الاثنين 4 يوليو 2022
كتاب الرأي

بوقنطار: هل من حق المدارس الخاصة استخلاص واجبات الأداء ؟!

بوقنطار: هل من حق المدارس الخاصة استخلاص واجبات الأداء ؟! عبد الرزاق بوقنطار   
رصدت فرنسا أول حالة يشتبه في إصابتها بفيروس "جدري القردة" بمنطقة باريس/إيل دو-فرانس حسبما أفادت وزارة الصحة الفرنسية مؤخرا، فيما تؤكد المؤشرات على أن الفيروس قد تفشى في ربوع العالم. ويتسبب الفيروس الذي أعلنت بريطانيا وإسبانيا والبرتغال أيضا عن ظهوره في أراضيها، أعراض حمى وطفحا جلديا يؤدي لبروز حبوب على الجلد، وعادة ما يكون خفيفا لكن هناك سلالتين خطيرتين له تؤدي إحداهما لوفيات تصل إلى 10 بالمئة والأخرى لوفاة حوالي 1 بالمئة من المصابين.
بعد هذا التقديم، التساؤل المطروح في ظل التعليم عن بعد -من جديد في 2022- مع احترام الإجراءات الاحترازية؟ هل يحق لأولياء الأمور التكتل لصنع خارطة الطريق لفتح مفاوضات حول أداء واجبات التعليم الخصوصي
لابد من الإشارة إلى أن العلاقة القانونية الرابطة بين مؤسسات التعليم الخاص من جهة، وآباء وأولياء الأمور من جهة ثانية، هي عبارة عن عقد ملزم للجانبين contrat synallagmatique بمعنى؛ أنه عقد يُنشِئ التزامات تبادلية أو متقابلة في ذمة كل واحد من الطرفين المتعاقدين، وبالتالي فكل متعاقد منهما يكون في نفس الوقت دائنا للآخر (créancier) و مدينا له ( Débiteur).
والالتزام الأساسي الواجب على مؤسسة التعليم الخاص هو تقديم خدمة التعليم للتلاميذ المسجلين بالمؤسسة، وفي مقابل ذلك يؤدي آباء وأولياء التلاميذ واجبا شهريا عبارة عن مبلغ مالي متفق عليه، بمعنى أن مؤسسة التعليم الخاص مدينة بتقديم خِدمة التعليم ودائنة بالحصول على واجبات التمدرس، في حين أن آباء التلاميذ مدينين بأداء واجبات التمدرس ودائنين بحصول أبناءهم على خِدمة التعليم.
ما يتعلق بنطاق هذه الخِدمة (أي خدمة التعليم) من المُسَلَم أن الخِدمة المتفق عليها مع المؤسسات التربوية للتعليم الخصوصي لا تتعلق فقط بتلقين الدروس النظرية في مختلف المواد التعليمية، و هو ما يمكن استخلاصه من القانون 06.00 بمثابة النظام الأساسي للتعليم المدرسي الخصوصي سيما المادة 4 منه و التي تنص على ما يلي : “تلتزم مؤسسات التعليم المدرسي الخصوصي كحد أدنى بمعايير التجهيز والتأطير والبرامج والمناهج المقررة في التعليم العمومي”، و كذلك الفقرة 2 من المادة 8 من نفس القانون التي جاء فيها : ” .. يجب على هذه المؤسسات تهييئ تلاميذها وترشيحهم لاجتياز نفس الامتحانات المنظمة لفائدة تلاميذ التعليم العمومي عد نهاية كل سلك تعليمي”.
من تم، يتبين أن تلقين الدروس النظرية ما هو إلا التزام واحد من بين مجموعة من الالتزامات التي يفرضها القانون على مؤسسات التعليم الخاص والتي يتعين عليها كذلك ضمان الوفاء بالتزامات أخرى تدخل ضمن الخِدمة المُتعاقد بشأنها مع آباء وأولياء التلاميذ والمُعبر عنها من طرف المشرع “بالتأطير”، من قبيل الالتزامات التربوية التالية :
ـ مراقبة التلاميذ لمدة تصل إلى 8 أو 9 ساعات من الاثنين إلى الجمعة على الأقل، سيما بالنسبة لتلاميذ الابتدائي والحضانات.
- تمارين العلوم التجريبية التي تتطلب حدا أدنى من التجهيزات والمواد ( مواد الفيزياء والكيمياء والعلوم الطبيعية مثلا).
ـ التمارين الرياضية واستغلال البنية التحتية والتجهيزات الرياضية لمؤسسات التعليم الخاص.
ـ الأنشطة البيداغوجية المختلفة كالرسم والمسرح إلى غير ذلك.
وبطبيعة الحال فإن مؤسسات التعليم الخاص لن تتمكن عن طريق التعليم عن بعد من الوفاء بكل هذه الالتزامات الملقاة على عاتقها والتي تتحصل كمقابل لها على مبالغ مالية شهرية.
و بالتالي فإن مطالبة بعض المؤسسات الخاصة للآباء وأولياء الأمور بالاستيفاء الكامل للواجبات والمصاريف المتفق عليها، فيه نوع من الإجحاف لهؤلاء الآباء وأبناءهم التلاميذ على اعتبار أن هذه المؤسسات الخاصة لم تَعُد تُقدم نفس الخِدمة منذ تعليق الدراسة في أواسط شهر مارس تمهيدا لإعلان حالة الطوارئ الصحية بالمغرب، مع العِلم أن تقديم الدروس عن بُعد لا يعوض بأي حال من الأحوال التعليم الحضوري، وإنما هو فقط وسيلة لضمان عدم انقطاع التلاميذ عن الدروس النظرية بشكل كامل خلال فترة الطوارئ الصحية، أما باقي الأنشطة البيداغوجية والرياضية والدروس التجريبية فإن مؤسسات التعليم الخاص لم تعد تضمنها في ظل هذه الظروف وهذا أمر طبيعي.
إذن، يظهر أن الالتزامات الواجبة على مؤسسات التعليم الخاص لا يتم الوفاء بها جميعها وبشكل طبيعي وعادي، وبالتالي فإن حق هذه المؤسسات في استيفاء مصاريف التمدرس (والتي تُشكل الالتزام المقابل الملقى على عاتق آباء وأولياء التلاميذ) لم يبق له موجب نظرا لتعذر الوفاء الكامل بالالتزامات الواجبة على مؤسسات التعليم الخاص والمشار إليها أعلاه، وذلك تطبيقا للفصل 235 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على ما يلي:
” في العقود الملزمة للطرفين، يجوز لكل متعاقد منهما أن يمتنع عن أداء التزامه، إلى أن يؤدي المتعاقد الآخر التزامه المقابل، وذلك ما لم يكن أحدهما ملتزما حسب الاتفاق أو العرف، بأن ينفذ نصيبه من الالتزام أولا.
عندما يكون التنفيذ واجبا لصالح عدة أشخاص، يجوز للمدين أن يمتنع عن أداء ما يجب لأي واحد منهم إلى أن يقع الأداء الكامل لما يستحقه من التزام مقابل”.
إذن، الملاحظ هو أن الفقرة 2 من الفصل المذكور أعلاه تمنح للمدين إمكانية الدفع بعدم التنفيذ الكامل للالتزام المقابل، وهو ما يتحقق حاليا في العلاقة الرابطة بين مؤسسة التعليم الخاص وآباء وأولياء الأمور في ظل تفشي جائحة كورونا، ولهم بالتالي إمكانية التمسك بعدم أداء الواجبات الشهرية كاملة وذلك إلى حين زوال الجائحة.
لكن، وفي إطار التوازن بين الحقوق والالتزامات، يُطرح السؤال حول مُقابل خِدمة تلقين الدروس النظرية عن بُعد والتي تقوم بها مؤسسات التعليم الخاص؟
هنا، يمكن كحل وسط الاتفاق بين المؤسسات وآباء وأولياء الأمور حول أداء هؤلاء لجزء يسير من الواجبات المالية كمقابل لهذه الخِدمة المقدمة من طرف مؤسسات التعليم الخاص والتي لا تشكل سوى جزءا من الالتزام الملقى على عاتق هذه المؤسسات بمقتضى القانون.
أما بالنسبة لواجبات التنقل، فإنه من البديهي أنه لم يعد لها موجب على اعتبار أن هذه الخِدمة لم تعد مقدمة أصلا من طرف مؤسسات التعليم الخاص وبالتالي فهي لا تستحق عنها أي مقابل مالي.
 
عبد الرزاق بوقنطار          
رئيس جمعية حماية المستهلك بالمحمدية
عضو المكتب التنفيذي للجامعة الوطنية لجمعيات المستهلك