الأحد 25 فبراير 2024
في الصميم

لكم دعم عبد اللطيف الجواهري، ولنا دعم الله!!

لكم دعم عبد اللطيف الجواهري، ولنا دعم الله!! عبد الرحيم أريري
ماهي كلفة إرضاء المؤسسات المالية الدولية على التنمية البشرية بالمغرب خلال 30 سنة الماضية؟
هذا هو السؤال الذي ترفض النخب السياسية بالمغرب طرحه حتى لا تتعرى كل السياسات العمومية المسطرة لمحاربة الفقر، علما أن المغرب جرب خلال ثلاثة عقود، العديد من المخططات والبرامج والآليات. وبدل أن يتم تقليص عدد الفقراء نرى أعدادهم تتزايد بشكل مقلق. 

فالمغرب يضم اليوم 5 ملايين فقير (أي 15 % من مجموع السكان)، منهم 2 مليون فقير نقدي معدم، ليس لهم أي مدخول أصلا، ولو رمزيا يمكنهم من قضاء وتبضع أغراضهم الدنيا الحيوية.

المغرب، وبدل أن يهتم بالإنسان، ظل عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، يخذر النخب السياسية بمفهوم «ضمان التوازنات الماكرو اقتصادية»، بينما كان والي بنك المغرب يسعى في الحقيقة إلى الحصول على «مباركة» المؤسسات المالية الدولية، ويحرص على الحصول على تنقيط جيد من طرفها. وبالتالي أثر والي بنك المغرب على القرار العمومي بالتشبث بالتوازن وعدم تجاوز العجز نسبة 4 أو 5 % مقابل الضغط على النفقات العمومية.

لكن الخطأ الأكبر المرتكب أن الضغط على النفقات استهدف الجانب الاجتماعي من تعليم وصحة وطرق وماء وتطهير واستثمار عمومي منتج للشغل، وما شاكل ذلك.

اليوم، وبعد مرور 30 سنة تقريبا على الهرولة لإرضاء المؤسسات المالية الدولية، من حقنا التساؤل: ما هي الكلفة التي تحملها المغاربة؟ 
النتيجة ماثلة أمامنا: فقر فظيع، وخصاص رهيب وهشاشة مفجعة، ثم وهذا هو الأخطر: تصنيف سيء وفي أرذل الترتيب الأممي بخصوص مؤشرات التنمية البشرية.

أضف إلى ذلك أن الأوراش الكبرى التي أنجزت بالمغرب، رغم أهميتها، لم تنعكس على تحسين مستوى معيشة المواطنين، بحيث لم نلمس قدرة هذه الأوراش على امتصاص البطالة وخلق مناصب الشغل، علما أن التشغيل هو المدخل الأهم للكرامة الإنسانية والمدخل للنمو والتنمية، على اعتبار أن المرء الذي يجد منصب شغل يصبح ذا مدخول مالي يسمح له بالحصول على الخدمات، ولو في حدودها الدنيا. 
لو أخذنا مصدر الثروة بالمغرب سنجد أنها موزعة على ثلاثة قطاعات: الفلاحة والصناعة والخدمات.

أولا: الفلاحة، وهي نوعان: فلاحة ذات رأسمال كثيف، وفلاحة تضامنية. 
النوع الأول قوي ومنظم ومحمي باللوبيات ويحظى بعطف الحكومة ووكالاتها ومخططها الأخضر: إعفاءات، إغراءات، منح مالية سخية، بنية تحتية قوية في الري والتخزين والتسويق. أما النوع الثاني فلا يحصل على أي دعم. «اللهم دعم الله في المطر»؟، بحكم أن الأغلبية الساحقة من الفلاحين في هذا النوع لديهم زراعة بورية، فإن تهاطل المطر تحسنت وضعيتهم جزئيا، وإن حل الجفاف تزداد معاناتهم. وهذا ما يفسر لماذا تبقى مساهمة الفلاحة في نسبة النمو بالمغرب، مساهمة مهزوزة، ولا يعتمد عليها لتأمين وتحصين البلاد.

ثانيا: الصناعة، كانت للمغرب بنية صناعية واعدة في بداية الاستقلال، لكن للأسف تم «اغتيال» العديد من الوحدات الصناعية بالتحرير والبيع والانفتاح غير المدروس لاتفاقيات التبادل الحر مع أوروبا وأمريكا وتركيا ومع دول أخرى، بشكل جعلت المغرب يفقد قدراته التنافسية، وأصبحنا نستورد معظم ما نحتاجه. ولم يتمكن المغرب من حماية صناعته على غرار ما قامت به دول أخرى بطرق تحايلية ذكية، من قبيل: فرض شروط تعجيزية على سلع المغرب لتلج للسوق الأوربي أو الأمريكي أو التركي (يجب أن يكون الثوب مصنوعا من كذا مكونات ويتوفر على كذا مواصفات ، إلخ..). فضاعت لنا أسواق مهمة وأفلست وحدات رائدة.

ثالثا: التجارة، لا يحتاج المرء ليكون حائزا على جائزة نوبل في الاقتصاد، ليعرف أن ثلث القطاع التجاري بالمغرب غير منظم وغير مهيكل. وبالتالي كيف يستقيم الحديث عن تحقيق نسبة نمو بقطاع خدمات أعرج.

إن الحل واضح، اللهم لمن على عينيه غشاوة، فلكي يردم المغرب الهوة بين الطبقات (وهي هوة فسيحة جدا)، ويردم الفجوة بين المجالات الترابية ويحقق الكرامة لأبنائه العاطلين، ليس أمامه سوى الاقتداء بنهج الدول الصاعدة التي كانت حريصة على تحقيق نسبة قارة من النمو لم تكن تنزل على 6 أو 7 في المائة لمدة جيل كامل، بل وكانت في بعض السنوات تصل إلى نسبة عالية (10 أو 12%). فبدون هذه النسب لن يتمكن المغرب من تنزيل مشروع الدولة الاجتماعية ولن يتمكن من تحقيق القفزة والوثبة نحو الأعلى.

ليتمكن المغرب من تحقيق ذلك، يجب إبعاد الشناقة والبزناسة وأصحاب الشركات والثروات من مراكز القرار الحكومي والبرلماني. 

فأصحاب الشركات لا ينظرون للمغرب كدولة عريقة تمتد لأكثر من 12 قرن، بقدر ما ينظرون إليه كسوق فيه «همزة كبيرة»، ولا يتعاملون مع المغاربة كمواطنين من واجب الدولة تمتيعهم بالعيش الكريم والصحة الناجعة والتعليم الجيد والسكن الآدمي، بقدر ما يتعاملون معهم كزبناء في «سوق الهمزة».