الثلاثاء 25 يناير 2022
اقتصاد

هل مازال الفلاح يعول على "مَازِيرْ" الزَّرِيبَةْ لتسميد حقله بالمواد العضوية الطبيعية؟

هل مازال الفلاح يعول على "مَازِيرْ" الزَّرِيبَةْ لتسميد حقله بالمواد العضوية الطبيعية؟ عبد الفتاح بيردة يحرث حقله بمنطقة الغياث بأسفي
تعرف المنطقة المتواجدة ما بين الصويرية القديمة ومدينة أسفي بسخاء و سخونة أراضيها الفلاحية البورية، بحيث أن تساقط كمية متوسطة من الأمطار وبشكل منتظم وفي أوقاتها الفلاحية تساعد الفلاح على تقوية محصوله الزراعي، وخصوصا الحبوب التي يتصدرها منتوج الشعير في المرتبة الأولى، متبوعا بالذرة ثم القمح و حبوب فَارِينَةْ، متبوعة بمختلف القطاني من فول وجلبانة وحمص وعدس بالإضافة إلى الحلبة ثم زراعة البصل.
بعد أن باشر عبد الفتاح بيردة عملية حرث الحقل بمنطقة جماعة الغيات التابعة لإقليم أسفي أوضح لجريدة "أنفاس بريس" بأن الفلاح بهذه المنطقة يحافظ على عادات وتقاليد وطقوس عملية الحرث، فلا يمكن نهائيا أن يقوم بالحرث إلا بعد الوضوء والطهارة، على اعتبار أنه سيطأ بقدميه على تربة طيبة تنتج الخير، ومحراثه سيشق طوبها المقدس، ويفرغ شحنة نيّته الخالصة ليلقح بدور الزّرع بقيمة الجود والسخاء من أجل الحصول على منتوج حبوب القمح أو الشعير التي ستتحول إلى خبز وطعام يعيش به الإنسان والحيوان.
وشدد على أن من بين التقاليد التي بدأت تنقرض خلال انطلاق عملية الحرث والتي يتمثل فيها الفلاح معنى الخير والبركة والأمل في موسم فلاحي زاهر، تلك المتعلقة بطهي الخبز، وتكسيره إلى أجزاء صغيرة، وتوزيعه مرفوقا بحصص "اَلشْرِيحَةْ" أو التّمر، داخل الدوار على الأطفال الصغار، أو ممن يصادفهم "اَلْحَرَّاثْ" في حقول الرعي أو على جنبات الطريق الفلاحية.
وأكد عبد الفتاح بيردة على أن الفلاح يعتمد في عملية الحرث على عدته، وعلى محراثه التقليدي الخشبي الذي تجره البهائم، حيث كانت الأسر ومازالت تعول على قوة الحمير والبغال والإبل وحتى البقر.
و يتذكر ضيف الجريدة في سياق رواية شفهية متداولة بالمنطقة أن الفلاح سابقا إن لم يجد بهيمة تقوم بدور الدابة التي تجر المحراث، فقد يحوّل أنظاره صوب أخيه الإنسان ليستغل قوته في عملية الحرث إن اقتضى الحال، وخصوصا إن تعرضت بهائمهم للنّفوق بسبب الجفاف والمجاعة: "كَانُوا اَلنَّاسْ كَيْحَرْثُو عْلَى اَلْحَمِيرْ وَ اَلبِغَاْل وَ اَلْجِمَالْ وْ اَلْبَقَرْ... وُتَقْدَرْ اَلْوَقْتْ تَفْرَضْ عْلِيهَمْ يْحَرْثُوا عْلَى الإنسان فِي سَنَوَاتْ الجفاف... مَلِّي يْمُوتُو لِيهَمْ لَبْهَايَمْ . أُو مَا يَلْقَاوْ عْلَاشْ يْحَرْثُوا..".
وحسب ما سمعه عبد الفتاح بيردة من حكايات عن الحرث والحرّاثة، يحكى أن هناك دوارا معروفا باسم "اَلحْرَارْثَةْ"، وعرف سابقا هذا الدوار بأن أهاليه كانوا يحرثون على بعضهم البعض خلال سنوات الجفاف حيث قال للجريدة: "كَيْعَاوْدُو عْلَى وَاحَدْ الدَّوَارْ يُسَمَّى الَحْرَارْثَةْ. كَانُوا كَيْحَرْثُو عْلَى بَعْضِيَاتْهُمْ فِي سنوات الجفاف".
ومن نوادر هذه العملية أن الفلاح الذي يحرث على البشر كان يقول قبل الشروع في الحرث للناس الذين سيجرون المحراث بقوة عضلاتهم : "شُوفُو، بْلَا مَا نَهْضَرْ مْعَاكُمْ. رَاكُمِ كَتْعَرْفُو عَيَّدْ، أُو كَتْعَرْفُو بَلَّغْ". (عَيَّدْ: تعني العودة من حيث انتهت عملية الحرث، وبَلَّغْ: تعني استمر في الحرث وجر المحراث) . ولهذا السبب سمي الدوار بـ "اَلحْرَارْثَةْ". و في سياق الحرث على الإنسان واستغلال قوته في أعمال شاقة قال عبد الفتاح "حْتَى دَابَا نِّيثْ إِلى خْدَمْتِي وُ مَا تْخَلَّصْتِيشْ مَزْيَانْ... رَاهْ كَتْسَمَى حْرَثْ عْلِيكْ بْنَادَمْ".
وعن سؤال أوضح ضيف الجريدة أن الفلاحين كانوا يضعون بذور الزريعة في "الشْوَارِي"، و يحملونها صوب الحقل على متن الدواب (الحمار أو البغل) أو يضعونها في "اَلتَّلِيسْ" وتنقل على متن الإبل، وأثناء انطلاق عملية الزرع يستعملون "الزَّﯕَّورَةْ" وهي على شكل عَلَّافَةْ من نبات الدّوم.
وأفاد محدثنا كون أن الفلاحين بالمنطقة كانوا يحرثون و يزرعون حقولهم دون استعمال الأسمدة الكيماوية، لأن أهالي الدوار كانوا يعتمدون على غبار ماشيتهم، وهو "مَازِيرْ" الذي تجمعه النساء بالقرب من الخيمية، حيث تتم مراكمته في مكان يسمى بـ "اَلْبَدُّوزَةْ"، ويتم استثماره كسماد ابتداء من شهر غشت من كل سنة قبل (حَلَّانْ اَلزَّرِيعَةْ)، بحكم أن "مَازِيرْ" يفيد في خصوبة تربة الأرض بالمواد العضوية المهمة لتقوية منتوج المحصول الزراعي.
وخوفا من استهلاك ونفاد حبوب الشعير والقمح من المطمورة، قبل موعد حَلَّانْ اَلزَّرِيعَةْ كان الفلاح يفضل حرث وزرع حقله مبكرا (الحرث البكري)، في حين يفضل الفلاح المتوسط أن يؤخر عملية الحرث إلى موعدها في بداية شهر أكتوبر الفلاحي: "اَلِّلي لَبَاسْ عْلِيهْ أُو عَنْدُو اَلزّرِيعَةْ مُوجُودَةْ مَا يَحْرَثْ حْتَى لْبِدَايَةْ أكتوبر. أوُ اَلِّلي عْلَى قَدْ اَلْحَالْ كَيَحْرَثْ وُيَزْرَعْ بَكْرِي مع شهر شتنبر خَوْفَا إِلَا تَكْمَلْ لِيهْ اَلْعَوْلَةْ (الزريعة) وُيَبْقَى بْلَا حَرْثْ"، يقول عبد الفتاح بيردة الذي استشهد بمثل فلاحي يقول: "اَلَّلهُمَ تْخَبِّيهَا فِي بْطُونْ الأَرْضْ، وَلَّا بْطُونْ اَلْعَرْضْ (أي لَبْهَايَمْ)".