الاثنين 20 مارس 2023
كتاب الرأي

عبد الله أبو أياد: الحاجة لمقاربات سيكولوجية وسوسيولوجية وقانونية لقضية الطفل ريان

عبد الله أبو أياد: الحاجة لمقاربات سيكولوجية وسوسيولوجية وقانونية لقضية الطفل ريان عبد الله أبو أياد
يحتاج حادث الطفل ريان أورام الذي فارق الحياة بعد قضائه خمسة أيام على سقوطه العرضي في ثقب مائي بعمق 32 متر بقرية إغران في إقليم شفشاون (250 كلم شمالي الرباط)، الى مقاربات عدة بخصوص التعاطى مع هذه القضية خاصة ما يرتبط بأبعادها السيكولوجية والسوسيولوجية والقانونية، انطلاقا من كون أن أي طفل يبدأ حياته وهو لا حول له ولا قوة ويظل معتمدا على السند الغيري، سواء بواسطة الأسرة البيولوجية أو الرعاية بالحاضنة التربوية.
ويتوقف وجود الطفل المادي وصحته النفسية كذلك على طبيعة العناية الأبوية في علم الأحياء اعتبارا لكون الرعاية الأبوية تعد بمثابة استثمار أبوي يقدمه للنسل؛ ولا يكتمل مشروع هذا الاستثمار الحضاري في الطفل الإنسان إلا من خلال بناء مقدرات الحب والانتماء في مجاله الحيوي باعتباره يشمل كل مكونات الذات البشرية الفاعلة في جميع مراحل النمو المتكافئ ليصير النمو جزء من عملية التربية كعملية إنسانية تستهدف النمو العام للطفل وتنمية مهاراته الحياتية والمعرفية والعقلية والتكنولوجية بما يحقق ذاته الفاعلة الحضارية.
فالتمكين في التربية بمستوياتها النفسية والاجتماعية والأخلاقية والدينية والقانونية والاقتصادية والعلمية، يسهل به التحديد الكل الذي يشمل نسقنا الإنساني ويتطور تطورا غير متكافئ في جميع أنساقنا المجتمعية في غياب التأهيل الإنساني الذي يرقي الإنسان إلى مستوى الفاعل في إدارة إطاره الحياتي، بل يجعله أكثر من ذلك منزوع التأهيل من مهاراته الحياتية، فلا هو يتقن صناعة الحياة ولا يدير فن قوانينها، وهي القضية التي أثارت اهتمام وتعاطف وتضامن مختلف بلدان العالم مع قضية الطفل ريان.
ويلاحظ أن الجوانب القانونية غالبا ما تتحاشاها وسائل إعلامنا السمعي والبصري والمكتوب والالكتروني وهي تتعامل مع أدق تفاصيل سيكولوجيا مشتركنا اليومي، وهو ما يظهر في المعاناة النفسية لواقعة مجتمعية، لذلك فإن الفهم والتفسير لحقائق الواقع ومعطيات تفاصيله، لا تتجزأ عن متلازمة تكامل معرفي يعيد انتاج الفهم في معادلة اجتماعية بمداخل معرفية مركبة تحتاج إلى اجتهادات وقراءات مركبة للمعرفة باليومي والإنسان في مجاله الحيوي وذلك بالشكل الذي يجعل الذات تتأهل وترتقي إلى مستوى الفاعل في إدارة إطاره الحياتي بل يجعله مؤهلا في مهاراته الحياتية لإتقان الحياة وإدارتها بكفاءة فضلا عن القيام بمقاربة قانونية واجتهاد تشريعي يساءل موقع المسؤولية الجنائية والمدنية التي حددها المشرع المغربي في المادة 459 من القانون الجنائية في فرعها الثاني تحت عنوان في ترك الأطفال أو العاجزين وتعريضهم للخطر .
فالطفولة تعد المرحلة التي تبصم المجتمع من الناحية السيكولوجية، فالطفل هو أب الرجل ومرآة المجتمع التي تصير عليها مورفولوجية الوجود الاجتماعي للمجتمعات البشرية، إذ أن كل تطور غير متكافئ في أنساق نموه في مرحلة الطفولة أو وجود صعوبات في الرعاية الوالدية في رعاية الوالدين أو القيمين على شأن الطفولة، من شأنه أن يؤدي إلى صعوبات تنعكس على كافة الحياة المجتمعية.
ومن هذا المنطلق، فإن متلازمة التخلي عن الأطفال تدفع الصغير إلى الإحساس بأنه غير مرغوب فيه ولا أحد يبالي به، على الرغم من أن علماء الاجتماع يجمعون في تعريف الطفولة بكونها تلك الفترة المبكرة من الحياة الإنسانية التي يعتمد فيها الفرد على أبويه -أحدهما أو كلاهما أو دونهما- اعتمادا كليا فيما يحفظ حياته، فيتعلم ويتمرن فيها استعدادا للفترة التي تليها، مما يجعل منها جسرا يعبر به ومن خلاله الفرد/الطفل للوصول لدرجة النضج الفيزيولوجي والعقلي والاجتماعي والنفسي والتي ترسم معالم حياته ككائن اجتماعي.
ويخصوص المدخل الحقوقي فإنه يتمحور حول على الحق في الطفولة، والحق في الطفولة الآمنة والمشبعة بكل حاجات الطفل الإنساني الطبيعية والتي تضمن له الحق الامن في النمو المتوازن في جميع حقوقه الزمنية والمكانية، وهو ما يتأتى من خلال الاستثمار في الرأسمال البشري.
غير أن السياسات العمومية التي لا تتأسس على مبدا المساواة بين جميع المواطنين وتضمن تأهيلهم المجالي بما يرقى إلى مشروع الانسان، وفق تصور شمولي، على اعتبار أن كل مشروع تنموي يجب أن ينتبه إلى احترام الاعتبارات الطبيعية والبشرية، ومن أهم حلقاتها الطفل وذلك بهدف إعطاء نفس جديد وهي الشروط الأساسية لكل تنمية باعتبارها لا تتحقق إلا بحلقاتها الأضعف.
وفي كتابها الموسوعي الضخم الصادر سنة 2009 بعنوان "عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث"، عرضت المؤلفة الكندية ناعومي كلاين، مفهوم الصدمة على مقياس سياسي واسع، كأداة للحكومات لتمرير سياستها أثناء الكوارث والصدمات العامة، في استغلال لصدمة الشعب بكارثته ورصدت الكاتبة في هذا الصدد السياسات الاقتصادية والاجتماعية للمؤسسات والدول الكبرى في العالم في الثلاثة عقود الأخيرة وخاصة منذ تفكيك الاتحاد السوفياتي الى المرحلة الراهنة، ولكن في حالة الاضطراب النفسي الناتج عن هذه الصدمة، ستكون أكثر غورا في النفس وأعمق أثرا على كل إنسان بمفرده، فهي عقيدة الصدمة الخاصة التي تمر بالمرء لقرارات لا يميل لها في حالات الاتزان.
وتعود هذه القراءات الأولية لسيكولوجيا الصدمات الجماعية أو المجتمعية، عندما تتعرض جماعات بشرية واسعة لصدمة حدث يؤثر على أحاسيسها وإدراكاتها على منوال واحد، خصوصا عندما يتعلق الحدث بفرد أو على مستوى طفل يتعرض لعذبات وآلام حيث تجد الجماعات البشرية نفسها عاجزة عن الإنقاذ، فما يشكل الصدمة الجماعية يتوقف بحسب الشخص والحدث وطبيعة الوسائل والمدة التي تعرضت لها الجماهير لقوة الصدمة، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بابتلاع الطبيعة أو الكوارث الطبيعية طويلة الأمد في لحظات العجز.
فهذه القراءات التي لا تنفصل عن قدرة الفاعل السياسي على الاستثمار في الأزمة، وقدرته على تدبير المخاطر قبل حصولها لكون السياسة لا تتأسس على أدوات التهميش والإقصاء والحرمان، وإنما هي مطالبة بريادة الإنسان نحو الحرية والتفكير بحرية في الذات والواقع، بل العمل على بناء التمثلات الانسانية الراقية لقدرة الفرد على الارتقاء نحو الشخص.
وتفرض المسؤولية المشتركة في وقوع الأزمات تحديد المخاطر وتقييم الأحداث والفعل، وذلك ضمن الاستباقية السياسية لصناعة حلول مبتكرة بإشراك التفكير العلمي والباحث المبدع في تقطيع واقعه الإنساني والتفكير الملتزم في قضاياه، على اعتبار أن الاشتغال المحافظ بأنظمة قديمة في وسائل جديدة واستمرارية حل المشكلات بمقاربة أمنية للقضايا المصيرية في المجتمع هو إفقاد للفاعلية البشرية من نواتها الجوهرية وترحيل للإنسان نحو الاتكالية والتربية على الاعتماد الغيري.
كل ذلك يقتضي التفكير في الأزمة بمقاربة شمولية تستند على مفاهيم متقاطعة للتمكين، ترتكز عناصره على الابداع والحرية والعقل والحق في الإبداع والصناعة والفن والمجتمع الانساني المعرفي والذي تحركه شواغل الأخلاق بالعناية، واعتدال في ممارسة التفكير والتخطيط لواقع الإنسان، مما يتطلب مراعاة الزمن بطاقة البشر وقدرته على تخليق الحياة المجتمعية وجعلها رهينة نمو أنساقه الشمولية.
 

   د.عبد الله أبو أياد/أستاذ باحث في علم النفس والتمكين الإنساني المعهد الملكي لتكوين أطر الشبيبة والرياضة