الخميس 27 يناير 2022
كتاب الرأي

يوسف غريب: اليوم  مع إسبانيا.. لن تتكرّر عنترية جزيرة ليلى

يوسف غريب: اليوم  مع إسبانيا.. لن تتكرّر عنترية جزيرة ليلى يوسف غريب
كأنّها البارحة.. وأنت تتابع شريط فيديو يوثّق  أبرز لحظات إهانة الجنود المغاربة، وعددهم ستة؛ وذلك عبر تصفيدهم وإجلاسهم على الأرض بطريقة حاطة من كرامة الإنسان، يحيط بهم عناصر الجيش الإسباني محملين بالأسلحة، قبل أن يعمدوا إلى رفع العلم الإسباني على جزيرة ليلى.. 
كان ذلك سنة 2002.. 

ومن يعود إلى أرشيف المرحلة سيقف كيف أن اسبانيا آنذاك بالغت في تصعيدها الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري،  مقابل غياب أي دعم لبلدنا المغرب  باستثناء تصريح يتيم من الأمين العام لجامعة الدول العربية وقتها عمرو موسى، بل ساء وضعنا حين تطور موقف حلف شمال الأطلسي إلى التنديد بالتحرك المغربي، ووجه الاتحاد الأوربي رسالة رسمية إلى المغرب يطالبه بالإنسحاب.. بل إن ما يؤلم أكثر هو الموقف الجزائري المؤيد جملة وتفصيلا لإسبانيا الاستعمارية كما جاء في تصريح لوزير الخارجية عبد العزيز بلخدّام آنذاك. 

وخاصة أن الأزمة تزامنت  البدايات الأولى للعهد الجديد بقيادة الملك محمد  السادس.. نعم وحدنا .. ورغم مرارة الإهانة التي تركت شوكة في حلق المغرب أظهرت وجود فوارق القوة مع الجار الشمالي.. كانت أيضا فرصة مثالية لتعديل كفة هذا الميزان الذي تطلب فقط أقل من عشرين سنة جعلنا لم يعد ذلك البلد الضعيف الذي يُمكن إرهابه عسكريا، وهو ما استوعبه أصحاب القرار العسكري في إسبانيا اليوم…بما يشير حسب تقاريرهم إلى أن التقدم المغربي في المجال العسكري لا يمثّل إلا جانبا من جوانب خطط التطوير والنهضة التي عرفها خلال هذه العشرية الأخيرة.

فالمغرب اليوم هو المنافس الأول لإسبانيا في الصادرات الفلاحية إلى أوروبا، والمنافس الأول في التجارة البحرية بعد إنشائه لميناء طنجة المتوسط، والمنافس الأكبر في جلب الاستثمارات الأجنبية، خاصة في قطاع السيارات، وهو منافس هام في الاستثمار في القارة الإفريقية.
 
كما أن المغرب أصبح أكثر حضورا على المستوى الدولي مما كان عليه سابقا، فعلاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت أكثر متانة مما هي عليه  العلاقات الإسبانية الأمريكية، وقد زاد من تقوية حلفه مع الولايات المتحدة في كافة المجالات في أفق تعزيز تحالف أكبر وأقوى بين بريطانيا أستراليا.. 

هي أقل من 20 سنة.. بإمكانياتنا وسواعد أبنائنا وتضحياتهم…دون أن يعود الفضل الا لله سبحانه وهدايته بهذه القيادة الرشيدة التي جعلنا اليوم نقرأ عن تخوفات الجار الشمالية من المغرب ومن قدراته القوية.. كما تشير تقارير استخبارية لمدريد وصفته وسائل الإعلام بالمقلق تحت عنوان "سحابة حمراء في سماء مدريد"، قالت فيه: 

"نعلم جميعا أن الأمة الإسبانية في خطر، فاللوبي اليهودي هو الأقوى والأكثر نفوذا في العالم. ونتيجة لذلك،  يضع المغرب في موقع قوة ويزيد نفوذه بشكل كبير في المنطقة"
هكذا قرأ الغرب عمق ودلالة  الاتقافية العسكرية التي وقّعها المغرب مع إسرائيل.. وهي عكس قراءة بعض العروبيين المشارقة الذين استحضروا كل أساليب ولغة التخوين في حق المغرب ذات الصلة بالقضية الفلسطينية والقدس الشريف.. 
إلى كل هؤلاء المناضلين لتحرير فلسطين  في ساحات التويتر والفايس وغيرها  أهدى هذا التصريح الواضح ل "إلهام عليف"، رئيس دولة أذربيجان:

"إيران المسلمة تحالفت مع أرمينيا المسيحية وروسيا الملحدة، من أجل سرقة أراضي وطني أذربيجان المسلمة، ونحن كدولة أذربيجان المسلمة تحالفنا مع تركيا و إسرائيل من أجل استرداد أراضينا...، لا يهمني دينك، بل يهمني أكثر إذا ما كنت عدوأ لوطني أو صديقا وفيا له"،…

 هذا الكلام للرئيس الأذربيجاني، يشرح لنا منطق التحالفات بين الدول الذي أصبح يصنع الفوارق بعيدا عن القومجية و الخطابات العاطفية للأقوام و العصبيات...، والظن الغالب عند العارفين بخبايا الصراع بين الرباط و مدريد من جهة، و بين الرباط والجزائر، من جهة أخرى، يمكنه أن يعكس كلام "إلهام عليف" على منطقة شمال إفريقيا بالقول أن التحالف السري بين الجزائر وإسبانيا و ألمانيا من أجل محاصرة مصالح المغرب قد فشل، بعد أن تمكنت الرباط من صناعة تحالف أقوى و أكبر و أشد ضراوة مع واشنطن وتل أبيب ولندن...، ونجحت بهذا التحالف في حماية مصالحها، و ضرب كل المخططات التي بدأت مع التقرير الألماني بعبارة
(أوقفوا تقدم المغرب).. 
 
ما ذنبنا إذا نجحنا في ما فشل فيه الآخرون.. واستطعنا كدولة ذكية  قادرة على التأقلم مع الأزمات  وتجيد صناعة مراكز الثقل وتغيير موازين القوى دون أيٍ تنازل عن ثوابتها وعقيدتها المذهبية وخاصة موقفها من القضية الفلسطينية؟؟ كما جاء في كلمة الملك ورئيس لجنة القدس بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وبهذا المقترح العملي الذي يسير في اتجاه تكثيف العمل الدبلوماسي بعودة المفاوضات بالمنطقة وعودة كل الفرقاء الفلسطينيين إلى توحيد صفوفهم وتأجيل كل تناقضاتهم.. 

هي رسالة واضحة بالدور الهام الذي سيلعبه المغرب كوسيط ثقة ووزن ومصداقية بين كل أطياف الصراع هناك.. 
فلسطين لا تحتاج إلى شعارات.. وعواطف واحتجاجات.. 
فلسطين في الحاجة  إلى حلفاء اقوياء وبوزن دولي ومؤثر كالمغرب اليوم وبدون شوفينية.. لكن بافتخار واعتزاز كبير.. 
لأن في سنة 2002 كنّا وحدنا.. والعالم هناك حتى الجيران.. 
اليوم لا أحد له الحق في التعليق على قراراتنا فلسنا محمية أي بلد.. 
وإذا استطعنا أن نقنع إسرائيل بتبادل التجارب ونقل التكنولوجيا الحربية وصناعتها كبلد عربي وحيد دون أن يرتقي مكتب الاتصال إلى رتبة سفير كماهو الشأن مع البلدان العربية الأخرى.. 
فلأننا اقوياء قادرين على إقناعها ببدء المفاوضات مع الفلسطينيين.. 

وللايام المقبلة مفاجئاتها.. خصوصا وأن السلطة الفلسطينية أصحاب القضية  اعتبرت الزيارة الأخيرة لوزير الدفاع الإسرائيلي بهكذا (زيارة عمل) 
أمّا اليوم.. فحين أعود إلى فيديو جزيرة ليلى.. أراها وغيرها من الثخوم المحتلة تقترب عقارب عودتها إلى الوطن.. بعد أن أغلق قوس الجنوب باللاءات الثلاث.. 
نحن في الشمال.. 
أما الشرق للأسف فقد أغلقنا ضريح ( بويا عمر...)