الأربعاء 26 يناير 2022
كتاب الرأي

جمال المحافظ:أسئلة الحركة التطوعية في ظل الثورة الرقمية في الذكرى 60 لتأسيس جمعية الأوراش المغربية

جمال المحافظ:أسئلة الحركة التطوعية في ظل الثورة الرقمية في الذكرى 60 لتأسيس جمعية الأوراش المغربية جمال المحافظ
بداية أعتقد أن اختيار " إعادة الإعتبار للحركة التطوعية" موضوعا لمداخلة في افتتاح اللقاء النظم اليوم الخميس ثاني دجنبر الجاري بمناسبة الذكرى 60 لميلاد جمعية الأوراش المغربية التي تمكنت من الحفاظ على كيانها وعلى استمرارية فعلها التطوعين كان في محله ويكتسى طابعا ذو راهنية من جهة ولرمزية ودلالات اختيار رئيسها المؤسس سي عبد الكريم بناني أحد الوجوه البارزة في مجال الفعل المدني الوطني من جهة أخرى.
فهذه اللحظة لا تتطلب منى الدخول في متاهة نطرية حول تحديد مفاهيم التطوع على المستوى الدولي والوطني، لنوعية وطبيعة الحضور الذي له دراية وخبرة تجاوز بين المجالين النظري والعملي لمجالات الفعل التطوعي المتنوع.
وإن كان هذا اللقاء بحمولته التاريخية والرمزية هاته، يقتضى استحضاربعض محطات تاريخ الحركة الجمعوية التطوعية، ، والتوقف عند الأدوار الطلائعية التي اضطلعت بها منظمات وجمعيات الشباب، وجليل أعمال رموزها من أجل بناء المغرب الجديد. لقد ساهمت هذه الهيئات في انجاز مشاريع عديدة، خاصة في بداية الإستقلال في مقدمتها طريق الوحدة سنة 1957، المشروع الوطني الضخم الذي تميز بمشاركة 11 ألف من الشباب ينتمى الى مختلف جهات البلاد، بهدف تشييد طريق ربط الشمال بالجنوب، بعدما قطع أواصر الاستعمارين الفرنسي والإسباني هذه المنطقة، وذلك عبر أوراش للبناء، ترجمة لشعار " نحن نبنى الطريق والطريق تبنينا"، كما كان يردد الشهيد المهدي بن بركة مهندس طريق الوحدة أمام الشباب المتطوع لأنجاز هذا المشروع الوطني الغير مسبوق.
وأعقب تشييد طريق الوحدة، عملت هذه الجمعيات والمنظمات التطوعية، التي على الرغم من أنها كانت لا تتجاوز آنذاك عدد أصابع اليد في بدايات الإستقلال، على تنفيذ عدة مشاريع أطرتها اعتمادا على طموح أطرها وبإرادة شبابها، متسلحين بروح وطنية عالية، جعلت من إرادتهم الجامحة المساهمة رغم ضعف الأمكانيات المادية في أوراش بناء الوطن، وتنظيم أنشطة تربوية وثقافية وإجتماعية متميزة، كالحملات الوطنية لمحاربة الأمية وأوراش بناء المساكن لفائدة قاطنى دور القصدير وعمليات التشجير والخدمات الاجتماعية، وحملات التحسيس والتوعية خاصة في صفوف الشباب، رغبة في سد كل جوانب القصور والتخلف الذي سببه الاستعمار.
فهذه المداخلة الإفتتاحية، التي شرفتنى جمعية الأوراش المغربية بإلقائها خلال احتفالها بذكرى مرور 60 على تأسيسها، تحت شعار، لن تقتصر على جانب من نوستالجيا هاربة من الزمن الجميل، أو لحظة حسرة عن " فرص ضائعة"، من ماضي تختلف قطعا سياقاته وتحدياته عن رهانات ما نعيشه من تحولات القرن 21، ولكن يهدف بالإساس الى التفكير في السبل الكفيلة بإعادة الاعتبار للعمل المدني التطوعي، مع استلهام المشاريع السابقة، والقيم التي ناضل من أجلها رموز الحركة التطوعية، لتكون نبراسا للأجيال الحالية، لكن بالإنخراط في الإجابة على الأسئلة الحارقة لزمن التحولات التكنولوجية، التي حولت الشباب إلى " مواطنين رقمين" تجعل منهم بعيدين عن الانشغال بالماضي وحتى الحاضر، بل ينصب اهتمامهم على ما يمكن أن يقع في المستقبل.
بيد أن التحولات الراهنة، أفرزت أن الحاجة ماسة إلي إعادة الاعتبار للعمل التطوعي الذي أصبح في المرحلة الراهنة، يشكل في المجتمعات المتحضرة، أحد شروط تولى مسؤوليات تدبير الشأن العام بالخصوص، خاصة وأن دستور 2011 ، نص على دور المجتمع المدني، علاوة ما يلاحظ من من وعي كافة الأطراف - من مختلف المواقع -، وإن كان هذا "الوعي الشقي" على حد تعبير عالم الاجتماع والروائي عبد الكبير الخطيبي ( 1938- 2009 ) قد حصل أخيرا، من خلال اعتماد برامج واسعة في مجال الحماية الاجتماعية، وإعلان " الحكومة الجديدة" العمل على " تحقيق الدولة الاجتماعية" من خلال تفعيل برنامجها برسم السنوات الخمس المقبلة. ولا يسع المرء في هذا الصدد الا ترديد كما درج عليه المغاربة في مورثهم الشعبي بالقول ( وقت ما جا الخير ينفع )، وذلك بعدما عانى هذا القطاع الحيوي من تجاهل وتبخيس، خاصة في " سنوات الرصاص، وسياسات التقويم الهيكلي.
ويعود للجمعيات الوطنية التطوعية، الفضل الكبير في الإنتباه مبكرا إلى أهمية الاستثمار في العنصر البشري، والمطالبة بجعله في صلب السياسات العمومية، مع إيلاء أهمية خاصة للشباب باعتباره قطاع غيار بناء المستقبل.
وشكلت أنشطتها أنوية لبروز ثقافة بديلة، وجعلت الانتماء الى هذه المنظمات الوطنية، يكتسى صبغة " انتماء مؤسس، وبمرجعية قيمية"، ساهمت في غرس فكرة الالتزام كتعبير عن ارتباط بقيم المواطنة وإصرار على خدمة المجتمع.
وإذا كانت الأجيال التي مرت بهذه الجمعيات ومن ضمنها الأوراش المغربية، متنوعة في تصوراتها وانتماءاتها السياسية والاجتماعية والمجالية، بيد أنها كانت تلتقى حول المطالبة بترسيخ قيم التعاون والمواطنة والتقاسم والتعاضد، باعتبار الدور الهام الذي تضطلع به الجمعيات في عملية التنشئة الاجتماعية الى جانب كل من الأسرة والمدرسة، مع المنافحة على قيم التطوع والعمل الجماعي، كسلوك قار هدفه خدمة الآخر والإيمان بحق الإختلاف. فكثيرا من أطر هاته المنظمات كانوا يزرعون في الشباب أيضا، مثلا أنه بقدر انتقاد الظواهر السلبية التي تعوق تطور المجتمع، فعليهم كذلك أن يتحملوا نصيبا من المسؤولية، عبر المساهمة في صياغة البدائل، والإلتزام بقواعد الحوار الهادئ والعقلاني باعتباره، أسلم السبل للإقناع، وأن الاختلاف في الآراء حول بعض القضايا، أمرا صحي، مع العمل على إعادة النظر في السلوكيات والممارسات المترسبة.
وباعتمادها على العمل التطوعي، شكلت هذه المنظمات، بالفعل مدرسة حقيقية لإعداد الأجيال الصاعدة، والمساهمة في بث روح التضامن وترسيخ قيم المواطنة والمساواة والعمل من أجل الآخر مع نبذ الأنانية والانتهازية والفردانية.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها الحركة التطوعية التي تختلف بطبيعتها وأهدافها عن عمل الاحسان، واتساعها لتشمل مجالات جديدة، فرضها تطور المجتمع، وحاجيات مكوناته الجديدة التي فرضتها الظروف الراهنة، فإنه يلاحظ - على الرغم من بعض المجهودات- تراجع في منسوب مصداقية هيئات الوساطة ومنها الجمعيات، وعجز غالبيتها - إن لم يكن جلها - عن القيام بأدوارها الحقيقية في مجال التأطير الاجتماعي والتربوي، وتقاعسها عن إتخاذ مبادرات نوعية في هذا المجال. بيد أن هذا التراجع، وإن كان يعود لأسباب ذاتية، فإن هناك أسبابا موضوعية وراء ذلك، خاصة ما يتعلق بالنقص الحاصل في السياسات العمومية وغياب إرادة حقيقية، لبلورة البرامج المعلنة في هذا الميدان على أرض الواقع.
وإذا كانت ذاكرة الحركة التطوعية، تحتفظ لهذه الجمعيات، بمبادرات ناجحة في مجالات متعددة منها محاربة الأمية والمحافظة على البيئة والخدمات الاجتماعية، فإن التساؤل يظل مطروحا في ظل ظروف جائحة كوفيد 19، حول نوعية المبادرات المدنية للمساهمة في مواجهة تداعيات هذه الجائحة؟ فماذا لو قدر لراود العمل التطوعي الوطني أن يكونوا موجودن الآن من بينهم المرحوم سي محمد الحيحي ( 1928 – 1998 ) مربي الأجيال، الرئيس الأسبق كل من الجمعية المغربية لتربية الشبيبة ( AMEJ) والجمعية المغربية لحقوق الإنسان والشهيد المهدي بن بركة، والطيبي بنعمر الرئيس الأسبق لحركة الطفولة الشعبية، ماهي الأفكار التي يكمن أن يساهموا فيها عمليا كما كان عند إنجاز عدد من المشاريع في مقدمتها، طريق الوحدة سنة 1957، الذي يعد أكبر مشروع تطوعي شبابي، لم يعرف المغرب مثيلا له لحد الآن؟ الجواب متروكا للفاعلين المدنيين، للتأمل والتفكير؟
بيد أن ما بين تأسيس جمعية الأوراش المغربية للشباب سنة 1961و2021، جرت بالفعل مياه كثيرة، وطرأت متغيرات عديدة، منها توسعت قاعدة الجمعيات، التي تجاوز عددها 200 ألف جمعية الى حدود سنة 2020 - حسب إحصائيات رسمية - . كما تغيرت اهتمامات الشباب، فمغرب اليوم ليس هو مغرب اليوم ولن يكون كذلك مغرب الغد، لكن كل هذا لا ينبغي الإعتقاد، بأن منظمات المجتمع المدني التاريخية الجادة منها قد انتهت صلاحيتها واستنفذت أدوارها، أو محاولة لتبخيس مجهودات بعضها، ولكنها دعوة صريحة الي ملائمة هذه المنظمات فعلها المدني مع التحولات المتسارعة ومنها ما فرضته ظرفية جائحة كوفيد 19 المستجد، من أولويات جديدة فضلا عن المرحلة الدقيقة التي تجتازها البلاد، والعمل على توحيد جهود مكونات الحركة التطوعية.
فلا يمكن لأي منظمة أو جمعية بمفردها - مهما كانت قوة حضورها وقيمة عملها- في أن تتصدى لمجمل الإشكالات المطروحة اليوم على المجتمع المغربي، وهو ما يتطلب القيام بمجهودات جماعية لكن برؤية مشتركة واضحة.
وإذا كان يتعين على السلطات العمومية المعنية العمل على إشراك مكونات المجتمع المدني بشكل أكبر، في الجهود المبذولة في المجال الاجتماعي وكذلك في التدابير المتعلقة بالحد من تداعيات فيروس كورونا القاتل،وفي الأوراش الكبرى، فإن الأمر يتطلب كذلك قيام الجمعيات، بتجديد آليات وأساليب اشتغالها، بهدف الإجابة على الحاجيات الانية لمختلف شرائح المجتمع.
فمنظمات جمعوية بهذا العمق التاريخي والرمزي والرصيد الذي راكمته منذ استقلال البلاد الى زمن الثورة الرقمية، تحتاج الى إدراج منجزها التطوعي كتراث لامادي، مع التفكير في الصيغ الكفيلة بحفظ ذاكرتها ورموزها من خلال بحث إمكانية مساهمة أرشيف المغرب في نطاق الدينامية التي يعرفها مؤخرا في أطار صيانة الذاكرة الوطنية. مع إعادة التوهج لهوية الفعل المدني مستقبلا، مع فتح أفق جديد لعمل المنظمات التطوعية، منها قيادة حملة للترافع من أجل الإسراع باخراج المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي الي النور، وتفعيل المجلس الفيدرالي لاتحادات ومنطمات الشباب والطفولة، باعتباره آلية وحدوية للتصدى للتحديات المطروح. وفي دائرة البحث العلمي.
فإذا كان الشباب قد توحدوا سنة 1957 من أجل إنجاز طريق الوحدة، فماهو المشروع الذي يمكن أن يوحدهم ويستجيب لجاجياتهم في ظل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي؟؟