الأربعاء 17 إبريل 2024
منبر أنفاس

البراق شادي عبد السلام: الرباط - مدريد: محور إفريقي- أوروبي مستدام للأمن و السلام و الإزدهار

البراق شادي عبد السلام: الرباط - مدريد: محور إفريقي- أوروبي مستدام للأمن و السلام و الإزدهار البراق شادي عبد السلام
العلاقات المغربية الإسبانية هي ليست مجرد علاقات نمطية بين دولتين صديقتين تؤطرها إتفاقيات أو معاهدات ولقاءات روتينية متواترة بين قيادة البلدين بل هي روابط تاريخية و حضارية متينة بين أسرتين ملكيتين عريقتين وعلاقات طيبة بين شعبين صديقين  يمتلكان الكثير من التاريخ المشترك يمتد لآلاف السنين ثم علاقات بين مملكتين جارتين و بلدين يتطلعان للمزيد من التعاون المثمر المشترك ، لذلك فمحور الرباط / مدريد هو أحد الفواعل المؤثرة في الديناميات المؤثرة على الأمن الجيوسياسي في مضيق جبل طارق الذي تحول إلى أحد أهم الممرات المائية المؤثرة في سلاسل الإنتاج العالمية ويشكل أحد عوامل الإستقرار الجيوسياسي في منطقة غرب المتوسط وشمال غرب إفريقيا والعالم .
 
بالعودة قليلا إلى الوراء يمكننا إعتبار مضامين الخطاب الملكي ليوم 20 غشت 2021  تخليدا لذكرى ثورة الملك والشعب خارطة طريق متكاملة لإعادة بناء العلاقات المغربية الإسبانية على أسس هادئة وواضحة ومسؤولة، حيث أكد جلالته في ذات الخطاب السامي على أن المغرب " يتطلع، بكل صدق وتفاؤل، لمواصلة العمل مع الحكومة الإسبانية ومع رئيسها معالي السيد بيدرو شانشيز من أجل تدشين مرحلة جديدة وغير مسبوقة في العلاقات بين البلدين على أساس الثقة والشفافية والاحترام المتبادل، والوفاء بالالتزامات." ..// إنتهى الإقتباس؛ وهو ما أكد عليه رئيس الحكومة الإسبانية  السيد بيدرو شانشيز  في رسالته إلى جلالة الملك محمد السادس  ليوم 14 مارس 2022 بقوله: " هدفنا يتمثل في بناء علاقة جديدة، تقوم على الشفافية والتواصل الدائم، والإحترام المتبادل للإتفاقيات الموقعة بين الطرفين والإمتناع عن كل عمل أحادي الجانب، وفي مستوى أهمية جميع ما نتقاسمه”..// إنتهى الإقتباس .
 
الثقة والشفافية والإحترام المتبادل والوفاء بالإلتزامات هي محددات جوهرية في معالجة الملفات السياسية والإقتصادية المطروحة فوق طاولة الحوار الإستراتيجي المغربي الإسباني  لذا فالمملكة المغربية كقوة إقليمية في غرب المتوسط بإمتدادات ديبلوماسية عريقة و شبكة علاقات دولية واسعة يشتغل وفق مقاربة ديبلوماسية تشاركية مبنية على الإلتزام بالقانون الدولي والأعراف الديبلوماسية و إحترام سيادة الدول و شؤونها الداخلية وموقف الدولة الإسبانية الواقعي من قضية الوحدة الترابية للمملكة ودعمها الصريح و العلني لمبادرة الحكم الذاتي المعبر عنه في البيان المشترك المعتمد في 7 أبريل 2022، والإعلان المشترك الصادر في ختام الدورة الـ 12 للاجتماع رفيع المستوى المغرب – إسبانيا المنعقد في 2 فبراير 2023  بإعتباره الحل السياسي الأكثر جدية وواقعية ومصداقية هو بداية عصر جديد من التوافق الحضاري بين أمتين عريقتين تربطهما أواصر صداقة قديمة تمتد لآلاف السنين .
 
ولهذا تمثل الزيارة التي قام بها السيد بيدرو شانشيز رئيس الحكومة في المملكة الإسبانية إلى العاصمة الرباط واللقاءات الرفيعة المستوى التي أجراها و في قمتها  الإستقبال الملكي من طرف  جلالة الملك محمد السادس نصره الله، تمثل إضافة نوعية مهمة لمسار الشراكة الإستراتيجية بين محور الرباط - مدريد الذي تحول بفضل الإرادة القوية لقيادة البلدين إلى عامل مهم من أجل ترسيخ أسس هذه العلاقات و وضع تصور مستقبلي برؤية إندماجية لها بناء على الروابط الحضارية و التاريخية و الجغرافية المشتركة التي جسدها المشروع الأممي المغربي - الإيبيري بإحتضان و تنظيم حدث كأس العالم 2030  وإنطلاق العمل في مشروع الربط القاري عبر مضيق جبل طارق والذي سيكون بلاشك أول محطة مفصلية في مسار تاريخي جديد للعلاقات بين الشعب المغربي العظيم والشعب الإسباني الصديق، ملف الترشيح المشترك المغربي - الإيبيري هو رسالة إلى العالم أن صانع القرار السياسي المغربي قد حسم قراره التاريخي في وضع تسوية إقليمية تناسب تطلعاته في بناء جسور السلام و التعاون والبناء الإقتصادي المشترك ومحور الرباط /  مدريد  التاريخي أصبح اليوم واقعا جيوسياسيا في غرب المتوسط وفق توجه أطلسي ثابت الخطى .
 
تأتي هذه الزيارة بعد سنة من إنعقاد الدورة الثانية عشرة للاجتماع رفيع المستوى المغرب-إسبانيا، وبعد ثماني سنوات على عقد آخر دورة لهذه الآلية المؤسساتية الرفيعة المستوى في مدينة الرباط على مدى يومين من الإجتماعات واللقاءات المشتركة بين المسؤولين المغاربة ونظراءهم الإسبان في ظرفية دولية وإقليمية دقيقية عنوانها اللايقين الإقتصادي وتداعيات جائحة كورونا وإنعكاسات الحرب الأوكرانية على الوضع الإقتصادي العالمي والتجاذبات الجيوسياسية بين القوى الدولية في خضم محاولة أطراف إقليمية التأثير على عمق وصيرورة هذه العلاقات بقرارات مزاجية ومواقف إستفزازية ومؤامرات سياسية .
 
عودة الدفئ للعلاقات المغربية - الإسبانية يجسد التنزيل الدقيق للرؤية الملكية المستنيرة في الشأن الديبلوماسي والتي ترى في المملكة المغربية لاعبا أساسيا ومحوريا في الأمن البشري للقارة الإفريقية وفي محيطها المتوسطي والدولي،  لذا المملكة المغربية قادرة بكل مسؤولية على ممارستها دورها الريادي في القارة الإفريقية كحلقة وصل بين الشعوب الإفريقية الغنية بمواردها البشرية والطبيعية وباقي دول الشمال التي تبحث على موطئ قدم في القارة الإفريقية من خلال شراكات إستراتيجية مسؤولة تخدم مصالح وثروات ومقدرات شعوب القارة وتدعم  قدرتها على الصمود في وجه التغيرات المناخية القاسية والمخاطر الأمنية القاهرة .
 
إعجاب السيد بيدرو شانشيز بالمشاريع والمبادرات المهيكلة التي يطرحها المغرب كحلول تنموية شاملة في محيطه الإقليمي كمشروع أنبوب الغاز إفريقيا - الأطلسي المغرب/ نيجيريا الذي يعتبر طريقا جديدا للإندماج الإقليمي بين مختلف شعوب غرب و شمال القارة الأفريقية بقيادة إقليمية مغربية - نيجيرية ، من خلال العمل على تنفيذ مشاريع اندماجية وتشاركية برؤية متجددة للتعاون المتعدد الأطراف لتحقيق التنمية الإجتماعية والإقتصادية الشاملة والتكامل القاري والإقليمي و تعزيز السيادة الطاقية و ترسيخ قيم الإستقرار والسلام والأمن كمداخل للديمقراطية والحكامة الرشيدة و كذا المبادرة الملكية لتعزيز ولوج بلدان الساحل إلى المحيط الأطلسي ومبادرة البلدان الإفريقية المطلة على المحيط الأطلسي كمبادرات متفردة تقوي الروابط بين الشعوب الإفريقية وتندرج في صلب السياسات القارية التي تدعو إلى التكامل الإقتصادي و التعاون البناء بين كل دول القارة الإفريقية لتثمين ثرواتها وحماية مقدراتها من السياسات الإستعمارية وأطماع بعض القوى التي تحن إلى تاريخها الإمبريالي البغيض القائم على النهب والإستغلال والإستعباد لمقدرات الشعوب الإفريقية .
 
الموقف الإسباني إتجاه الوحدة الترابية للمملكة المغربية الشريفة يدعم جهود المملكة المغربية لمساعدة شعوب القارة الإفريقية على ضمان حقوقها الغير قابلة للتصرف في التنمية المستدامة وتحقيق الأمن ودعم جهود الإستقرار ويؤكد على الفهم العميق والدقيق لصانع القرار الإسباني لطبيعة التحديات والمخاطر التي تهدد الإقليم بصفة عامة والمصالح الإسبانية ويعطي القوة لقدرة مدريد على التموقع الإيجابي في القارة الإفريقية من منطلق الشراكة الإيجابية الفاعلة.
 
توقيت زيارة السيد بيدرو شانشيز إلى المملكة المغربية يضفى على الزيارة أبعاد عميقة للغاية، لأنها تعكس إهتمام المملكة المغربية بترسيخ روابطها الإقليمية في ظل تعنت الجوار الإقليمي عن التوصل لتسوية إقليمية وغرقه في مقاربات عدائية لا تتناسب وحجم التهديدات التي تواجه الأمن البشري الجماعي في المنطقة.
 
اللقاء المغربي - الإسباني يكرس مكانة المملكة المغربية المركزية في مستقبل المنطقة ويؤكد صواب رؤيتها الاستراتيجية الساعية إلى نزع فتيل الأزمات وخفض التوتر الإقليمي عبر بناء شراكات فاعلة و تصورات مشتركة حيال القضايا و الملفات التي تقع في مدار إهتمام الفاعل الديبلوماسي المغربي.
ولاغالب إلا الله.