الثلاثاء 23 يوليو 2024
كتاب الرأي

عبد الصادقي بومدين: المهرجانات الفنية.. صراع بين ثقافة الماضي وثقافة الحاضر والمستقبل

عبد الصادقي بومدين: المهرجانات الفنية.. صراع بين ثقافة الماضي وثقافة الحاضر والمستقبل عبد الصادقي بومدين
معاداة الفن ومباهج الحياة ليس أمرا جديدا في المغرب، والحرب ضد الفن لم تنطلق من محاربة مهرجان موازين منذ سنوات في الواقع، كمعركة ضمن حرب شاملة تستهدف حب الحياة وتجلياته... لقد انطلقت هذه الحرب منذ سنوات في الواقع كمعركة ضمن حرب شاملة تستهدف حب الحياة وتجلياته .. لقد انطلقت هذه الحرب منذ عقود، وبشكل خاص منذ أواسط السبعينات عندما بدأت تنتشر الحركة الوهابية في المغرب ومختلف التيارات السلفية المدعومة ماديا و أدبيا من الشرق، وساهمت الدولة آنذاك بوسائل عديدة منها استقدام أساتذة من الشرق،من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين والسلفيين، لمحاصرة اليسار وفكر اليسار داخل الفضاء التعليمي..
 
بدأت الحرب ضد الحياة ومباهج الحياة بمعارك " صغيرة " توجهت بالأساس ضد الأعراس التي كانت في تقاليدنا المغربية بمثابة " مهرجان صغير"، وضد الأفراح العائلية التي يحضر فيها، بشكل جد طبيعي، الغناء والرقص ومختلف أشكال التعبير عن الفرح بالصوت والجسد واللباس... نتيجة ذلك تحول العرس المغربي في مناطق وأحياء معينة يؤطرها السلفيون إلى ما يشبه المآتم (قراءة القرآن و تلاوة أناشيد دينية)...
 
المنطلق المؤطر لهذه الحرب ضد كل أشكال التعبير الفني، وضد الحياة في الواقع، هو أن الفن حرام، والرقص حرام، واختلاط الرجال بالنساء حتى في المناسبات العائلية حرام، والحياة فانية، وينبغي التفكير في عذاب القبر..
لذلك كانت ثقافة الموت بكل طقوسه وأهواله لمناهضة ثقافة الحياة بكل تجلياتها و تعابيرها..
 
إنها فلسفة في الحياة في الواقع، أو لنقل أنها فلسفة عفوية لدى الفئات الشعبية التي أصبحت تحت تأثير هذه الثقافة، أي ممارسة فلسفة دون إدراكها بهذه الصفة، كما تمارس الإيديولوجية على نطاق واسع دون إدراك الأسس والمضامين، لأن الإيديولوجية من طبيعتها أن تكون مختبئة حتى تمارس أكبر قدر من تزييف الوعي...
 
المعركة التي خاضها الأصوليون السلفيون ضد "العرس المغربي" كانت في الواقع حربا ضد الثقافة الوطنية و هوية المغرب، فالعرس في التاريخ الثقافي المغربي في عدد كبير من المناطق إن لم يكن أغلبها، هو مهرجان للفرح (يكون عادة بعد نهاية موسم الحصاد) تتجسد فيه كل التعابير والتجليات الثقافية والإبداعية ( غناء، رقص جماعي، أزياء، أواني تقليدية وكل المنتوجات الفنية الشعبية)، والمسخ الذي يعرفه العرس المغربي اليوم أعتبره مسخا للثقافة الوطنية، لأن العرس هو ذاكرة الثقافة الشعبية وإحدى أدوات استمرارها...
 
بالإضافة إلى العرس أبدع الشعب شكلا آخر للتلاقي و التعبير عن الفرح و عن حب الحياة، وهي المواسم التي أعتبر المهرجانات الفنية الحالية شكل متطور من المواسم التقليدية، و ينبغي أن نلاحظ أنه حتى المواسم ذات الطبيعة الدينية يحضر فيها الفرح و التجليات الفنية المختلفة و تعابير الجسد.. ولاحظ أن التصوف الشعبي يرتكز إلى كثير من التعبير الجسدي سواء لدى النساء أو الرجال، فتحضر الحياة ويحضر الجسد حتى فيما يمكن اعتباره قريبا من ثقافة الموت، لذلك حارب السلفييون المواسم باعتبارها بدعة...
العرس ملتقى مصغر، والموسم ملتقى أكبر منه يهم منطقة أو قبيلة..
 
و المهرجان الفني يتسع أكثر ليشمل جهة أو الوطن برمته.. وكل ذلك في إطار إبداع الشعب والمجتمع لأشكال من الفرح الجماعي و التعبير عن حب الحياة....
 
ثقافة الموت، كثقافة وافدة و تنتشر لعوامل عديدة ليس هنا مجال تحليلها، كان لابد أن تواجه و تصارع نقيضها، وكانت واجهة المهرجانات الفنية، وليست الحملة ضد "موازين" سوى جزء من الحرب الشاملة ضد الفن والإبداع والفرح الجماعي ..
 
ما استغرب له شخصيا هو انخراط شباب مليء بالحياة وبحب الحياة، حداثي عصري في كل تجليات حياته، وليس أصوليا ولا سلفيا ولا يساريا متطرفا، انخراطه في هذه المعركة، معركة إلغاء المهرجانات في البلاد، وموازين مجرد خطوة لرفع السقف في مرحلة لاحقة بالنسبة للتيارات الاصولية.
 
وبالمناسبة أقول أن " موازين" و مختلف المهرجانات الفنية هي مكاسب للثقافة والفن، وللشعب و لحقه في الفرح والاستمتاع بسماع ومشاهدة فنانين يحبهم بالمجان، وللتذكير فإن ذلك لا يتم، خارج المهرجان، سوى بما يعادل أجرة شهر كامل لعامل أو موظف صغير ...
 
الأشخاص المسؤولون اليوم عن المهرجان عابرون والكسب والتقليد سيرسخ وسيستمر ويتطور في مضمونه وتدبيره، المعركة الحقيقية من محبي الحياة إن كان لابد من معركة، هي العمل على تطوير وحسن تدبير المهرجانات الفنية والثقافية عامة... وربطها أكثر بالتقاليد الوطنية لتكون أداة لتطوير هذه الثقافة وبوابة انفتاحها على الثقافات العالمية، دون ابتذال أو تمييع للفن كما يحدث فعلا في مهرجان موازين من طرف بعض المشاركين فيه من أجانب، وهو ما ينبغي تفاديه ليكون مهرجان لفن راقي وابداع حقيقي بعيدا عن الاثارة بل وحتى استفزاز احيانا لمشاهدين لهم ثقافة معينة لا ترفض الفن بالمطلق بل الميوعة والابتذال، أما الرفض المبدئي للمهرجانات فهي معركة حاملي ثقافة الموت ورافض الفرح ومباهج الحياة..
 
انه صراع بين من يريد توقيف الزمن والتاريخ والمجتمع عند نقطة في الماضي الغابر، وهو امر مستحيل من طبيعة الحال، وبين ثقافة الحاضر والمستقبل بكل ما يحمله مفهوم الثقافة من دلالات ومعاني، ومنطق التاريخ السائر دوما الى امام يؤدي الى انتصار ثقافة الحاضر والمستقبل المنسجمة مع العصر وتحولات المجتمع، انظروا الى ما يحدث في السعودية (الاصل والمرجع لكل التيارات الاصولية والسلفية) من تحولات ملفتة على هذا المستوى من السماح بالمهرجانات الفنية ومختلف الاشكال الفنية بعد ان كان ذلك من ضروب المستحيل الى وقت قريب.