الاثنين 24 يناير 2022
فن وثقافة

مذكرات امحمد التوزاني: ضغط الرأي العام العالمي وإطلاق سراح معتقلي حزب القوات الشعبية (الحلقة 5)

مذكرات امحمد التوزاني: ضغط الرأي العام العالمي وإطلاق سراح معتقلي حزب القوات الشعبية (الحلقة 5) امحمد التوزاني، وفي الصورة يمينا رفقة والدته

المناضل امحمد التوزاني.. سليل حركة التحرر المغاربية والعربية من مواليد سنة 1938 بتازة، حمل في المنفى 13 اسما حركيا، من بينه خالد (بتسكين اللام) وحسن.. صديق الروائي والقاص والصحفي الفسلطيني غسان كنفاني ورفيق درب المناضل الاتحادي المرحوم الفقيه البصري. ناضل بمعية وتحت قيادة الشهيد المهدي بنبركة وعبد الرحمان اليوسفي ومحمد باهي، وغيرهم..

التحق بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية في مرحلة التأسيس وتكلف ضمن اللجنة التنظيمية للمؤتمر بالجانب التنظيمي واللوجستيكي إلى جانب المرحوم مصطفى القرشاوي وفاضل الناصري وأحمد الخراص.

التقى أول مرة بالشهيد المهدي بنبركة عام 1962 حين كلف بمهمة استقباله بفاس والذهاب به إلى تاهلة ليؤطر تجمعا جماهيريا كان قد هيأ له الفرع الحزبي هناك.

ساهم في تأسيس حركة الاختيار الثوري بعد انتقاله إلى باريس إلى جانب عبد الغني بوستة السرايري وأحمد الطالبي المسعودي رغم كفره بمغامرات قائده ومثله الأعلى محمد الفقيه البصري..

"أنفاس بريس"  تنشر مذكرات المناضل امحمد التوزاني، والتي تسلط الضوء على حقبة مهمة من تاريخ المغرب السياسي...

 

+ الأستاذ امحمد، ما طبيعة المعتقل الذي اعتقلت به في فاس؟

- كنا نقضي العطلة الصيفية، وكان المعتقل هو إحدى الثانويات بفاس.

 

+ ألا يبدو الأمر غريبا؟

- بمغرب الستينات الأمر ليس غريبا، فقد كان جزء من الشعب المغربي بالسجون وقد حولت عدد من الدور والمؤسسات المدنية الى معتقلات.

 

+ كم كان عدد المعتقلين معك بفاس؟

- كنا حوالي مائة معتقل، وقد وزعونا على حجرات الثانوية، حوالي 15 فردا في كل حجرة.

 

+ ماذا عن مراحل التحقيق التي خضعت لها بفاس؟

- في الأسبوع الأول كان التعذيب قاسيا ووحشيا، وبعد ذلك تم التخفيف منه، ففي المرحلة الأولى من التحقيق كانت أعيننا معصوبة، وكنا طيلة الوقت نجلد ونهان، لكن في المرحلة الثانية أزيلت عن أعيننا العصابة وخفف التعذيب وأصبح مسموحا لنا بالزيارة، فعائلات المناضلين بفاس ظلوا يبحثون عن مكان اعتقال المناضلين، ولما عرفوا بالمكان وسمح لهم بالزيارة أصبحوا يزوروننا بكثافة ويحملون لنا أشهى المأكولات وبكميات وافرة مما جعلنا نستغني عن ربع "كوميرة" التي كانت تسلم لنا من طرف سجانينا كل يوم في الوقت الذي كانت عائلتي لا تعلم شيئا عن اعتقالي، فأنا الوحيد الذي نقلت إلى فاس من بين معتقلي تازة.

 

+ وكيف تعاملت معكم عناصر أمن فاس؟

- رجال الأمن، كانوا يعرفون أن ملفنا كان فارغا، فلم يعثر على السلاح المفترض وسقطت التهم الموجهة لمناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أثناء التحقيقات التي أنجزت بمختلف المعتقلات بالبلاد، حيث أيقنوا أن "الحجاج" وصلوا إلى الباب المسدود وتبين تهافت مبررات الاعتقال، ولذلك تعاطفوا معنا نوعا ما، وكانوا يمدوننا بالجرائد خفية عن الحجاج، كانوا يأتون بها لنا في قبعاتهم  يسلموها لنا أو يقرأون علينا منها ما يهمنا من أخبار كانوا هم من أخبرونا أن الإعلام العالمي والعربي والفرنسي على وجه الخصوص يتناول قضية اعتقالنا، وأن الرأي العام العالمي يدعمنا، و هم من قالوا لنا أن الفرج قريب وطلبوا منا أن نصبر قليلا..

 

+ هل نفهم من كلامكم أن التخفيف عليكم من التعذيب بفاس كان بسبب ضغط الرأي العام العالمي؟

- بكل تأكيد.. ظهر أن المؤامرة هي لتصفية الحزب، ومختلف أصناف الأمن لم يصلوا الى إثبات التهم الموجهة إلينا، فكان ضغط الرأي العام قويا، ومن ثمة أصبحنا نأمل بإطلاق سراحنا، على خلاف المراحل الأولى التي كنا ننتظر فيها فقط موتا رحيما.

 

+ ماذا عن الأيام الأخيرة بالمعتقل والتحقيق النهائي؟

- لقد أخبروا أحدنا بقرب إطلاق سراحنا كي يبلغنا، وكان التحقيق مطولا في الأيام الأخيرة، يبدأ تقريبا من التاسعة صباحا إلى غاية الخامسة بعد الزوال، أعطونا أوراقا وقلما. وطلبوا منا تدوين سيرنا الحياتية منذ الولادة حتى لحظة الاعتقال وبالنسبة لمن لا يكتب استمعوا له ودونوا أقواله.

 

+ وبماذا صرحت لجلاديك في التحقيق النهائي؟

- أوجزت سيرتي في أسطر، بدأتها  بدخولي للمسيد، وعند الاستجواب كنت أوجز، كما أنني أنكرت أنني كنت أقرأ الجرائد أو المجلات أو الكتب خارج مقرراتنا الدراسية، أو أنني أستمع للإذاعات. كنت صادقا معهم فقط في عنوان منزلنا وفي الأمور البعيدة عن السياسة، فكل جواب صادق مرتبط بالسياسة لا يخفف علينا من التعذيب بل يفتح علينا نوافذ جديدة من جهنم. وفي كل المعتقلات وكل مراحل التحقيق، كنت أجيبهم باللغة العربية الفصحى لأنني لا أزال متأثرا بما تعلمته في جامعة القرويين، ولذلك كانوا يهزؤون مني.

التحقيق النهائي استمر لأسبوع، وكانت الأسئلة منصبة حول ما نقرأه وعن الإذاعات التي نستمع إليها وعن علاقاتنا وما شابه ذلك. وفي النهاية حذرونا من قراءة الجرائد والمجلات والاستمتاع إلى الإذاعات.

 

+ ما هي أبرز الأحداث التي تذكرها في علاقتكم بحراسكم ومعذبيكم خلال مختلف مراحل التحقيق والتعذيب؟

- لقد حصلت عدد من الأحداث.. أذكر أن أحد رجال الشرطة بمعتقل فاس، وبعيدا عن "الحجاج" أزال عصابتي خفية، وأزال قبعته كي أتعرف عليه، لم أعرفه، فعرفني بنفسه، وقال لي لقد درست معك بالقرويين، وكنتم أنتم "التوزاني" ثلاثة تدرسون في نفس المستوى، كنا نسميكم "تريو التوازنة".

 

+ ما هي أبرز الأسماء التي كانت إلى جانبك بمعتقل بفاس؟

- أذكر مثلا عبد الرحمن حدو من الفرع الحزبي بجرسيف.. هذا الرجل كان يرفع معنوياتي بشكل كبير، ويمدني بالأخبار؛ وأذكر حكمت الذي كان مديرا لمركز البريد بالبطحاء بفاس؛ وأذكر العلوي الذي كان أستاذا ينتمي لعائلة ميسورة، وكانت أسرته تأتينا بمختلف أنواع الأطعمة وأشهاها بما يكفي كي نتقاسمه بل وكنا نخزن منها، وكان للعلوي علاقات مع عدد من قيادات الحزب.

 

+ من خلال مرورك بثلاث معتقلات، هل يمكن أن تقدم لنا معطيات سوسيولوجية عن طبيعة المعتقلين السياسيين لسنة 1963؟

- الملاحظة التي يمكن أن أسجل بهذا الخصوص، هي أن المعتقلين الأميين كانوا هم الأكثرية، وكان المعتقلون المنحدرون من البوادي ومن ضواحي المدن يفوق عددهم المعتقلين المنحدرين من المدن الكبرى.

 

+ وهل يمكن أن تطلعنا على بعض الذكريات الأخرى بمعتقل بفاس، بعيدا عن الجلد والتعذيب والتنكيل؟

- إلى جانب التعذيب عشنا ذكريات جميلة ولحظات ضحك وفرح انتزعناها من وقت الجلاد وأغظناه بذلك.

فبعد أن كنا نأكل ربع "كوميرة" في اليوم، أصبحت العائلات الفاسية تطعمنا بشكل جيد، وبعد أن كنا نتقاسم بطانية واحدة رديئة نفترشها فوق الأرض نحن المعتقلين الأربع، أصبحت لنا بطانيات عدة آتية من العائلات، وكنا نسرق وقتا للنكتة والشعر، والغناء وقراءة القرآن، ورغم مأساتنا الكبيرة خلقنا جوا جمعويا وعائليا ونضاليا داخل المعتقل.