الأحد 21 يوليو 2024
اقتصاد

رشيد لبكر: حذار من مسخ خصوصية المناطق الجبلية أثناء إعادة إعمار ما دمره الزلزال

رشيد لبكر: حذار من مسخ خصوصية المناطق الجبلية أثناء إعادة إعمار ما دمره الزلزال رشيد لبكر، أستاذ القانون العام، مهتم بالسياسات الترابية بكلية الحقوق بالجديدة
شكل زلزال الحوز درسا بليغا للجميع، بحيث دعا إلى إعادة الإعمار بناء على قواعد جديدة في إعداد التراب..ويحتل فيها الجبل مكانا متميزا، ويلعب فيها الإنسان دوره في التعامل مع البيئة المقاومة للكوارث.
"أنفاس بريس" وأسبوعية "الوطن الآن"، أجرتا في هذا الشأن حوارا مع رشيد لبكر، أستاذ القانون العام، مهتم بالسياسات الترابية بكلية الحقوق بالجديدة:
 
- على هامش زلزال الحوز دعا البعض إلى إعادة النظر في إعداد التراب الوطني حتى يلعب الجبل دوره، ما رأيك؟
لابد من القول بأن إعداد التراب الوطني كسياسة وكبرنامج عمل وكمخطط تنموي شامل ومتكامل وواضح الرؤية مجاليا وزمانيا، مازال لم يحظ بالمكانة التي يستحقها بالمغرب. وأعتقد أن السياسة الترابية عموما مازال يطغي عليها البعد القطاعي ولا تخضع في تصورها وتطبيقها لخطة موحدة ومندمجة. لذلك نرى أن الجهود تتركز مثلا، في فترة زمنية معنية، ولظروف خاصة أو استثنائية حول قطاع معين، لكن بمجرد انقشاع المعطيات المصاحبة لهذا الظرف الخاص، ينتهي الحديث عن هذا القطاع، وقد عايشنا هذا في العديد من المناسبات والمحطات. فالتعامل مع قضية أن المغرب يعيش وضعية مائية مجهدة لا تأخذ حقها من النقاش إلا في فترة الجفاف، ولكن إذا سقطت الأمطار، طوي هذا الملف وكأنه لا يعنينا. والحديث أيضا عن الوضعية المتأخرة جدا لشبكة الطرق في القرى الجبلية لا يأبه بها إلا عند حدوث الكوارث أو خلال العواصف الثلجية مع الأسف وهكذا... إذن فتعاملنا مع المسألة الترابية، تعاملا مناسباتيا، ظرفيا، ترقيعيا، وليس تعاملا مبدئيا يخضع لخطة ترابية شاملة، متكاملة ومنصفة كالتي تدعو إليها سياسة إعداد التراب الوطني، باعتبارها مخطط عمل متوسط وطويل المدى، ينبني على معطيات علمية وميدانية، موضوعية واحترازية أيضا، لأنه بطبيعته مخطط توقعي، يضع أمام أعينه، احتمالات الخطر المحدقة بأي مجال ترابي، ويحاول وضع السيناريوهات الممكنة للمواجهة لتقادي وقوعه من الأصل، أو حتى إذا وقع، تكون أضراره ضئيلة جدا. فالسياسة الترابية الحقيقية بهذا المعنى، تدمج في رؤيتها العامة والشاملة، المكونات الطبيعية والبشرية لأي مجال ترابي معين ولا تهمل فيه شيئا، بمعنى أنها لا تضع مخططا لتدبير هذا المجال، إلا إذا أخذت بعين الاعتبار الخصوصيات الإثنية والاجتماعية والعرقية والإنتاجية للساكنة التي تستوطن هذا المجال وكذا مكوناته الطبيعية سواء كانت غابات أو جبال أو صحاري أو أودية أو سواحل أو مدن كبرى وغيره، ووفق رؤية مستدامة قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى. فكل شيء في هذا السياسة يفترض أنه مدروس ومتحكم فيه ولا شيء متروك للحظية والفجائية، فإذا حلت الطامة كان المجال مستعد لمواجهتها، هذا هو المبدأ، ولعلنا نشرح أكثر في الآتي من أسئلة. فقط أقول جوابا على سؤالك، أنني من الذين يعتقدون بالحاجة، ليس إلى إعادة النظر في إعداد التراب، ولكن إلى إعطائه المكانة التي يستحقها في بلدنا، كسياسة أفقية، تتقاطع فيها كل القطاعات، شخصيا من الصعب علي الحديث عن إعداد التراب وطني قائم الذات، بالمعنى القانوني الملزم وبكل ما تحمله الكلمة من معنى، لا نتحدث هنا عن الجبل فقط، بل عن كل مكونات المجال الترابي.
 
- كيف لإعداد التراب الوطني أن يأخذ بعين الاعتبار الغابة والأشجار والماء والسياحة...
لأنه ذو طبيعة أفقية كما سبق أن أشرت، أي أن إعداد التراب الوطني هو بطبيعته سياسة متعددة القطاعات، ولا يمكن الادعاء بأنه اختصاص قطاع حكومي بالمعنى الحرفي للاختصاص. فالقطاع الحكومي المعني، من المفروض أن اختصاصه فيه، هو التنسيق والأجرأة والمتابعة، أما ما يمكن أن تتضمنه هذه السياسة من رؤى وبرامج وخطط مستقبلية فهو شأن حكومي عام إن لم نقل مشروع الدولة بكاملها يتعدى حتى الحكومات ذاتها. فلو قلنا مثلا أن هناك تصميما وطنيا لإعداد التراب SNAT فالمفروض أنه مخطط طويل المدى ربما يستوفي عمر ثلاث أو أربع حكومات، وكل حكومة من المفروض أن تأخذ في مضامينه بعين الاعتبار برنامجها العملي، فهذا ما يضمن استمرارية العمل وتوحيده، والأهم أنه يوفر وضوح الرؤية، وهي أهم مطلب يراهن عليه المستثمر وصاحب الرأسمال مثلا. ولأن إعداد التراب مخطط متعدد القطاعات كما أشرنا، فإنه يركز على جميع العناصر والأنشطة التي يتكون منها التراب الوطني، ولا يهمل شيئا أبدا، تحقيقا لمبدأ الإنصاف بين الجميع، وأعطي مثالا واضحا. فرنسا عندما فرضت حمايتها على المغرب، أو بالمعنى الأصح عندما استعمرته، قسمته إلى مغرب نافع وآخر غير نافع، وهذه رؤية استعمارية محضة، معناها أن ما يهمها في المغرب، هو المناطق المنتجة للثروة والتي جاءت لاستغلالها، أما المناطق الأخرى، التي مازالت تحتاج إلى مجهود كي تصبح هي الأخرى منتجة فلا حاجة لها بها. وهي في نظرها غير ذات جدوى أي مناطق غير نافعة، ولكن لمن غير نافعة؟ لها هي بالطبع إذ في نظرها أن العمل من أجل تنميتها مجرد هدر للطاقة ومضيعة للوقت وهي تريد الجاهز ولا يهمها نماء السكان.. لهذا، فعندما حصل المغرب على استقلاله، كان لابد له أن يصحح هذه النظرة الاستعمارية الذميمة التي مازلنا ندفع فاتورتها إلى الآن، عن طريق تبني سياسة ترابية جديدة ترى المغرب كله مجالا ترابيا نافعا، تحقيقا لمبدأ الإنصاف والعدالة بين جميع المكونات الترابية والساكنة التي تقطن فيها أخذا بعين الاعتبار الطبيعة الجغرافية لكل مجال، أي سواء كان منطقة جبلية أو واحات أو ساحلية أو نهرية أو غابوية وقس عليه. ولكي تتوفق الدولة أكثر في تصحيح هذه الرؤية، تبنت الخيار اللامركزي الذي وصل إلى أوجه مع الجهوية المتقدمة، وأصبحت المكونات الترابية تتوفر على اختصاصات هائلة للاعتناء بالتراب بل ولها تمثيلية في البرلمان، عن طريق مجلس المستشارين للترافع والدفاع عن خصوصية ومطالب مجالها الترابي واحتياجات الساكنة بل وحتى لكل تعرف بالمؤهلات الطبيعية والبشرية لأي مجال. هكذا إذن تجسدت الرؤية لتصحيح واقع المغرب النافع والمغرب غير النافع، جهلها من جهلها وعلمها من علمها.
لكن مع الأسف، يبدو أن الكثير من المنتخبين لا يتوفر لديهم أي نصيب من هذه الرؤية، فتركوا مجالهم فريسة للتهميش والنسيان والإقصاء وسعوا إلى قضاء مآربهم الخاصة وتنمية أرصدتهم، حتى باءت السياسة الترابية، بالفشل في تصحيح مخلفات الإرث الفرنسي في العديد من هذه المناطق التي أقصيت تماما من حركية التنمية التي تعرفها البلاد، ومنها المناطق الجبلية التي كانت من أشد المتضررين، - كما رأينا ذلك عيانا بمناسبة هذه الزلزال -، لقد تعاظم تهميشها حتى غضبت الطبيعة فنابت عن "منتخبيها" في نقل الرسالة، طبعا كانت الرسالة موجعة ومؤلمة، «لعل لله يحدث بعد ذلك أمرا». وللعلم فقط بأن الحديث عن الجبل وإكراهات ناس الجبل ليس وليد اللحظة، أذكر جيدا أنه ومنذ أكثر من 20 سنة خلت بمناسبة انعقاد فعاليات الحوار الوطني حول إعداد الترب الوطني في عهد حكومة اليوسفي والذي دام أكثر من سنة من النقاش، وكان سيتوج بصدور قانون خاص بإعداد التراب لم ير النور لحد الساعة، حيث تم تخصيص جزء من النقاش للمشاكل التي يعرفها الجبل وساكنته تحت عنوان عريض هو "الجبل والتنمية الترابية".
وضمن التوصيات والمخرجات التي أفضي إليها هذا النقاش هناك: "تأهيل الإنسان الجبلي وذلك بتدعيم التعليم والتطبيب والتشغيل وتحسين ظروف عيش السكان وذلك بتوفير التجهيزات الأساسية والبنيات التحتية من طرق وكهرباء وماء شروب ومختلف وسائل الاتصال – تأهيل الاقتصاد الجبلي مع تثمين الثروات الجبلية المختلفة وتوجيه الاستثمار نحو إنعاش الاقتصاد المحلي من فلاحة وتربية المواشي وصناعة تقليدية وسياحة جبلية واحترام الهوية الثقافية والاجتماعية للساكنة الجبلية – مراعاة موقع الجبل ضمن التراب الجهوي والوطني في إطار تنمية شاملة – تنمية الجبل المغربي بالاقتباس من التجارب العالمية في مجال التنمية الجبلية – وضع آليات خاصة تكون قادرة على مسايرة التنمية الجبلية كقانون تعمير خاص بالجبل – تسريع قانون الجبل وإعطاءه صبغة محلية لاستغلال الثروات الجبلية – حلف معهد للدراسات الجبلية ومحيطها – الاهتمام بتعمير ملائم للمناطق الجبلية...." المهم كان هناك نقاش ووعي كبيرين بمشاكل الجبل، وطموح وحماس لمصالحته مع باقي مكونات التراب الوطني. ويمكن الرجوع في هذا الصدد إلى أوراق هذا الحوار الهام، لنعلم أن التصور قد كان فعلا. غير أن كل ما قيل وكتب وصدر من توصيات ذهب أدراج الرياح. أما الطامة، فتتمثل في كون الجهة التي احتضنت هذا النقاش الوطني الهام بحضور وزراء ومسؤولين حكوميين آنذاك وحذرت من واقع الهشاشة التي يعرفها الجبل، لم تكن ويا للأسف سوى جهة "تانسيفت مراكش الحوز" التي ضربها الزلزال اليوم. فتصوروا لو كل هذه التوصيات كانت قد عرفت طريقها نحو النور، أكيد أن الخسائر ستكون أقل بكثير. لكن مع الأسف كان قول ولم يكن هناك فعل.
 
- هل من الضروري إعادة الإعمار عبر إعادة البناء بالطين والحجر والطرق التقليدية بعدما ثبت بأنها لا تصمد أمام الزلزال؟
لا بد في إطار إعادة إعمار المنطقة من بلورة مساكن وقرى تراعي الخصوصيات المحلية والحضارية والمعمارية للمنطقة، لأنها واحدة من الثروات التي يراهن عليها لتنشيط الحياة السياحية وتحقيق التنمية وتنمية مداخيل الساكنة. لا يمكن إعادة الإعمار ببنايات ممسوخة وغير منسجمة مع محيطها، لأنها ستكون كعملية زرع عضو غريب عن الجسم، إذ من الطبيعي أنه سيلفظه. لست متفقا معك تماما في السؤال، بالعكس، الطين والحجر يمكن أن يكونا أقوى مما تتصور، فقط لو استعملا بالطريقة التي يجب أن يستعملا وفقها. وقد قرأت في هذا الباب مقالا لمهندسة معمارية مغربية تقول بنفس هذا الرأي، يلزم فقط شيء من التفكير و عدم التسرع وكثير من الإبداع، لأن الطبيعة بحد ذاتها خلاقة وذكية، فقط يجب فهمها، وبالتالي فما توفره هي ذاتها في المنطقة من طوب وأحجار قادر على الصمود في وجه التقلبات الطبيعية لو أنجز بعلمية وحرفية. إذن لا بد، بل من الضروري، إعادة البناء وفق أنساق معمارية منسجمة مع محيطها ومتفاعلة معها، ولم لا توجه الدعوة للهيئة الوطنية للمهندسين المعماريين كي تفتح باب المبادرة لكل مهندسينا لإبداع أفكار وتصاميم جديدة، صلبة وقوية و محافظة على خصوصية المنطقة وجاذبيتها. أنا أحذر من مسخ خصوصية المنطقة، فقد تكون آثار المسخ أفظع من آثار الزلزال ذاته.
 
-كيف ستتم معالجة هذه الطرق التقليدية؟
لا شيء يقف أمام الإبداع البشري والعقل المؤمن بالتحدي، أنا لست متخصصا في الجواب التقني على هذا السؤال، ولكنني متأكد أن فتح المجال أمام المهندسين، كل المهندسين بلا أقصاء، "اللي عندو شي فكرة مرحبا به" سيوفر آلافا من الأفكار. لنجعل محنة الزلزال منحة لدولتنا لإعادة النظر في طرق العمل وفق رؤية جديدة، تشرك الجميع ولا تقصي أحدا، كي تكون عملية إعادة الإعمار ورشا وطنيا مشتركا بين كل من له فكرة وليس همزة "أخرى للمتربصين بالفرص". من المؤكد جدا أن فتح الطرق والمساكن سيكون القناة نحو مستقبل جديد للمناطق المنكوبة ولنمائها ولفك العزلة عنها وإبراز ما تزخر به من نفائس سياحية ومقومات تنموية. أنا وإن كنت حزينا على الشهداء رحمهم لله، وعلى كل من فقدوا عزيزا وغاليا، فإنني متفائل جدا بأن في هذه الكارثة ستتجسد معاني الحكمة القائلة "وراء كل نقمة نعمة".