الاثنين 18 أكتوبر 2021
سياسة

الشرقاوي  الروداني: جريمة قتل سائقين مغربيين بمالي تهديد لمصالح دول غرب إفريقيا

الشرقاوي  الروداني: جريمة قتل سائقين مغربيين بمالي تهديد لمصالح دول غرب إفريقيا الشرقاوي  الروداني وصورة الشاحنتين المغربيتين اللتين تعرضتا لهجوم إرهابي على أرض مالي

يوضح الشرقاوي الروداني، الخبير في الدراسات الجيواستراتيجية والأمنية، في هذا الحوار الذي أجرته معه "أنفاس بريس"، أن استهداف شاحنات مغربية وتوفر المهاجمين على وسائل مهمة لارتكاب الجريمة، يظهر أن الأمر مرتبط بتخطيط مسبق ومحكم. مضيفا أن جريمة قتل سائقين مغربيين بمالي تعتبرا تهديدا لمصالح دول غرب إفريقيا، خاصة وأن هناك شاحنات لدول أوروبية تسلك نفس المسار الطرقي، مما يجعل البوليساريو، ومن وراءها، هي التي لها مصلحة في هذه الجريمة.

 

+ عدد من التحاليل تؤكد بناء على معطيات أن مجزرة مالي تتعلق بجريمة سياسية، إلى أي حد هذه الفرضية قائمة؟

- الطريق التي وقع فيها هذا الاعتداء الشنيع تعرف مرورا للمجموعة من الشاحنات من دول عديدة بين دجيما وسيبابوغو، في مقاطعة ديديني، وهي تبعد عن باماكو حوالي 130 كلمتر . الهجوم الذي استهدف شاحنات مرقمة بالمغرب يطرح عدة أسئلة حول ماهية الاعتداء وأهدافه. في علم الجريمة هناك سؤال يطرح دائما عند ارتكاب الجريمة، وهو سؤال من خلاله يمكن البناء على من ارتكبها. من المستفيد من الجريمة؟ هو سؤال مشروع بالنظر إلى أن حيثيات العملية تركت نقط رمادية، ولكن كذلك مساحات معينة ومقصودة لإرباك أي تحقيق محتمل. خلط الأوراق عند ارتكاب الجريمة الهدف منه دائما يكون مسح الآثار والدوافع الحقيقية، خاصة وأن الهجوم لم  يكن بهدف سرقة محتويات الشاحنات، وبالتالي فإن الجريمة، والتي تلامس العمل الإرهابي إذا ما رجعنا إلى قواعد القانون الدولي، فإنها جريمة إرهابية عبر وطنية تضرب مصالح دولة أجنبية فوق أراضي دولة أخرى. على اعتبار الوضع في شمال مالي وكذلك انتشار الجماعات المتطرفة وأطراف محدثة للفوضى.

من المهم الإقرار أننا أمام جريمة خطط لها من أجل إحداث ارتباك للسائقين المغاربة وزرع الخوف عند عمال يشتغلون في قطاع مهم وحيوي يربط ويقوي العلاقات الأفريقية-الأفريقية، وخاصة العلاقات المغربية الافريقية. كما أن هناك اتجاهات تقول بأن العمل الإرهابي ارتكب من طرف عصابات قطاع الطرق، وهذا أمر قد يكون مستبعدا إذا ما عدنا إلى طريقة اشتغال هذه العصابات المحترفة في سرقة الحافلات الآتية من السنغال.. ولعل محاضر شرطة مقاطعة كولوكاني ستظهر بأن هذا العمل الشنيع لا يشبه جبهات قطاع الطرق وإنما.

وبالرجوع إلى إفادات شهود عيان، فإن من قاموا بالجريمة كانوا يحملون أجهزة اتصال لاسلكية وخودات صدرية واقية للرصاص. وهنا يظهر بأن الشاحنات المغربية كانت مستهدفة.

على اعتبار هذه المعطيات من الضروري قراءة روابط الجماعات الإرهابية مع محددات قوة التأثير في جيوسياسية المنطقة. تنظيمات إرهابية في الساحل الإفريقي وجنوب الصحراء كثيرة وأصبحت تنفد أجندات خارجية للتأثير على ملفات استراتيجية. وهنا الحاجة ماسة إلى تحمل المنتظم الدولي مسؤولياته والعمل على معالجة الصكوك القانونية المتعددة الأطراف القائمة، والتي لا تعالج بتاتا تمويل الإرهاب. وهنا أيضا لا بد من اتخاد تدابير فعالة لمنع هذه التمويلات، فضلا عن قمعه من خلال محاكمة ومعاقبة منفيده. ومن تم هناك أسئلة مشروعة تطرح، خاصة وأن المنطقة التي عرفت الهجوم غير معنية بتاتا بنشاط الجماعات الإرهابية.

 

+ ما هي في نظرك الرسالة من هذه الجريمة؟

- لقراءة الرسائل لا بد من فهم سياقات هذه الجريمة السياسية الكاملة الأركان. أولا، المغرب يعرف نجاحات على مستوى تدبير مجموعة من الملفات وأصبح دولة محددة في علاقات جنوب-جنوب وعلاقات شمال جنوب. ثانيا اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية، قائدة سمفونية العلاقات الدولية، بمغربية الصحراء أعطى زخما للديناميكية الجيوسياسية للملف، وكذلك حدد معالم محاور استراتيجية جديدة في غرب المتوسط والجنوب الأطلسي. محور واشنطن-لندن-الرباط أصبح يمتلك مجموعة من المفاتيح، والتي سيكون لها تأثير كبير على القارة الأفريقية. هذا التأثير الإيجابي أصبح يتقوى خاصة بعد انخراط دول عربية وأفريقية في هذه الاستراتيجية، والتي تعبر عنها افتتاح مجموعة من القنصليات العامة للدول عديدة في المناطق الجنوبية. ميناء الداخلة سيعطي زخما للمعادلات الجيواستراتيجية في الجنوب الأطلسي بحمولات جيواقتصادية، وهذا ما تعزز مؤخرا بقرب تهييئ المملكة المغربية لمنطقتين صناعيتين تعنى باللوجستيك، وبالتالي تقوية المبادلات التجارية المغربية مع دول غرب إفريقيا. هناك أمر مهم وهو أن أمام فشل مؤامرة الكركرات، قام المرتزقة بنقل المعركة، خاصة أمام القوة والامكانيات التي أبانت عليها المملكة في حماية الحدود البرية والبحرية، فوق أراضي أجنبية. ومن تم، فإن المنتظم الدولي مطالب برؤية الوضع في الساحل الإفريقي وجنوب الصحراء بنظارات مختلفة، خصوصا وأن الجريمة العابرة للحدود أصبحت تلقي بظلالها على جدية التعاون الدولي في محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة؛ وبهذه الضربة تكون الجماعات الإرهابية، خاصة تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى لعدنان أبو وليد الصحراوي المعروف بعلاقاته مع البوليساريو، قد يلجأ إلى قطع الطرق التجارية في دول غرب إفريقيا.

 

+ هل هناك بصمات للجزائر ومعها البوليساريو في هذه الجريمة، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون جريمة قتل؟

- نحن لا نتحدث عن جريمة بمفهومها الكلاسيكي، بل عن جريمة دولية، الهدف منها بعث رسائل معينة وتظهر تداخلا، نظرا لطبيعة السياق الذي تحدثنا عنه، بين أجهزة استخباراتية خارجية وقوى محدثة للفوضى، دون الدولة، وجماعات إرهابية، الكل يعرف طبيعة تحركاتها وأجنداتها في المنطقة برمتها. استهداف شاحنات مغربية وتوفر المهاجمين على وسائل مهمة للارتكاب الجريمة، يظهر أن الأمر مرتبط بتخطيط مسبق ومحكم، وحتى عدم قتل السائق المغربي هو من أجل بعث رسائل محددة وبعث الخوف في نفوس السائقين. وهنا لا بد من الإجابة عن السؤال المطروح مسبقا وهو، من المستفيد من هذه الجريمة؟ حتما ليس قطاع الطرق، أو الجماعات الإرهابية التي توجد نقط ارتكازها في منطقة الحدود الثلاثة بين مالي، بوركينافاسو والنيجر، وإنما هي جماعة البوليساريو التي حاولت قطع الطريق التجارية بين المملكة المغربية وموريتانيا.

أمام هذه المحاولات اليائسة وعدم قدرتهم المساس بمصالح المغرب، تم اللجوء إلى محاولة المس بمصالح المغرب فوق أراضي أجنبية تعرف عدة صعوبات في استباب الأمن في بعض المناطق. لكن هذه الجريمة هي أيضا تهديد لمصالح دول غرب إفريقيا، خاصة وأن هناك شاحنات لدول أوروبية تسلك نفس المسار الطرقي، مما يجعل البوليزاريو ومن وراءها هي التي لها مصلحة في هذه الجريمة.

 

+ ما الذي يتطلبه الأمر لحماية السائقين المغاربة في إفريقيا؟

- المملكة لها القدرة الكبيرة على حماية مصالحها الاستراتيجية، ومحاولة المساس بهذه المصالح سيكلف الأعداء غاليا؛ هذه هي الرسالة التي يجب أن يفهمها خصوم المملكة. المغرب قوة أفريقية وله القدرة من خلال ترتيبات معينة، دون المساس بالعقيدة الأمنية الشاملة، أن يؤمن تجارته وكل المواطنين المغاربة فوق أي شبر من الأراضي الأفريقية. من الواضح أن الجريمة سياسية بمواصفات جريمة دولية وجريمة ضد الإنسانية، يوجد فيها الركن المادي، المعنوي والدولي. فالدوافع ليست عرقية ولا دينية بل سياسية. ومن ثم فإن الجزائر مطالبة بتحمل مسؤولياتها التاريخية في المنطقة، لأن محاولة جر المعركة التي تبقى في حدودها السياسية إلى مباركة عمليات إجرامية قد يكون لها انعكاسات خطيرة ونتائج عكسية.

 

+ البعض يتحدث عن نزوح عناصر متطرفة من أفغانستان نحو إفريقيا، هل سنكون أمام موجة عنف في الساحل؟

- من الواضح أن نقر بأن سقوط أفغانستان بين أيدي طالبان سيقوي من بورصة الجماعات الإرهابية في العالم برمته وخاصة داخل القارة الأفريقية التي تعرف مجموعة من الفراغات الجيوسياسية. المغرب قام يوم الثلاثاء بتفكيك خلية إرهابية تابعة للتنظيم الدولة المعروف بخرسان، وهو تنظيم يجمع بين مقاتلي داعش في أفغانستان، إيران وباكستان. هذه الخلية التي تم تفكيكها تظهر سرعة انتشار الفكر الإرهابي الجديد، خاصة بعد اندحار التنظيم في سوريا والعراق، وتبين استراتيجية داعش الجديدة والمناطق التي من المنتظر أن تعرف تكتيكات جديدة للتوسع والسيطرة الأرضية. هناك صراع كبير سيكون فوق الأراضي الأفريقية ما بين داعش والقاعدة. فالأخيرة تدعم، ودعمت طالبان في الوصول إلى السلطة،  أما تنظيم خرسان فله مشاريع كبرى ترتبط بالتأثير على مناطق مختلفة من العالم وضرب المصالح الغربية بشكل آخر. نفس الشيء، تنظيم الدولة في إفريقيا الوسطى يشن مؤخرا ضربات إرهابية في منطقة إيثوري، والتي أودت بحياة جنود وأبرياء. نفس الأمر بين الحدود نيجر ونيجيريا مرورا بالبنين التي قد تعرف تصاعد للضربات والهجمات، خاصة وأن شروط الاحتضان متوفرة في مناطق مختلفة من القارة. من المهم توقع شتاء إرهابي سيكون موازيا للتحالف جماعات معينة مع تنظيم الدولة في خرسان في اسيا الوسطى.

ومن ثم فإن من المهم العودة إلى أبعاد هذا العمل الإرهابي الذي تعرض إليه مواطنون مغاربة في دولة أجنبية. فالسؤال المطروح: ألسنا أمام أسلوب جديد في الضغط على حكومات دول غرب أفريقية، خاصة ونحن أمام مجال جد حيوي يمس الأمن التجاري والغذائي لدول أفريقية؟! أليس هناك محاولة لدولة معينة والتي تسوق نفسها أن لها القدرة على تمكين دول أفريقية من كل الصادرات القادمة من المغرب لإحراق الأرض وما عليها؟

ومن ثم أمام هذه التحديات الجديدة المطروحة فإن استراتيجية الخصوم تتجه إلى بث الشك والضعف في محددات القوة الظاهرة للمغرب، وذلك بمحاولة المس بالجزء المهم في سلاسل العلاقات التجارية التي تربطه مع دول أفريقية. في قلب الصراعات هناك دائما محاولة الأطراف التي تتملص من المعاهدات والمواثيق الدولية في ضرب حرية التنقل. هذا الأسلوب المعروف بتكتيكات سلامي يكون الهدف منه تقوية احتمالات إعاقة المنافس وتحييد محددات قوته الخاصة، وكذلك إثناء الخصم عن السعي لتحقيق نقط أخرى في مسيرة النصر. هؤلاء يطبقون بشكل منهجي المبدأ الأول للحرب، وهو المبدأ الذي يجعل حرية التأثير اللاتماثلي، عبر قوى محدثة للفوضى، بالتحديد مفتاح السلطة الاستراتيجية والقدرة على التأثير بشكل كاف على إرادة الخصم لحرمانه من محددات القوة في اللعبة الكبرى. ومن ثم فالمغرب مستهدف، وهناك من يتربص من أجل محاولة كسر الديناميكية الجيوسياسية للمغرب، والتي أصبحت في قلب معادلات جيواقتصادية، وجيواستراتيجية مهندسة للنظام دولي جديد لا مكان فيه للأنظمة الشمولية والتي تدور في محور إيران ووكلائها.