الاثنين 6 ديسمبر 2021
كتاب الرأي

الشرقاوي الروداني: مآلات الجزائر ما بين عقدة الأنا والبحث عن الأسطورة المؤسسة

الشرقاوي الروداني: مآلات الجزائر ما بين عقدة الأنا والبحث عن الأسطورة المؤسسة الشرقاوي الروداني

في قراءة في سيكولوجية ما يشبه دولة، لا بد من التأكيد على أن الشعب الجزائري، الذي يعتبر مكونا أساسيا وجزءا لا يتجزأ من الهوية المغاربية هو أكبر المتضررين من التخبط البنيوي لدولة يبدو على أنها لم تؤسس إلا لخدمة مصالح ضيقة لنخبة أسستها وادعت شرعية ومشروعية تحاول بناءها، ليس على خدمة شعب ولكن على كراهية الآخر كريع سياسي.

 

ومن تم، فإنه مند "استقلال" الجزائر وتوجهات هذه الدولة ارتكزت على عقيدة سياسية وعسكرية عدائية اتجاه المملكة المغربية. هي استراتيجية فرضها غياب الأسطورة المؤسسة ووجود عقدة الأنا التي تبحث، ومازالت، عن مشروعية حقيقية قابلة للتطور. لكن ما يظهر فشل عقيدة البناء "الأسطوري" والتي أسست على حساب عداء الاخر هو غياب، أو انعدام، شرعية الوجودية التاريخية أو حتى الفكرة المؤسسة التي تشرب من التاريخ الجمعي للدولة. وبالتالي، في انعدام للدورة التاريخية والتي يواكبها التجديد بفعل الامتثال الزمكاني للأحداث، فجميع محاولات هذا البناء، والتي خلقت تراكمات أدت الى إصابة دولة الجزائر ومؤسساتها بما يشبه بالأزمة الانتانية (Septic Shock) باءت بالفشل. فالعدوى الطفيلية المسببة للأزمة لم يتم احتواؤها وبقيت تنتشر عبر الوقت والمكان حتى أصابت الجسم الكلي للدولة باختلال عضوي مركب متعدد الأوجه.

 

في العلاقات الدولية هناك دائما ما يميز السياسة الخارجية للدول والتي تصبو أن تتملك هندسة شاملة  بمحددات تفتح لها هوامش، في حالة نشوب خلاف أو تصدع في العلاقات الثنائية أو متعددة الأطراف، من أجل خلق توازن يسمح لها بالقدرة على خلق الممكن والخروج من عواصف المتغيرات. في الجزائر، والتي بعد دخولها في مرحلة ما بعد نظام بوتفليقة، وجدت نفسها بدون بوصلة سياسية داخليا و خارجيا، بدون ركائز حقيقية للدولة واتجاه ودون بدائل تسمح لها بخلق التوازن الممكن والمنقذ.

 

أمر يجد تفسيره في عدم القدرة على ابتكار مشروع مجتمعي يكون فيه الإجماع/ التوافق حول محددات الفكرة المؤسسة والتي تكون قابلة للانصهار والتأقلم مع المتغيرات الداخلية والدولية. هي أحداث عرفتها الجزائر والتي بينت عدم قدرة الدولة على الاستجابة للمتطلبات الداخلية خوفا من التغيير المفاجئ الذي يحد من "مشروعية" والتي هي في الأصل خلاسية.

 

في هذا الصدد، وبعد ظهور الحراك الجزائري والذي زعزع قدرة الدولة على المناورة، خاصة وأنها لم تكن لها خيارات مسبقة في استئناف خطط التنويم السياسي، أخدت الجزائر ببعض دروس تدبير الاحتجاج للدول شرق اوروبا، وكانت تلميذا مجتهدا يشرب من بعض أفكار الأنظمة الشمولية في تدبير ارتدادات الكتلة، التي تبقى من بين أبجدياتها هو تصدير المشاكل الداخلية إلى الخارج ،عبر خلق عدو وهمي تتوفر فيه شروط إسقاطات المشاكل الداخلية.

 

كانت أمام الجزائر خياران أحلاهما مرد: فإما التغيير الجذري والعميق للدولة ومؤسساتها من خلال اجتثاث رواسب مازالت تسيطر على مفاصل الدولة اقتصاديا، سياسيا وأمنيا، وهذا يتطلب عمليات جراحية في جسم الدولة. وإما استحضار أطروحات الثورات المضادة وخلق "العلبة الصينية" من أجل توجيه الرأي العام الجزائري.

 

على مستوى الخطة الأولى، التي حاولت إصلاح أخطاء النشأة المرتبطة أساسا بوجود غياب ما يصطلح عليه الأسطورة المؤسسة (Mythe Fondateur)، والتي بدأت بمحاكمات رجال أعمال نافذين، ووزراء وأمنيين من الصف الأول والثاني، فلم تستطع أن تعطي النتائج المطلوبة، على اعتبار أن مركزية هؤلاء في مفاصل الدولة وقدرتهم على السيطرة والمناورة كانت قوية ومتشعبة.

ومن تم، فإن رجوع توفيق مدين، والمعروف عند الخاصة في إقامات نادي الصنوبر، وعند العامة بـ "رب الجزائر"، وخالد نزار كان من بين أهدافه هو إعادة إحياء الدور العملياتي لشبكة مهمة من رجال المخابرات المعروفة بـDRS . أعضاء الخلايا المكونة لهذا الجهاز خبروا ملفات مدونة فيها كل صغيرة وكبيرة على مختلف مناطق الجزائر. وهؤلاء تبقى لهم أساليب ووسائل عدة لإخضاع الكل، بدون استثناء، واحتواء كل فكرة تعبر عن رفض الواقع الجزائري.

 

أمام صعوبة المهمة و قلة هامش التحرك والتأثير، بدأ تفكير الأنا المعقدة في إضعاف أصوات الداخل من خلال تدويل فكرة المؤامرة الخارجية.

 

اللاثماثلية في التطور المؤسساتي والاقتصادي بين المغرب والجزائر وما علاقة ذلك بالاقتصاد المركب المعولم، خلق مناخ انهزامي داخل أروقة المؤسسات الحاكمة في الجزائر واعتبرت أن المسافة بين البلدين اتسعت وأصبحت من الصعب تداركها. أمام هذا الواقع، تم الاستثمار في محددات جيوسياسية في المنطقة من خلال دعم أكثر للأوراق الانفصالية، ومن تم دفع جبهة البوليساريو إلى لعب أدوار أخرى حتى يتسنى خلق مناخ جيواستراتيجي.

 

هذه الخطوة الاستفزازية في معبر الكركرات هدفها هو جر المنطقة إلى الدخول في اعتبارات جيواستراتيجية تسمح بالمرور الى الخطوة الثانية، خاصة بعد التحفظ الموريتاني في مسايرة الخطط والإيقاع الجزائري، والتي تتمثل في خلق ساحة جديدة للتنافس الأوروبي-الروسي في دولة مالي.

 

في لعبة الشطرنج هاته، تحاول الجزائر الدفع ببماكو الى الحوار مع الجماعات الإرهابية كمدخل للتضييق على فرنسا، ولما لا طردها من مجموع دول الساحل الافريقي وجنوب الصحراء.

 

إعادة قضية مقتل توماس سانكرا بوركينافاسو إلى الواجهة وتأسيس حزب جديد في دولة الكوتفوار من طرف لوران غبابو، حزب الشعوب الأفريقية، ليس إلا بداية لخطاب ومن المتوقع سياسة جديدة ستكون لها تمثلاث وأذرع في دول أخرى. في قراءة للتحركات والتحالفات فزمان ومكان التنفيذ لم يبقيا في قيد السرية.

 

وبالتالي، فإن التقرير الألماني والذي دعا الدول الكبرى لتوجيه بوصلة دعمها واستثماراتها الى الجزائر بغية تحقيق ما قد يسمى "خطة برلين في محاولة صياغة التوازن في شمال إفريقيا"، حتى وإن كان واضحا بأن هناك دوافع ألمانية للتأثير على بعض الاختيارات الاستراتيجية لكسب نقط في ملفات جيو اقتصادية، يتناسب ويتناغم، عند مهندسيها، والخطة الثانية المرتبطة بالأولى. هذه الخطة تصب في خلق التوتر وتقوية رؤية خالد نزار الذي كان دائما يؤمن بمنظور الاستقرار من خلال الحرب. وهذا ما كان واضحا في سنوات العشرية السوداء وكأنه يطبق فن الحرب بعناصر غير محددة في القوة مع وجود إمكانيات محدودة في المناورات التكتيكية Tactical dispositions والتي تبقى  مكشوفة.

 

في هذا الاتجاه، جميع القرارات الجزائرية اتجاه المغرب بقطع العلاقات الدبلوماسية، السياسية والتجارية كانت تشرب من محاولة تقليد مبدأ "الصدمة والترويع".

 

هناك مستويين لمقاربة هذا النهج القديم-الجديد، وإن كان جليا أن الإخراج واستراتيجية الفعل هي أيدي خارجية وتركت للجزائر تنفيذ جزء من الخطة..

 

الكل يعلم بأن المنطقة المغاربية تعرف تسارع للأحداث تؤثر على الإطار العام الجيوسياسي بما فيه وما عليه في علاقاته بالنظام الدولي الجديد والذي لا يقبل ما يصطلح عليه عند بروسكي/ رمسفيلد بالدول المتبخرةSteam states . هذه الأخيرة، في منظور مهندسي استراتيجية النواة/ الهامش للنظام الدولي الجديد مرتبطة بقدرة الدولة على الانخراط، بما يتطلب ذلك من قوة المؤسسات ومحددات سيادتها الشاملة، على الانخراط في عالم بمحددات اقتصادية جديدة. الشبكات الجديدة للتجارة الدولية، خاصة تلك سلاسلها تمر بالقرب من مصادر الطاقة، أصبحت تؤسس لنظام جيواقتصادي جديد. هذا النظام خلق كتل دولية تتحرك وفق خطة محكمة لتنفيذ أجندات تستعمل فيها موارد دول أكثر ما تريده هو الحماية. ومن تم، فالتواجد الروسي، الإيراني في شمال إفريقيا أصبح أمرا واقعيا سيزيد من البعد الجيواستراتيجي للمنطقة مما قد يشكل مدخلا جديدا لصراعات كبرى. هذا المعطى، قد يدفع فرنسا والتي أصبحت أوراقها في المفاوضات، في المحيط الهادئ والهندي Indo Pacific أمام الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، غير مؤثرة في هندسة التحالفات النفعية بما يحفظ مصالحها الكبرى.

 

هي لعبة دولية تشبه الى حد كبير سيناريو سلسلة نت فليكس الشهيرة Squad Game. من يمسك بخيوط اللعبة هم دول كبار لهم مصالح غير معلنة ويظهرون في الأول خارج إطار اللعبة، ويبقى اللاعبون فقط كراكيز تتقابل وتتقاتل من أجل وجودية كانت سببها خطيئة النشأة والتطور.

 

قدر المغرب هو أن جغرافيته تبقى محاذية للمكان الجديد لهذه اللعبة. هي بداية، وقدرة المناورة من خارج الإطار العام لجغرافية اللعبة، بدون عواطف، هو من سيضمن للمملكة المغربية مكانتها واستمراريتها كقوة إقليمية فاعلة وليس مفعول بها.