الأحد 22 مايو 2022
كتاب الرأي

بوزيد عزوزي: تدبير استراتيجي للمرحلة.. المغرب والجزائر علاقة معقدة، إلى أين؟

بوزيد عزوزي: تدبير استراتيجي للمرحلة.. المغرب والجزائر علاقة معقدة، إلى أين؟ بوزيد عزوزي

أقترح على المتتبعين للشأن الوطني في هذا النص ثلاثة محاور، المحور الأول يحلل الصراع الثنائي بين المغرب والجزائر، يليه المحور الثاني الذي يطرح بتدقيق العلاقات الدولية الراهنة واختيارات المغرب ثم المحور الثالث: الدرع الواقي بأبعاده الثلاثة: البعد الاجتماعي، والدفاعي-الأمني ثم الاقتصادي .

تأتي هاته التشكيلة من الأفكار والاستنتاجات والاقتراحات للمساهمة في حماية "أمننا القومي والوطني" على ضوء التربصات المتعددة التي أصبحت بلادنا هدفا لها من طرف خصومنا وأعدائنا .

 

توطئة

قبل البدء في التحليل والاقتراح، أود التأكيد تجاه جيراننا الجزائريين لأقول لهم: لا تخطؤوا حساباتكم، ولا تعولوا على تلفيقاتكم ولا ترتبوا أوراقا تطير في أول زوبعة تأتي على الأخضر واليابس، إذا اندلعت الحرب فنحن المغاربة مستعدون للتضحية من أجل جزء من وطننا الغالي الساقية الحمراء ووادي الذهب، حق وطني قانوني حقوقي اجتماعي تاريخي جغرافي ثقافي، إننا في أرضنا وسنبقى فيها ولن يقتلعنا منها إلا الاستشهاد فوقها ومن يحيى سيحيى مكرما معززا رائدا وبانيا مشيدا للتنمية بكل محاورها، ومن التحق بالرفيق الأعلى فستشهد له صحراؤنا أمام الله سبحانه وتعالى بأنه استشهد من أجل الحق لأن الدفاع عن الأرض حق مقدس .

 

في المقابل ستدفعون أنتم أيها الجزائريون وأذنابكم من مدن الجزائر وبجاية وقسنطينة ووهران بحفنة من المرتزقة ليموتوا... من أجل ماذا ؟

 

أقول هذا بعد ما اطلعت على ما قالته الإذاعة الرسمية الجزائرية أن زعيم جبهة البوليساريو المدعو إبراهيم غالي بعث برسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أونطونيو غوتيريش، كتب فيها "أنه لا ينبغي لأحد أن يتوقع منهم أن ينخرطوا في أية عملية سلام، في وقت يواصل فيه المغرب فرض نظامه على الأراضي الصحراوية، وأكد "أن الحديث عن إعادة إطلاق عملية السلام في وقت يتعرض فيه المدنيون الصحراويون ونشطاء حقوق الإنسان للترهيب ولفظائع يندى لها الجبين ، هو حديث لا معنى له".

أقول للغالي الرخيص... فليكن ...

 

تمهيد: تقديم منهجي

من زاوية التصدي لأعداء وحدتنا الترابية، أهمس في أذني مفكرينا وكتابنا ومنظرينا أن يدلوا بدلوهم واقتراحاتهم من أجل تعزيز وتزويد وإغناء رصيد دفاعنا بكل فكرة صائبة في وجه خصومنا من أجل التصدي لهم ومحاربتهم بالقلم، كما يفعل جنودنا الأشاوس المرابطين بالحدود، مذكرينا بالتواريخ وبالقوانين عبر القرون عبر منصات المنظمات الإقليمية والدولية... لأن التفكير والكتابة منصة دفاعية عن وحدة التراب الوطني كما هي منصة للدفاع عن القيم الحيوية والمبادئ الأساسية وحمايتها.

 

في هذا المسلسل وقبل تسجيل وتحرير مجموعة مما يراودني من أفكار حول المرحلة الدقيقة الراهنة التي تمر بها علاقتنا بجارتنا الشرقية الجزائر في إطار علاقات دولية جد معقدة وجد متقلبة مع سرعة كبيرة في التطور، أود تقريب المفاهيم بتخطيط بضع فقرات قصيرة وأسطر قليلة كي أضع "الإطار المنهجي" الذي سأسلكه في تدوين ما أراه واقعا يتطلب منا تدبير شأنه بتعقل وترو وبعد نظر .

"عنوان هذا النص" يفرض تعريفا للكلمات الموضوعة في نسق المصطلحات الواردة التي توجب فتح الباب أمام تفسير وجيز لتفادي كل المفاهيم الضبابية.

فالتدبير: هنا هو القدرة والكفاءة على التسيير للشأن السياسي في فضاء مكهرب قد تكثر فيه الصعاب وتتعدد معه المطبات وتتعقد فيه العلاقات .

استراتيجي: العمل على وضع "منظومة" وسائل وآليات وإمكانيات وموارد لتحقيق أهداف محددة دقيقة خلال فترة زمنية معينة على ضوء وانطلاقا من "تشخيص استراتيجي" عميق ودقيق لواقع اجتماعي واقتصادي ومالي وسياسي ودفاعي، هاته المنظومة هي: "الاستراتيجية المندمجة" أضيف "وصف الحال" لتأكيد المؤكد لأن الاستراتيجية هي أصلا متكاملة.

المرحلة: هي الإطار الزمني الذي استوجب وضع الاستراتيجية والذي يتم خلاله تنفيذ كل المراحل المحددة مع إمكانية تحيين وتحديث كل مكونات المنظومة من أجل التمكن من تحقيق كل الأهداف.

 انطلاقا من هذا التعريف المفرز عبر كلمات ومصطلحات دقيقة، أضع الإشكالية المؤسسة للفكر المعروض على "الهيئات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المدبرة، حكومة وإدارة" قصد تمكيني من "المساهمة في التفكير" من أجل الصالح العام، انطلاقا من روح المواطنة وواجب الدفاع عن شعارنا المثلث الخالد وواجب إغناء هذا الفكر التدبيري بمجموعة محاور وأفكار واقتراحات واستنتاجات.

 

المحور الأول: الصراع الثنائي

هل الصراع المغربي-الجزائري  تاريخي، قانوني، حقوقي أم ذو بعد دولي، أم شامل لكل هاته الأبعاد؟

ظهر الصراع مباشرة بعد حصول الجزائر على الاستقلال خلال يوليوز 1962 ثم انفجر في 1963 مع حرب الرمال في شهر أكتوبر... وهكذا أصبحت المنطقة والواقع السياسي المعاش بين كل دول هاته المجموعة وباقي القوى الإقليمية والدولية وما يمكن أن يترتب عن هاته الارتباطات من مخاطر وزعزعة للاستقرار على جميع المستويات.

 

لقد دخل المغرب والجزائر في صراع قد ينفجر في أية لحظة على الواجهة العسكرية رغم كل ما يحاول فعله المغرب من مد يد السلام  والتنازل عن "النرجسية السياسية العقيمة" التي تتمادى السلطة الحاكمة بجارتنا الشرقية في تنميتها وتوسيع أفقها وشحذ مخالبها .

 

فمنذ أن قرر المغرب تنويع علاقاته مع عدد من الدول الغربية ذات الحضور البارز في عوالم الإقتصاد والمال والتكنولوجيا ، برزت على السطح مجموعة من الدلاءل والمعطيات:

 

-1 محاولات إيجابية يائسة: بعد سنين من محاولة لم الشمل من طرف المغرب، لم تحظ بالاستجابة، لم الشمل لجميع دول المغرب-العربي أهمها اتفاقيات مراكش سنة 1989 وخطب عاهلنا المفدى جلالة الملك سيدي محمد السادس حفظه الله بمد يد السلام وتكاثف الجهود من أجل تنمية متكاملة على المستوى الاقتصادي والمالي؛

2- اقتراحات بدون صدى: بعد تقديم المغرب، على مدى عقود، اقتراحات عديدة متعددة لتقاسم "الأدوار الوظيفية" اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا واستراتيجيا على مستوى دول للمغرب العربي الخمس؛

-3 العمل المشترك: بعد كل محاولات مد يد التعاون والتضامن والتبادل التجاري والتكامل الاقتصادي على المستوى الجغرافي الإقليمي والجهوي والعمل المشترك على المستوى السياسي والدبلوماسي مع جيرانه التي لم يكن لها صدى، اضطر المغرب إلى ربط تنميته بعمليات تعاون مع باقي دول للعالم...

 

عند هذا المستوى بدأ جيراننا يرون في بلادنا خصما مهددا لوحدتهم وعدوا لدودا يجب الحذر منه ومحاولة زعزعته، وذلك ما فتئوا يشتغلون عليه "لفعل ما"، وهكذا، يظهر أن الجزائر ماضية في ترتيب أوراقها وتنظيم أحلافها وتكثيف دسائسها شرقا في اتجاه تونس والفلسطينيين وغيرهم وشمالا تجاه دول أوروبا وعلى رأسها فرنسا.

 

المحور الثاني: العلاقات الدولية واختيارات المغرب

تتم هاته الحركية الجزائرية السياسية والدبلوماسية المكثفة الظاهرة منها والباطنية في إطار واسع قد تكون أوسع مما هو ظاهر .

 

-1 التكتلات الواردة: على ضوء هاته التطورات، أرصد مجموعة من المعطيات ذات الصبغة الجيو-استراتيجية التي تبرزها التوجهات الجيو-سياسية..

قد أكاد أقر أنه من الصعب إيجاد الطريق الأقوم للانتساب لمحور معين على ضوء التقلبات المتتالية والمتسارعة على الساحة الدولية ، الخاسفة لصراع الحضارات الذي لا يكاد يبين ، وهذا في مسلسل إعادة التركيب البنيوي للعلاقات الدولية على ضوء النمو الاقتصادي المتسارع للصين خلال العشرية الثالثة هاته والتقدم العسكري السريع لروسيا وتقارب الاثنين مع الهند وقوتان إقليميتان إيران وتركيا رغم تردد هاته الأخيرة وغدا باكستان ، مجموعة مكونة من 6 دول يصل تعداد ساكنتها إلى 3 ملايير و385 مليون و330 الف نسمة أي 43,97% من سكان العالم مقسمة كالتالي :

 

الصين = 1.402,00

روسيا =   144,10 = 1.546,10

الهند = 1.380,00 = 2.896,10

باكستان =  220,90 = 3.1117,00

إيران =   83,90 = 3.200,99

تركيا =   84,34 = 3.385,33

 

الدخل القومي للمجموعة: 41 بيليون و471 مليون دولار :

الصين: 24,110 

روسيا: 4,036     

الهند: 8.823 

باكستان: 1.054

إيران: 1.105 

تركيا: 2.343 

 

لهذا التكتل السياسي ذو البعد الافتراضي معطيات ديموغرافية واقتصادية جد قوية، وقد يبدو نظريا غير وارد لانطلاق وبناء "فعل كتلوي"، من هاته الزاوية أفترض أنه على كل مفكر الذي يوحي بمقاربات استكشافية أن يضع كل الاحتمالات وأن يتوقع كل الفرضيات، لأن زمن الأزمات يخلق ما لا يمكن توقعه أو التنبؤ به أيام الاستشارات والاصطفافات التي تبنيها الدبلوماسية قبل اشتعال الحريق وانطلاق الدمار.

 

-2 الاختيار الصعب :

إن التطورات السريعة والمتسارعة على المستوى الدولي تجعل عددا من الدول، حتى القوات الإقليمية الصاعدة منها، مترددة في الاصطفاف هنا أو هناك، تابعة لهذا المحور أو ذاك وذلك بعد خسوف القطب الواحد الذى استمر 20 سنة  من نونبر 1989 بانهيار جدار برلين وعودة الڤيتو الروسي ثم الصيني  سنة 2009، وبروز قطب ثاني أو ربما أكثر من قطب جديد.

 

في هذا المشهد الجيو-سياسي الجديد، نسجل جميعا تلكؤ المجموعة الأوروبية في تعزيز علاقتها وترددها في اتباع نهج سياسة الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة بعد البريكسيت في عدد من الملفات، وبعد خروج أميركا من أفغانستان بالطريقة التي خرجت بها، وتململها في الشرق الاوسط خصوصا في العراق وسوريا واليمن استعدادا لمغادرة المنطقة ولو جزئيا ونسبيا لتركيز قوتها في المحيط الهادي محاولة محاصرة الصين التي أصبح تمددها سريعا إلى مناطق عديدة كأوراسيا وإفريقيا والذي يخلق ارتباكا كبيرا وترددا ظاهرا في سياسة القوى العظمى الأولى.

 

ربما لم يسبق للعلاقات الدولية أن عرفت سابقا تعقيدات مماثلة لما هي عليه الآن حتى خلال القرن العشرين خصوصا النصف الثاني منه، إذ أضحت البشرية جمعاء تعيش على قدر ساخن جدا في فضاء تهديد مستمر للسلم والأمن الدوليين، يتمثل في صراعات إقليمية وفكرية ذات أبعاد استراتيجية :

 

ا- صراع واضح بين الولايات المتحدة الأميريكية والصين على تبوء قمة الهرم الاقتصادي والذكاء الصناعي بدء  بـ 5G  وانتهاء بالنانو،

ب- صراع قوي بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا على التسابق للتسلح النووي والتكنولوجي والسيبراني الذي تقدمه هاته الأخيرة على أنه فرط صوتي بـ 7 مرات ماخ،

ج- صراع على التحكم في المضايق من جبل طارق إلى باب المندب والقرن الإفريقي مرورا بالداردانيل والبوسفور وقناة السويس حتى ممر كيرتش بشبه جزيرة القرم، 

د- صراع على التحكم في أميركا اللاتينية من كوبا إلى ڤينيزويلا مرورا بالهندوراس وأخرى على كف عفريت كالبرازيل والشيلي والبيرو والنيكارگواي وحتى كولومبيا المتأرجحة بين اليمين واليسار... مؤكدة تراجع "مبدأ جيمز منرو" الذي حاول ولا يزال الإبقاء على نفسه منذ دجنبر 1823، رغم تغير نوعية المتدخل في القارة الجنوبية لأميركا،

ه- صعود اليمين المتطرف في أوروبا عموما وانفجار اليمين العنصري بفرنسا مع الترشح الرسمي "لإيريك زمور" موازاة مع "مارين لوپين"، موازاة مع التآمر على الدول الإفريقية باستغلال خيراتها الطبيعية البحرية منها والباطنية الأرضية على الخصوص من بترول وغاز وذهب وفضة ومنغنيز وأورانيوم ومنح خزينة هاته الدول نسبة مأوية أكثر أو أقل من 4% ولا يهمها تطور الأفارقة أو تعمق جهلهم وازدياد أنواع وأشكال أمراضهم،

و- تطويق روسيا بصواريخ الناتو واقتراب هذا الحلف من حدودها وتصريح وزارة الدفاع الروسية بأن منصاتها الصاروخية النووية أصبحت جاهزة بنسبة أكثر من 95% في أهبة الحرب التي يمكن أن تندلع في أية لحظة لا قدر الله،

ز- تعزيز مجموعة بريكس BRICS وشنغاي SHANGAÏ بتكثيف وتقريب وجهات النظر بين الصين والهند من طرف روسيا، وبيع هاته الأخيرة صواريخ S400 للهند، كما فعلت مع تركيا، عضو الناتو، لبيعها هاته المنصة الجد متطورة والتي خلقت أزمة مع الولايات المتحدة الأمريكية،

ح- عودة العلاقات الإيماراتية-الإيرانية والإماراتية-التركية وبزوغ توجهات جديدة قد تفرز مفاجآت كثيرة وكبيرة في نسيج العلاقات الدولية خصوصا بالشرق الأوسط،

ط- محاولة مجموعة من الدول الكبرى أو/والقوية اقتصاديا وماليا في التحكم في سياسات حكومات دول بعينها وفي سلطتها وجعل هاته السلطة سلعة تباع وتشترى كي يصبح الآخرون مجرد بيادق وذلك عبر تفكيك "السلطة المؤسساتية" لصالح "سلطة مفرغة من أصولها" لتبقى مجرد آلية لينة تحرك حسب الحاجيات والمصالح الهيكلية او حتى الطارئة، وهذا يعني أن السلطة تصبح سلعة في السوق بمفهوم ليبرالي، وذلك بتألية الديموقراطية كواجهة تأليلية وهذا ما هو حاصل بالضبط بالجزائر منذ عقود  كما في عدد من دول افريقيا واميركا اللاتنية،

ي- أصبحت الهجرة من جنوب الكرة الأرضية إلى شمالها عملية بنيوية تخلق اختلالات حدودية بين الدول، تبرز مدى هشاشات اقتصاديات دول الجنوب من أولى نتائجها الدراماتيكية الإنسانية عدد الموتى المتزايد من أطفال ونساء ورجال غرقا في البحار أو جفافا في الصحاري أو تجمدا في الصقيع،

ك- إشكالية المناخ: تعمل الحكومات على إيجاد صيغة او صيغ تمكن الإنسانية من تجنب أو تفادي معضلات حقيقية تهدد الأجيال الصاعدة خلال القرن الواحد والعشرين.

 

المحور الثالث: الدرع الواقي

إن التنمية الداخلية المندمجة والوحدة الوطنية الاجتماعية والسياسية هي خير وأمتن وأقوى درع لحماية وطننا والدفاع عن وحدته الترابية وتنميته المستدامة، إذ أن تقوية التنمية الداخلية بكل مكوناتها الاجتماعية والاقتصادية وتعزيز قدراتنا الدفاعية والأمنية المتمحورة حول الوحدة الوطنية السياسية والاجتماعية هي صمام الأمان ضد أية محاولة لزعزعة استقرار بلادنا .

 

على ضوء المعطيات الوضعية الواردة في المحورين الأول والثاني، قد يتساءل متساءل :

ا - ما موقع المغرب والجزائر فيما يحصل على المستوى الدولي، وما هو موقع المغرب في هاته الرقعة الاستراتيجية؟

ب - ما هو وقع وتأثير ما يحصل على المستوى الدولي على العلاقات الثنائية المغربية-الجزاءرية؟

 

في هذا الإطار وعلى ضوء:

- التشنج الذي يزداد تشنجا والتحركات المشبوهة التي تعقد محاولة الانفتاح والتقارب بتصرفات جارتنا الشرقية من جهة،

- ومن جهة ثانية، التحولات الهيكلية والعميقة التي تعرفها العلاقات الأفقية في العالم العربي والدولية الراهنة وعلى أساس تمتين وتعزيز علاقاتنا الدولية، كما أكدت أعلاه، مع أصدقاءنا الثنائيين وأشقاءنا كالدول العربية الخليجية والاستراتيجية مع المجموعة الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية.

 

أضع السؤال التالي: ما هي المحاور التي علينا أن نهيئها ونبنيها ونعززها ونمتنها أكثر بكثير مما هي عليه الآن كي نفعلها ونعززها لتحصين بلادنا من كل اختلالات؟ 

 

هاته المحاور جميعها تتمحور حول السياسة العامة لبلادنا في تفاعل بين كل مكونات المجتمع السياسي التي عليها أن تنظر في اتجاه هدف واحد: مصلحة الوطن .

 

كل الدول والأنظمة السياسية، على أساس "البرگماتية"، تكيف سياساتها حسب مصالحها وحسب المستجدات والتطورات الدولية السريعة، وخير مثال لذلك حاليا تركيا ومصر والعراق وحتى بعض دول المجموعة الأوروبية.

 

هذا التوجه الواقعي قد يجعلنا نكيف توجهاتنا واختياراتنا في السير في "مقاربات متكيفة" تتماشى مع تغير موازين القوى بين الدول العظمى وظهور قوات اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية جديدة .

 

لقد اختارت سياستنا الوضعية المرحلية الآنية أن تكثف جهودها في حماية بلادنا من كل التهديدات باندماجنا في اتفاقيات ثنائية ذات صبغة وبعد دوليين لحصولنا على:

- قوة إنمائية اقتصادية،

- واستثمارات مالية عالية،

- ومساندة ديبلوماسية،

- وقدرة دفاعية وتكنولوجية متطورة،

- وتعزيزات اجتماعية محلية ودولية بتكثيف الارتباطات مع مواطنينا بدول المهجر.

 

في هذا الاتجاه، أؤكد أن سياسية "الاعتماد على الذات" بتقوية النسيج الداخلي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي يجب أن تبقى سياسة مرجعية أساسية في بناء الذات الوطنية ووجوب تكييف سياساتنا حسب التطورات من باب البراگماتية، تكييفا مستمرا وبدون أي تردد أو انقطاع .

وفد سبق أن تطرقت بإسهاب، في كتاباتي السابقة، عن المحاور والقطاعات التي تمكننا من تعزيز الجبهة الوطنية الداخلية، والتي أذكرها، فيما يلي باقتضاب شديد:

 

 -1 المحور الاجتماعي:

ا. الاستجابة لمتطلبات الأمة من التشغيل والتكوين الموازي إلى كل ما سواه وتحقيق طموحاتها التعليمية والصحية والثقافية وعلى مستوى الماديات من أجور وغيرها والقيمية في فضاء الانتماء الحضاري والتاريخي،

ب. التركيز على المحور "التربوي والتعليمي والتكويني والبحث العلمي" بارتباط صلب ووثيق مع إمارة المؤمنين المنصهرة انصهارا كاملا وتاما مع الهوية الوطنية والحضارية التي تجعل الدفاع عن العرش العلوي المجيد وحمايته لبنة أساسية وحيوية حاضرا ومستقبلا كما كانت عليه دائما منذ قرون وعبر التاريخ، والتي تجعل من الأمة المغربية كيانا واحدا موحدا متجسدا في الدولة-الأمة État-Nation

ج. الإدارة: إجبار الإدارة على الاندماج التدريجي والتام والكافي في الهرم القيمي والأخلاقي لمصلحة المواطنين والمستثمرين، والانضباط في إطار تألية العمل بالحواسيب الذكية والعمل بروح النزاهة العالية خدمة للوطن ولمستقبل الأمة التي دخلت عصر الذكاء الصناعي و5G  والبلوكشاين والعملات-الرقمية cryptomonnaie.

 

على كل مدبر للشأن العام، من منظور بعيد المدى، أن يفهم ويعي بأنه لا يمكن له أن يفكر في هذا التدبير دون إحضار "حركية المجتمع " أي الدينامية التي تحرك وعيه وحاجياته وطموحه والتي تجعله ناضجا للتعبير عن رأيه عن كل ما يخالجه على ضوء استعماله المكثف للتكنولوجيات الحديثة الإعلامية والتواصلية ومنصات التواصل الاجتماعي بدء بالهاتف النقال الجد متطور إلى الحاسوب واللوحة الإلكترونية.

 

غياب الوعي وغياب روح تحمل المسؤولية عند عدد من مدبر الشأن العام الإداري يمكنهم من تحديد هذا التوقيت الدقيق ، يكون خطأ استراتيجيا فادحا يجعل الفضاء المدبر، بنصب "ب"، ينقلب رأسا على عقب، ويخلق تجليات غير مرتقبة، تؤخر التقدم إلى مستويات أعلى وأحسن وأفضل .

 

-2 المحور الدفاعي والأمني:

ا. المحور الأقوى: يكون هذا المحور الأرضية الصلبة التي ترتكز عليها الوحدة الوطنية والدرع الحمائي والواقي من كل من قد تسول له نفسه فردا كان أو كيانا محاولة التفكير في الاقتراب من زعزعة استقرار الوطن .

ب. أفضل مؤسستين في المنطقة: من أجل تشييد هذا الصرح العالي الذي تعززه وحدتنا الوطنية المتينة واقتصادنا القوي، ستكون مؤسسات بلادنا برمتها سباقة لتأطير أمننا ودفاعنا كي يكونا أحسن وأفضل مؤسستين في منطقة شمال إفريقيا وفي العالم العربي تكوينا وتسليحا شكلا ومضمونا نوعية ومصدرا،

ج. التجنيد الإجباري: إن تمتين مفهوم الوحدة الوطنية يمر حتما بتعبأة شاملة في صفوف المواطنين، كل المواطنين والمواطنات ، رجالا ونساء شبابا وشابات .

يصبح هذا التجنيد واجبا وطنيا، محبوبا محببا، يمكن شراء الأعمار انطلاق من 18 سنة، يمكنهم من "تكوين لوجيستيكي وانضباطي" بدون تخصص مهني وقطاعي .

 

-3 المحور الاقتصادي:

إن تنمية النسيج الاقتصادي على المستوى المحلي والإقليمي والجهوي كفيل بأن يحقق بسلاسة وسهولة كبيرتين كل مكونات المحور الاجتماعي ويثبط عزائم التخريب الواردة من الخارج،

 

ويبنى هذا المحور أساسا على الاستثمارات التي تتطلب تعزيزات بثقل كبير وأكبر من السابق ومما هو عليه الآن في:

ا. البنيات الأساسية:

- البنيات التحتية الأساسية: تشييد هاته البنيات من طرف القطاع العام من جامعات ومدارس عليا وثانويات وابتدائيات ومستشفيات ومناطق صناعية ومناطق أنشطة اقتصادية وطرق مزدوجة وسريعة وجهوية وإقليمية ومحلية وموانيء ومطارات الخ...

- البنية التحتية المنتجة:

- القطاع البنكي: تقديم القروض والسلفات بنسب فائدة جد مناسبة خصوصا للصغيرة جدا المبتدأة  start-up  وللمقاولات الصغيرة والمتوسطة PME-PMI مع تمويل قد يصل إلى 100% للمبتدأة،

- القطاع الصناعي: بناء المعامل والوحدات المنتجة من طرف القطاع الخاص بمساندة الإدارة الموجهة حسب الطاقات المحلية والإقليمية والجهوية والحاجيات الاستهلاكية الوطنية والتصديرية بتنسيق مع المجالس الإقليمية والجهوية،

            

ب. التنقيب عن الخيرات الباطنية :

- التنقيب عن الماء: تزخر صحراءنا بفرشات مائية كبيرة تمتد من جنوب السعيدة ووجدة إلى تخوم الصحراء الغالية،

- التنقيب عن المعادن الباطنية التي تزخر بها أرضنا الغنية والمعطاء من فوسفاط وحديد ونحاس ومنغنيز وكوبالط،

- التنقيب عن المحروقات من غاز وبترول انطلاقا من الساقية الحمراء ووادي الذهب أرضا وبحرا سيرا إلى المناطق الحدودية الشرقية والجنوبية المحاذية لگرگارات وجنوب وشرق تيشلا وأگونيت وأوسرد وميجك وأم دريگة وشرق الزاگ حتى تيندوف،

ج. الاستثمار في الطاقات الطبيعية المتجددة: تكثيف الجهود بالاستثمار في الطاقة الشمسية والريحية وبناء السدود عند سفوح سلاسل جبال الريف والأطلسين، وكذلك البحث في إمكانية الاستثمار في الطاقة البحرية المتولدة من امواج بحرينا على طول 3500 كلم .

 

الخاتمة

أحيي تحية تقدير واعتزاز الروح الوطنية العالية التي تجش في صدور كل مواطنينا المغاربة الأقحاح الذين يرفضون أن يطأطؤوا الرأس للمتخاذلين وللذين لا يحترمون التزاماتهم المتربصين بنا وبوحدتنا الترابية ، وهذا موقف يشرف كل مغربي وطني أصيل غيور على وطنه ووحدة ترابه.

مع الأسف أجبرتنا الجغرافيا على أن نكون حيث نحن ولم تعطينا خيارا غير هذا التواجد.

المغرب دولة سلم وأمن وأمان ودولة حضارية تشيد مستقبل أمتها من منظور تنمية مندمجة مستدامة وعلى هذا الأساس فنحن نمد يد الأخوة والتعايش السلمي، وهذا ما نادى به، مرات عديدة متعددة، صاحب الجلالة الملك سيدي محمد السادس حفظه الله وأمده بالصحة والعافية، كما نادى به جلالة الملك الراحل مولانا الحسن الثاني رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه مباشرة بعد حرب الرمال خلال أكتوبر 1963 حين نزل رحمه الله من الطائرة بلباسنا المغربي التقليدي على مطار أديس أبابا، ونزل الرئيس أحمد بن بلة بالزي العسكري التي كانت درسا له ...

 ... فغنى اسماعيل أحمد رحمه الله:

بن بلة الوحش الغدار

 يا اللي قلتي كلام العار

اهجمت على أرض أسيادك

بالسلاح اللي اتهدى لك...

 

وبنفس الخطاب كان موقف المغرب من طرف جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه في نيروبي خلال سنة 1981...

 

في هذا المسلسل يعمل بلدنا المغرب الأبي باستمرار على تعزيز قوته المجتمعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية وهذه هي التنمية المندمجة الكاملة.

هاته زوايا متعددة تمكن كل متتبع من مسايرة استراتيجيتنا وفهم مقاصدنا وبالتالي احترام سيادتنا، من هذا المنظور تتحرك ديبلوماسيتنا الذكية وتتفاعل مع محيطها ومع كل المستجدات الطارئة.

أشير أن المغرب "اعترف" بالحدود مع الجزائر سنة 1972 حتى تانية-الساسي، أما من هناك نزولا حتى آخر درجة في حدودنا فقد تمت "المصادقة" عليها سنة 1993 انسجاما مع معاهدة مراكش سنة 1989، وتبلغ مسافة الحدود مع الجزائر 1900 كلم من بينها 41 كلم عرض مسافة الساقية الحمراء.