الاثنين 4 يوليو 2022
كتاب الرأي

كريم مولاي: النظام الجزائري يمارس انتحارا ذاتيا بحق نفسه

كريم مولاي: النظام الجزائري يمارس انتحارا ذاتيا بحق نفسه كريم مولاي
وتستمر معاناة الجزائريين مع نظام اختار أن يكون مارقا ليس فقط على النواميس الدولية لحقوق الإنسان، وإنما حتلى على الجغرافيا والتاريخ والدين.. وما كادت فاجعة الناشط الحقوقي حكيم دبازي تنتهي حتى تم الإعلان عن اعتقال الناشط السياسي المعروف كريم طابو على مشارلف عيد الفطر المبارك..
 
الأنظمة العاقلة والرصينة تختار المناسبات الدينية الجامعة لطمأنة شعوبها وإشاعة الأمل بالسلام والاستقرار بينها، وفي الجزائر تجري الرياح عكس التيار، فما إن يظن الناس أن حكامهم تعلموا الدرس وانحنوا لعواصف القوانين الدولية الصارمة، لا سيما تلك المتصلة باحترام حقوق الإنسان، حتى عاوا إلى سالف عهدهم في انتهاك صارخ لأبسط الحقوق وفي مقدمتها حرية التعبير عن الرأي..
 
شخصيا لا ينتابني شك في أي وقت من الأوقات بأن جلد الأفعى يبقى هو جلد الأفعى مهما تلون، لذلك لم آخذ دعوات المصالحة الوطنية المتكررة الصادرة عن رموز النظام بجدية، وتعاملت معها باعتبارها جزءا من مسيرة الطغيان والاستبداد، وعملت على كشفها إما كتابة في الصحف السيارة، أو عبر تصريحات مكتوبة ومصورة لعدد من وسائل الإعلام العربية والدولية.. 
 
لكنني مع كل ذلك لم أتصور بأن أي نظام يمكنه أن يطلق النار على نفسه باستمرار، كما لو أنه يمارس عمليات انتحار ذاتي، لكن ضحياه للأسف هم الشعب الجزائري المغلوب على أمره..
 
حكيم دبازي مثله مثل محمد تامالت وكمال الدين فخار يموتون في سجون النظام، من دون أن يرتكبوا أية جريمة يعاقب عليها القانون سوى أنهم عبروا عن رأيهم في الشأن العام.. ولكم يحز في النفس أن بعض من طالتهم أقلام وألسنة هؤلاء النشطاء زار بعض هؤلاء الضحايا الشهداء في سجونهم متشفيا فيما آلت إليه أوضاعهم.. 
 
ولأن الجاهل عدو نفسه، فقد عمد النظام الجزائري في خطوة متشنجة وغير مدروسة في قطع العلاقات الديبوماسية بشكل نهائي مع الجارة الغربية المغرب، قبل أن يوقف العمل بأنبوب الغاز الممتد من الجزائر إلى إسبانيا ظنا منه أن ذلك سيوجع المغرب، وسيفقدها دخلا اقتصاديا يساعدها على مواجهة صوارف زمن كورونا أولا ثم فيما بعد تداعيات الحرب الروسية الظالمة ضد أوكرانيا.. 
 
لكن رياح الزمن السياسي سارت بعكس ما توهمه نظامنا الجزائري العتيد، فعادت عليهم قراراتهم بالحسرة والألم والضيق.. فلا المغرب تأذى، ولا إسبانيا استمرت في موقفها الداعم لحق تقرير مصير الشعب الصحراوي، بل على العكس من ذلك أكدت مدريد دعمها لخيار الحكم الذاتي الذي تطرحه المغرب لحل لأزمة الصحراء، وتم استخدام أنبوب الغاز الجزائري لدعم العلاقات المغربية ـ الإسبانية..
 
وفي عناد مع الزمن وبينما تزداد فظائع النظام السوري وجرائمه البشعة المرتكبة بحق الشعب السوري، مع الفيديو المؤلم الذي نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية هذه الأيام عن عملية إعدام جماعي ارتكبتها عناصر النظام السوري في حي التضامن بالعاصمة دمشق، يسعى النظام الجزائري لإعادة الحياة إلى هذا النظام السوري المجرم، من خلال الدعوة لعودته إلى جامعة الدول العربية على أن يكون ضيفا في قمتها الدورية المؤجلة إلى أواخر العام الجاري.. 
لا يوجد في علم السياسة تفسير ومبرر مقنع لهذا السلوك الانتحاري الذي ينتهجه النظام الجزائري بحق نفسه، لكن لدينا في الجزائر تراث تقليدي رسخته أغانينا الشعبية، وهو في الحقيقة مأخوذ من معتقدمنا الديني بأن قاتل النفس البشرية لا بد من أن ينال جزاءه ولو بعد حين.. وهذا ما يجري مع النظام الجزائري الذي انقلب مبكرا على خيار الجزائريين الديمقراطي تسعينيات القرن الماضي، وقتل نحو مليون جزائري فقط لأنهم اختاروا من يمثلهم في البلديات ثم في التشريعيات، على نحو لا يروق لمن اختطفوا الجزائر من أهلها منذ فجر الاستقلال..
 
لكن مع ذلك فكما يقال عندنا، فرب ضارة نافعة، لعل هذه الأخطاء القاتلة في العلاقة مع الشعب أولا ومع الجيران ثانيا ومع دول الإقليم ثالثا ثم مع القوى الدولية رابعا، ستكون مدخلا لتعرية هذا النظام بالكامل، والتعجيل بصبح ديمقراطي يأمل الجزائريون أن يكون موعده قريبا.. 
 
عيد مبارك سعيد لكل الجزائريين وللعرب والمسلمين في كل أنحاء العالم..