الخميس 13 يونيو 2024
كتاب الرأي

محمد عزيز الوكيلي: تُرى كيف سيكون حال الجزائر بلا شرذمة البوليساريو؟!

 
 
محمد عزيز الوكيلي: تُرى كيف سيكون حال الجزائر بلا شرذمة البوليساريو؟! محمد عزيز الوكيلي

الواقع أن هذا السؤال طبيعي ولكنه بالرغم من سلامته لا يخلو من غرابة، وذلك لشدة اِلتصاق البوليساريو بالرحم الجزائري، فلا هو خرج مولوداً طبيعيا وسليما ككل مواليد المجتمع الدولي، وما كان له أن يكون كذلك لأنه مَخْبَريّ الصُّنع من مخلفات الحرب الباردة... ولا هو مات في بطن أمه فاستراح هو وأراح الرحم المُثْقَلَ به منذ نصف قرن من الزمن، وأراح بتحصيل الحاصل كل المنطقة المغاربية، التي عانت وتعاني وستظل تعاني من هذا اللقيط اللاصق كالعلق، والذي يآكل، وينهب، ويسرق، ويخطف، ويمتص مُقَدَّرات أبناء الجزائر ويستهلك عائداتِ غازهم ونفطهم... ثم لا يُنتج تحت سمائهم إلاً الخراب والبَوَار؟!!

ونعود للسؤال إياه...كيف يمكن لنا أن نتصور جزائرَ بلا بوليساريو؟!

 

لنتفقْ اولاً على أيّ جزائر نريد أن نجعلها موضوعا لهذه التجربة الفريدة وشبه المستحيلة، حتى لا نقول منذ البداية إنها مستحيلة بكل تأكيد:

 

* هل نتكلم هنا عن جزائرَ جديدةٍ بالفعل، وليس بالقول فقط كجزائر تبون الكاذبة... أقصد، هل نتحدث عن جزائر تعود يوماً إلى ذاتها، بعد أن سرقتها الطغمة العسكرية المتخرّجة من مشاتل الثورة في الشرق المغربي، في وجدة وبركان وكل المنطقة الشرقية المغربية في خمسينات وبداية ستينات القرن الماضي، واحتفظت بها تلك الطغمة رهينة للفكر البولشفي غير المأسوف على مَواته، عندما غيّر بنبلة ملابسه بزي ماوتسي تونغ، واستعار لسان تشي غيفارا، وتقمّص في الوقت ذاته، أو بالأحرى، انتحل صفة خرّيج الأرستوقراطية الفرنسية إلى الدرجة التي جعلته يحتفي بقِطَع من التراب المغربي، المسروق عنوةً بأيدي "ديغول ومن كان معه" من أزلام الاستعمار والنفاق الفرنسيَيْن، ويسمي ذلك بعظمة لسانه (بالصوت والصورة) "هدية فرنسية كريمة لا يليق ردّها، لأن الهدايا لا تُرَدّ" كما قال... فيالها من بجاحة!!!

 

* أم هل نتكلم عن جزائر "مول الحفّاظات" شنقريحة و"الطرطور" تبون، التي تفكر وتتغدّى وتتعشى بالتسبيح للبوليساريو، حتى أنها نسيت تمام النسيان كل قضايا العالم، ونسيت معها شعباً مغسولَ الأدمغة لم يعد يرى إلا ما يراه سائسوه، ولا يسمع إلا ما يسمعه جلاّدوه، ولم يعد يطمح في حياته إلى أكثر من علبة حليب مجفف أو كيس سميد أو عدس أو حمّص أو فاصوليا ينتهي إلى يده بعد ساعات طوالٍ من الانتظام والانتظار؟!

 

* أم هل نتحدث عن جزائر ليست ببال أحد من العالمين، جزائر تبدأ أولا بالحصول على استقلالها ككل المستعمرات الفرنسية السابقة والتي استطاعت بكل الوسائل أن تصير فعلا مستقلة، ثم بعد ذلك تبدأ في إعادة تشكيل بنياتها السياسية والاقتصادية الأساسية، وإعادة تكييف علاقاتها بجيرانها الأقارب والأباعد، وبمحيطها الأمازيغي، والعربي، والإفريقي، والمتوسطي... بعد أن أضاعت صِلاتِها بكل هذا الهُوِيّات وبقيت إلى غاية زمن الله هذا بلا أدنى هُوِيّة؟!

 

عن أي جزائر نتكلم ونحن نحاول أن نتصورها هاهنا بلا حملها الثقيل إسماً ومسمّى، الموصوف بالبوليساريو؟!

 

* هل نقصد الجزائر التي تستطيع أن تنزعَ السلاحَ من أيدي تلك الشرذمة القذرة، وتفكِّكَ كتائبَها وفلولَها، وتعيدَ رهائنَها الصحراويين الأصيلين إلى صحرائهم الأصيلة في الجنوب المغربي... ثم تعيدَ العلاقات الطبيعية معنا نحن المغاربة، فتفتح الحدود، وتترك المجال مُشْرَعاً لتَدَفُّقِ الأشخاص والأموال والسلع، فتتواصل الأرحام، وتزدحم الأسواق في الاتجاهين معاً، فتنخفض من جراء ذلك من جهة، أثمنة المحروقات في المغرب وتنخفض معها تكلفة المعيشة لدى الفئات المغربية الهشة فتُفارقُها الهشاشةُ إلى غير رجعة، وتُنافِسُها من جهة ثانية، وعلى الرصيف الجزائري، سرعةُ انخفاض أثمنةِ الخضر والفواكه والأنسجة والجلود والمصنوعات المغربية الأخرى في الجزائر، فتنتقل رياح الانفتاح هذه بالبداهة إلى موريتانيا وتونس وليبيا، وإلى غاية "أرض الكنانة" في أقصى الشمال الإفريقي، بلا حواجز، ولا معوّقات؟!!

 

* أم هل هي ضربة شمس أصابت تفكيرَنا وتقديرَنا للأمور فجعلتنا نَهذي بهذه العجائب والمستحيلات؟!

 

*أم هي أحلام يقظة تشكّلت خارج الإرادة تحت ضغط الحقد والغل والحسد المتجدّرة عروقه في تربة الموراديا، هناك في جزائر الواقع الأسود، التي لا تشبهها أي جزائر أخرى في أي حلم من أحلام المنام أو اليقظة؟!!

 

شخصيا، أعتقد أن "الجزائر بلا بوليساريو" مجرد فكرة شقيّة ومتمرّدة على الواقع، لأن الجزائر التي نعرفها، ويعرفها العالم كله، ستظل وفية لصورتها الكالحة، لا لشيء سوى لأن كائنات مثل شنقريحة وتبون وجبّار مَهَنّا وناصر الجن... لا يمكن أن تعرف يوماً ما شيئا اسمه مودّة، أو محبّة، أو حُسْن جوار... لأن هذا الضرب من الكائنات، "وحيدة الخلية" كما يُسَمّيها أحد الظرفاء الشباب، وهو بالمناسبة صاحب تحليلات سياسية ومهنية في غاية الصواب والإجادة والإفادة، لا تستطيع أن تحب أو تتودد أو تصاحب غير ظلالها المعتمة، لأنها بكل بساطة تعشق ذاتَها، وتعشق واقعَها، وتنحني بكل الخشوع الممكن وبمنتهى النرجسيةٍ أمام صورتها التي تتراءى لها في مرآةِ سوءِ فكرِها وفَهْمِها وفِعلِها، كلما عَنَّ لها أن تسترق نظرةً ولو خاطفةً إلى تلك المرآة!!!

 

هذه الجزائر إذَنْ، بالبوليساريو أو بدونه، رِينَ على قلبِها وعقلِها الجَمْعِيَيْن، ولم يَكْفِها ذلك فاجتهدت طوال نصف قرن من الزمن المغاربي في إنتاج ثلاثة أجيال من المرضى بالفصام، من الطينة التي بتنا نشاهد إنجازاتها الشاذة والناشزة في فضاءات الرياضة في ذلك البلد، وفي شوارعه، كلما تعلق أمرٌ أو حدثٌ من الأمور أو الأحداث بما هو مغربي بشكل خاص وحصري، وبالتالي، وحتى يستقيم لنا أن ننتظر ونتوقع تغيّر تلك الجزائر إلى أفضل وأنبل مما سلف ذكره، فسيكون علينا أن ننتظر على الأقل ثلاثة أجيال أخرى ولكن، شريطة ذهاب حكام جزائر اليوم، الآن وليس غداً، وظهور طينة جديدة ومختلفة في وسعها أن تُحقّق ذلك التغيير الانقلابي، فأين هي تلك الطينة في هذه الجزائر؟ للأسف الشديد لا توجد، ويستحيل أن توجد في ظل ما هو قائم، وربما إلى أن يرث الله الأرض وما عليها...

 

إننا هنا أمام نسخة مشوّهة من كوريا الشمالية زرع بوخروبة بذرتَها السامّةَ وتركها مثل "الصدقة الجارية" بعد وفاته، ولكنها صدقةٌ قذرةٌ تُثير حولها السَّباب والشتيمة والقرفَ والاشمئزاز!!!

 

نحن إذَنْ بإزاء جزائر أقذر من البوليساريو ذاتِه، وبالتالي فسواء انفصل عنها هذا اللقيط المشوّه والبشع أم لم ينفصل، فستظل وفيةً لفِصامها وسكيزوفرينيتها المتأصّلة في عروقها وأوردتها، ولا مجال بالتالي لطرح هذا السؤال السريالي والمستحيل، والذي أكاد أجزم أنني ما طرحته أساساً إلاّ على سبيل التفكّه... فمعذرة عن هذا الإزعاج غير المقصود!!!

 

                                            محمد عزيز الوكيلي ، إطار تربوي