الخميس 20 يناير 2022
مجتمع

خالد فتحي: مرافعة لتلقيح الأطفال أقل من 12 سنة

خالد فتحي: مرافعة لتلقيح الأطفال أقل من 12 سنة خالد فتحي مع صورة طفلة تأخذ نصيبها من التلقيح

في هذه المرحلة التي تتعثر فيها حملة التلقيح المغربية، وتفقد ما يناهز 90% من سرعتها بسبب المترددين الذين يعطلون الوصول إلى المناعة الجماعية، متأخرين بالتالي من خلال هذا السلوك استرجاعنا للحياة الطبيعية، يكون لزاما علينا أن نفكر في اجتراح حلول أخرى، تجعلنا لا نضيع الوقت، لنستمر في تقدمنا الدؤوب نحو الهدف المنشود الذي رسمناه لحملتنا الناجحة .

 

أعتقد أنه يتعين من أجل هذا الغرض أن نتحرك في اتجاهات أخرى، باحثين بكل الطرق عن تسريع عملية التلقيح، خصوصا وأن مراكز التلقيح مفتوحة على مدى ربوع المملكة، والمخزون وفير ومتنوع، والأطر الصحية في كامل تأهبها وتجندها وتعبئتها.

 

فهذا الوقت الثمين المهدور بسبب هذا التردد قد تكون له تكلفة عالية ندفعها في المقبل من الموجات لا قدر الله  من أرواح المغاربة وصحة اقتصادهم المتضرر سلفا بسبب الجائحة. فما العمل إذن؟؟؟

 

في المغرب، نلاحظ الآن أن هناك فتورا مناعيا، ولكنه فتور ليس بنفس الدرجة لدى جميع الفئات العمرية. ففي الوقت الذي يتباطأ فيه تلقيح الراشدين، تسجل حملة تلقيح الأطفال بين12 و17 سنة نجاحا باهرا بعد أن تلقى 89% منهم الجرعة الأولى، وتلقح 72% منهم تلقيحا كاملا يذكر بالنجاحات المألوفة للبرنامج الوطني للتمنيع الذي ظل يحقق بتفوقه المنتظم وأدائه الجيد سمعة دولية راسخة لبلادنا. ولذلك، وفي انتظار أن يخرج المترددون من تلكؤهم، وينتصروا على شكوكهم وظنونهم، وننجح في إقناعهم من خلال مقاربة بيداغوجيا محكمة بالانخراط في مجهود التلقيح، أعتقد أنه يلزمنا في الوقت الحالي التركيز أكثر على الفئة التي يظهر أنها أكثر مقبولية للقاح، أي الأطفال، وبالتالي توسيع قاعدة المستهدفين منهم من خلال ضم فئة الفئة العمرية بين 5 إلى 11 سنة إلى الفئة المستهدفة بالتطعيم، وهذا بأسرع وقت ممكن.

 

إن هذا القرار أو بالأحرى هذه التوصية لها في رأيي عشرة مبررات وجيهة، تتمثل فيما يلي:

أولا: أنه قد عاد من الثابت علميا أن الأطفال أيضا ينقلون الفيروس، بل ويوفرون له حركية كبيرة من خلال الاحتكاك فبما بينهم بالمدارس وأثناء اللعب، وأنهم عامل عدوى يستهدف خصوصا كبار العائلة الذين تكون لهم في الغالب امراض مزمنة تجعل منهم هدفا سهلا لسلالة دلتا الشديدة الانتشار والمهيمنة حاليا بالمغرب.

 

ثانيا: هناك خطورة متزايدة لإصابات الأطفال على هؤلاء المسنين بسبب التلكؤ الذي أصاب أيضا تلقي الجرعة الثالثة، حيث أن المغاربة مازالوا لم يهضموا بعد أن يتمطط جدول التلقيح مرة أخرى، وخصوصا بعد أن خرجت فئة من المترددين عن حيادها بعد إقرار الجواز الصحي، وبالغت في تبخيس مجهودات الدولة والتشكيك في فعالية اللقاح، ولذلك لدينا الآن في المغرب متقدمون في السن يمكن وصفهم بناقصي التلقيح ما داموا قد تخلفوا عن  تلقي الجرعة الثالثة، وهذا ما يستدعي تلقيح الأطفال الذين من حولهم لحمايتهم.

 

ثالثا: رغم أن الاصابات الخطيرة في الأطفال أقل منها بكثير لدى الكبار، إلا أنها مع ذلك موجودة، بل وسجلت حالات وفيات كثيرة في صفوف الاطفال بكل دول العالم منها  حالات لدى الرضع أيضا.

 

رابعا: عدد مهم من الدول شرعت بالفعل في تلقيح هذه العينة العمرية، أذكر منها الولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت تلقيح 28 مليون طفل من هذه الفئة بلقاح فايزر منذ 3 نوفمبر، والصين التي تلقح سينوفارم أطفالها منذ زمن  ابتداء من سن 3 سنوات، والإمارات العربية المتحدة التي تسير على نفس النهج الصيني مادامت قد شاركت في التجارب السريرية، وكذلك إسرائيل، وكوبا التي تلقحهم بلقاحها المسمى عبد الله منذ منتصف شتنبر بدءا من الربيع الثاني، بل وتجعله شرطا لولوج دور الحضانة والمدارس، والكامبودج التي بدورها تستهل التلقيح من سن السادسة، وفنزويلا التي جعلته من الثالثة. وكذلك تعتزم أوروبا فعل نفس الشيء بمجرد ما ترخص الوكالة الأوربية للدواء بذلك، والتي لا أرى أنها ستتأخر كثيرا في اتخاذ هذا القرار. فكل التصريحات الصادرة عن الأوساط الحكومية والعلمية تدل أنها دخلت مرحلة تهييء الرأي العام لهذا القرار الذي سيعمم في أوروبا انطلاقا من بداية السنة المقبلة.

 

خامسا: هذه الفئة من الأطفال يعادل حجمها في المغرب حجم فئة الأطفال  بين12 و17 سنة، وبالتالي هي تناهز 3 مليون نسمة، مما يجعلها تمثل 8% في المئة من مجموع الساكنة وهو ما يعني أيضا 10% في المئة من الفئة المستهدفة بالتلقيح لبلوغ المناعة الجماعية، وضمها إلى هذه الفئة الكبيرة يعني أننا سنصل مباشرة إلى 28 مليون ملقح بالجرعتين، وبالتالي سنكون كما لو أننا  استقطبنا من جهة اخرى نصف عدد أولئك المترددين  الكبار. صحيح أن من لهم هشاشة مناعية ينتشرون أكثر بين هؤلاء الكبار، وأنهم الأجدر بأن نركز عملية التلقيح في صفوفهم، ولكن في ظل تقاعسهم يجب أن نتذكر أن تلقيح الأطفال بين 5 و11 سنة يقلل أيضا حركية الفيروس وله حصته التي يساهم بها في خفض، احتمالات العدوى الجماعاتية، زد على ذلك أن له فائدة ترجى بالنسبة لهؤلاء الصغار، حيث يضمن حمايتهم من الأشكال الشديدة للإصابة، ومن الوفاة بتأثيرات الفيروس. ولو كانت هذه الحالات قليلة.

 

سادسا: من الواضح أن لقاحي سينوفارم وفايزر قد أثبتا أنهما بدون آثار جانبية خطيرة على هذه الفئة من الاطفال، وأن فوائدهما يفوقان ويرجحان على كافة أضرارهما المحتملة . ناهيك على أنه لدينا الآن تجربة كبيرة مع هذين اللقاحين الذين اصبحا يمثلان العمود الفقري لحملة التلقيح المغربية، سواء من حيث تقنيات  التخزين أو الاستعمال.

 

سابعا: تلقيح هؤلاء الأطفال عالميا هو مسألة وقت فقط، ومنظمة الصحة العالمية لا توصي حاليا بذلك لأنها محرجة أن تتلقح هذه الفئة العمرية في العالم المتقدم، بينما لم يتلق المسنون والرابضون في الصفوف الأمامية في الدول الفقيرة جرعتهم بعد. فالكلاسيكي أن اللقاحات أصلا هي شأن شبه حصري للأطفال. هذا من جهة، ومن جهة  أخرى المغاربة يختزنون في مخيالهم الجمعي أن اللقاحات صممت للأطفال. ولذلك هم يقبلون دائما على تلقيح اطفالهم أكثر من الأوروبيين.

 

ثامنا: سيكون تلقيح هذه الفئة حافزا إضافيا للمترددين لكي يتوجهوا لمراكز التلقيح بعد أن يعاينوا أن هذه اللقاحات بدون تلك الآثار الجانبية التي يتوهمونها ويضخمونها.

 

تاسعا: هذا الإجراء استثمار في أجيال المستقبل التي هي أمل المغرب ودليل على ايجابية المجتمع وتفكيره في الغد الذي يمثله بالأساس هؤلاء الأطفال.

 

عاشرا: بهذا القرار ستثبت الدولة المغربية مرة أخرى أنها تظل وفية لخطتها الاستباقية، وأنها دولة لا تترد في أن تنهج نهجا براجماتيا مفيدا كلما تعلق الأمر بصحة مواطنيها، وأنها مبدعة في الاستراتيجيات التي تختارها، وستبرهن بالخصوص أنها تمارس سيادتها بخصوص قراراتها العلمية. لا يجب أن ننتظر حتى يلقح كل الآخرين اطفالهم لنبدأ نحن. هذا ما يجعلنا نحافظ على وضعنا كمدرسة للتلقيح تستفيد من مبادراتها وأفكارها حتى المنظومات الصحية المتقدمة.

 

لا أعتقد أن هذه المبررات تخفى على لجنتنا العلمية فهي بالتأكيد منكبة على دراسة هذه النقطة، ولكننا نفكر بصوت عال حتى نفتح النقاش أكثر حول  اللقاح وننزل به إلى عمق المجتمع الذي يجب أن تحميه من الأخبار الزائفة من خلال إشراكه في التفكير المسبق معنا في القرارات التي هي آتية آتية. فحين نوسع دائرة اللقاح للصغار سندبر بشكل أفضل الزمن التلقيحي، وسنخفف من أضرار تردد الراشدين. هذا هو المستعجل والممكن الآن...