون تسليم نهائي بجزائريتها. عدم التصريح أو التلميح حكمة مغربية، إذ «جوج مطرقات في الراس بزاف»، خاصة مع تطورات مغربية الصحراء..
من حكمة المغرب ألا يُثير الموضوع، دون تسليم نهائي بجزائريتها. عدم التصريح أو التلميح حكمة مغربية، إذ «جوج مطرقات في الراس بزاف»، خاصة مع تطورات مغربية الصحراء..
كيف ارتبطت حرب الرمال بالصحراء الشرقية؟
صرَّح السفير الجزائري عبد الحميد مهري، أمين جبهة التحرير الوطني سابقًا، في «شاهد على العصر» بقناة الجزيرة، أن الجزائر التزمت الصمت في مؤتمر طنجة 1958 حول الحدود، لأن الفرنسيين اكتشفوا نفطا وغازا في الصحراء الشرقية، فعدَّلوا خططهم. سبق أن عرضت فرنسا على المغرب التخلي عن دعم الثوار مقابل الصحراء الشرقية. أي غباء أصاب نخبتنا لتدعم الجزائر ضد جيران غدَرُوا؟ غدرهم واضح في صمتهم بمؤتمر طنجة، لكن نخبتنا لم تكن وطنية بما يكفي.
صرَّح السفير الجزائري عبد الحميد مهري، أمين جبهة التحرير الوطني سابقًا، في «شاهد على العصر» بقناة الجزيرة، أن الجزائر التزمت الصمت في مؤتمر طنجة 1958 حول الحدود، لأن الفرنسيين اكتشفوا نفطا وغازا في الصحراء الشرقية، فعدَّلوا خططهم. سبق أن عرضت فرنسا على المغرب التخلي عن دعم الثوار مقابل الصحراء الشرقية. أي غباء أصاب نخبتنا لتدعم الجزائر ضد جيران غدَرُوا؟ غدرهم واضح في صمتهم بمؤتمر طنجة، لكن نخبتنا لم تكن وطنية بما يكفي.
هل تحمل النخبة المغربية مسؤولية التفريط في أراضي الصحراء الشرقية؟
نعم، وهذا ما يتكرر اليوم، التضامن مع فلسطين جيد، لكن الأولوية للوحدة الترابية، كما في تحركات «العدل والإحسان» بطنجة ضد «كان».
لقد كان يجب على النخبة التحالف حتى مع الشيطان لحماية الأراضي، ثم التضامن.
تندوف مغربية تاريخيًا، ولم تُعَدّ في استفتاء الجزائر. حرب الرمال لم نَبْدَأْها، بل الجزائر هي التي بدأتها بقتل حرس حدود بفكيك، فالنخبة مسؤولة عن ضياع مليون كلم مربع.
نعم، وهذا ما يتكرر اليوم، التضامن مع فلسطين جيد، لكن الأولوية للوحدة الترابية، كما في تحركات «العدل والإحسان» بطنجة ضد «كان».
لقد كان يجب على النخبة التحالف حتى مع الشيطان لحماية الأراضي، ثم التضامن.
تندوف مغربية تاريخيًا، ولم تُعَدّ في استفتاء الجزائر. حرب الرمال لم نَبْدَأْها، بل الجزائر هي التي بدأتها بقتل حرس حدود بفكيك، فالنخبة مسؤولة عن ضياع مليون كلم مربع.
هل توجد وسيلة قانونية لمراجعة الحدود؟
لست خبيرًا قانونيًا، لكن اتفاقية 1972 مسجَّلة بالأمم المتحدة ولم يُحْتَرَمْها الجزائريون، فهي باطلة، كما أن غار اجبيلات رغم عدم صلاحيته. أنا ضد اتفاق 1972، رغم سياق غضّ الطرف المغربي لأسباب وطنية ودولية، إذ تعرَّض لاستعمار فرنسي إسباني ودولي.
لست خبيرًا قانونيًا، لكن اتفاقية 1972 مسجَّلة بالأمم المتحدة ولم يُحْتَرَمْها الجزائريون، فهي باطلة، كما أن غار اجبيلات رغم عدم صلاحيته. أنا ضد اتفاق 1972، رغم سياق غضّ الطرف المغربي لأسباب وطنية ودولية، إذ تعرَّض لاستعمار فرنسي إسباني ودولي.
كيف تتصور أفق العلاقات المغربية-الجزائرية بناء على ما سبق؟
الجزائر تؤمن بالحدود الاستعمارية فقط، كما صرَّح مسؤولوها، معتبرين إياها «هدية» فرنسية.
لقد تعرض المغرب لمؤامرة بين 1962-1963 بإيعاز من جمال عبد الناصر وقَّع عليها خمسة رؤساء، بما فيهم سيكوتوري. ومن المفارقة أن الجزائر تُسَبُّ الاستعمار في الصحراء «الغربية»، لكنها تفتخر باحتلال أراضٍ مغربية.
لا ثقة في الطغمة العسكرية، والتاريخ يشهد غدرهم، خاصة معاناة المغاربة المُطْرُودِين في عيد الأضحى من عام 1975، كما قال الملك الحسن الثاني: «حتى تعرفوا مع من حَشَرَنَا الله في الجوار».
الجزائر تؤمن بالحدود الاستعمارية فقط، كما صرَّح مسؤولوها، معتبرين إياها «هدية» فرنسية.
لقد تعرض المغرب لمؤامرة بين 1962-1963 بإيعاز من جمال عبد الناصر وقَّع عليها خمسة رؤساء، بما فيهم سيكوتوري. ومن المفارقة أن الجزائر تُسَبُّ الاستعمار في الصحراء «الغربية»، لكنها تفتخر باحتلال أراضٍ مغربية.
لا ثقة في الطغمة العسكرية، والتاريخ يشهد غدرهم، خاصة معاناة المغاربة المُطْرُودِين في عيد الأضحى من عام 1975، كما قال الملك الحسن الثاني: «حتى تعرفوا مع من حَشَرَنَا الله في الجوار».

