الثلاثاء 19 أكتوبر 2021
كتاب الرأي

محمد البالي: رسالة إلى تطوان

محمد البالي: رسالة إلى تطوان محمد البالي

سكان مدينة تطوان العريقة والمتسعة والمتحابة:

كتبت قبل خمس وعشرين سنة في جريدة "الغد- نبض الشمال" معارضة شعرية بعنوان: أيقظتني تطوان

وها هي تطوان تبكي فقدان العمل وقلة الأمل..

وقبل ثلاث وعشرين سنة، كتبت في ركن من جريدة "الشمال" مقالا بعنوان: أخرجوا القائد من حديقة الأطفال، وها هي دار الباشا فوتتها الجماعة بحدائقها وتقطعت وانتصبت بنايات شاهقة تشع ليلا وهي خاوية..

ولما طالت لا مبالاة المسؤولين تاريخ المدينة الثقافي، استرجعنا، معية مثقفين وجامعيين تظاهرة عيد الكتاب، وساهمنا في إعداد دوراته الأولى..

وحين قرر المفكرون في تخريب مؤسسات الدولة تفويت الماء والكهرباء، مسخرين الجماعات الحضرية والقروية، نهض غيورون في المدينة فشكلوا لجنة حركة لمناهضة هذه السمسرة الدولية، كان من مسؤوليها الصديق الصلب الخدوم أحمد فتيان؛ كتبنا رسائل لرؤساء الجماعات قصد التراجع عن توقيع اتفاقية لم يقرأوا ملحقها المستور. واجهتنا القوات مسلحة ومنعتنا من الوصول وجرح منا الكثير، وها هي ساكنة تطوان والجهة تتزاحم أمام شبابيك أمانديس تطلب التقسيم تلو التقسيم..

وحين امتد الويل إلى قطاع الصحة بمشروع ضرب حق المغاربة في مجانية التطبيب جمعنا عريضة الآلاف.

ولما اتضحت أبعاد ترييف المدينة، بعد سطو على الآثار وتشويه للمعالم وتشجيع لسماسرة الانتخابات، كتبنا ضمن ركننا الأسبوعي بجريدة "تمودة" مقالا بعنوان "سجن تطوان"، منبهين إلى سياسة الانتقام من هذه المدينة المتوسطية الريفية الجبلية الأندلسية المغربية العامرة..

وبعد إيداع قاتل الشاب، ليلة عيد أضحى، مستشفى الأمراض العقلية، وأعيدت الكرة بعد عودته المرتبة من مهربه خارج المغرب، نبهنا إلى ظاهرة مجانين الأحكام القضائية المحميين بالمال وبالأنساب. وها هي مايوركة اليوم، توزع قسمات العقاقير الشهرية والموسمية دفعة واحدة على قاصديها، فينتعش سوق تقسيط النشوة المرعبة ويكثر الفْليبْ..

ولما صار للفساد حضور ومواقع باسم الساكنة وبحصانة مخزنية، كتبنا رسالة في "الصحيفة" الأسبوعية: اللهم قد بلغت… اللهم فاشهد..

وكانت لنا في كل ضائقة أو نازلة معركة وجهاد في سبيل حقوق الناس، كما كانت لنا مع القضايا العادلة ساحات وتضحيات، كما الحال مع فلسطين منذ ترعرعنا ومع العراق ومع كل الشعوب المستضعفة. وشاركنا في مبادرات ذات أبعاد وطنية ودولية كقضية الأطفال المغاربة بمدينة سبتة المحتلة وعنف الديوانة على المعيشيات والمعيشيين، وغرق المغاربة وقتلهم، وقضية جزيرة ليلى، والمهاجرين الأفارقة الذين استوطنوا بنيونش...

ولما خرجت جماهير الوطن العربي مطالبة برحيل الاستبداد، ونضجت شعارات حركة 20 فبراير المغربية، كنا منذ البوتقة الأولى، وتحملنا مسؤولية دعم الشباب الذي انتفض ضد الفقر وضد الحگرة يطالب بالحرية وبالعدالة وبالكرامة، رغم ما طالنا من متابعات ومن انتقام..

لن نعدد هنا الأدوار الشعبية والاجتماعية التي كنا نتكئ في التطوع لإنجازها على جمعيات فاعلة مختصة وعامة، وعلى مناضلين نقابيين وسياسيين ومتعاونين مع الضعفاء والمحتاجين في مختلف مجالات العمل والإدارة، خاصة في مجالي الصحة والتعليم...

 

واليوم:

بعد تهجير وحدات المنطقة الصناعية، وتهريب مداخيل ميناء المتوسط بتقسيم إداري ماكر، وبعد إقفال باب سبتة المغربية بلا بديل، وبعد آثار جائحة كوفي 19 على الأعمال والحرف والأرزاق، وبعد الظلم الذي لحق ذوي الحقوق بسهل وادي مرتيل، وغياب الإنصاف في ملفات نزع الملكية، وتراخ في تشجيع السياحة، وفيما تشهده الكليات من اكتظاظ ومن قلة عدد المؤطرين و...

وأمام اتساع عائلات التسول وضحايا العطالة والتخدير من الشباب ومن الأطفال و... بات الوضع مقرفا ومهينا يدفع غالبية المظلومين والمحتاجين والمعطلين، وحتى ذوي الشهادات، إلى ركوب الموج والمراهنة بالحياة رجاء عبور إلى الضفة الأخرى طمعا في النجاة...

ورغم مخاطر هذا الوضع، ما زال سماسرة وخدام سياسات لاشعبية ومتاجرون في الفقر بالدين وبشراء الذمم، وما زال طامعون في وهم الحظوة وسراب الرقي على الخراب، يستغلون رغبة شباب وأسر يتلهفون تحقيق انتقال من فقر أو من بطالة أو من تهميش. ما زال مسخرون مُكَرْبطون وراغبون في تبذير المال وطامعون في الرضى وفي المناصب يتبادلون الألوان ويسطرون الألواح ويترقبون إشارات من أصحاب قرار لا مرئيين ومن متحكمين لا يستطيعون أن يتوبوا أو يقولوا لأنفسهم ولمحيطهم: باراكا على هاذ الشعب… فقرناه، جهلناه، احتقرناه، كرّهناه فالبلاد، خرجناه للحْماق...

لقد باتت تطوان رباعية أبعاد ضائعة مهددة: فقر، بطالة، تخدير، رغبة عارمة في الهجرة، وبات غير قليل من أهل تطوان، صغيرا وكبيرا، بين تسول وتذمر وتقرقيب وهوس انتحار...

 

أحبتي أهل تطوان:

كنت ممن ارتأوا تجميد المشاركة، بسبب أوضاع حقوق الناس في المغرب، وبسبب التراجع الرسمي والمؤسسي بزيادة تحكم في العمليات الانتخابية وإلباسها قوانين لا ديمقراطية. وكنت ممن نادوا بحرية الاختيار بين مرشحين يلتزمون علنا وكتابة بحماية المال العام، وبالدفاع عن قضايا المواطنات والمواطنين، ويصرحون بشرف التزامهم ومواردهم. لكنها لم تكن مقاطعة، فقد جربنا هذا الموقف سابقا، ونرى أنه يفيد كثيرا من يتلهفون لخدمة مصالحهم على حساب مصالح عامة الناس، فيجدون الانتخابات أقل كلفة من الناحية المادية والسياسية والأخلاقية.

 

فمن سيقاوم اللامسؤولية والفساد؟

تجنبنا آلام التحدي حين يتغافل المواطنون عن تفعيل شعار محاربة الفساد، وحين تدفعهم أحوالهم إلى الاستسلام لسلطة التخوف ولراحة التواكل. ومن أهل تطوان من المعارف والأصدقاء، من لامنا ومن غضب منا، ومنهم من احترم تقديرنا وظروفنا الخاصة ومن قدم تحية.

لكن مصابرين وشبابا، ممن يأملون في التغيير أبوا ألا يفرغوا الساحة، ويرون ضرورة التحدي رغم اليأس والقنوط. وأمام تضييق الخناق على الأصوات المتحررة، يعتبرون الانتخابات، رغم عيوبها المقصودة، مناسبة للتواصل مع مختلف فئات الشعب ودعوتها للمساهمة في بناء مشروع بديل، يجمع التقدميين من اليسار المعارض بعامة الديمقراطيين الغيورين، بغية الانتقال إلى مجتمع الديمقراطية ودولة العدالة والكرامة التي يطالب بها أغلبية المغاربة.

لكل ذلك أرى أن لا بد للمشروع من سند، ولا بد لمن يريد التغيير أن يبدأ بمراقبة المجالس ومحاسبة المسؤولين، وبالعمل على إيقاف نزيف تبديد المال العام، وعدم التفرج على مسرحيات العبث في مؤسسات يفترض أن تمثل أغلبية الساكنة والمواطنين.

 

وفي هذا السياق، كان لفيدرالية اليسار الديمقراطي، عبر ممثلَيها عمر بلافريج ومصطفى شناوي، دور في الدفاع عن حقوق الشعب وثروات المغرب ومستقبل المغاربة، ما لم يعبر عنه في تاريخ برلمانات المغرب. فقد تم اقتراح تعديلات على ميزانية البلاط، وتقديم حلول للرفع من ميزانيتي التعليم والصحة، والمطالبة باسترجاع الأموال المنهوبة وبإصدار قانون العفو العام على معتقلي حراك الريف، والتحرك لإطلاق سراح معتقلي الحراكات الشعبية والصحفيين والمدونين، وتوقيف الملاحقات والمتابعات المحبوكة ظلما، ومعاينة من ينشر الخرافة ومن يهدد سلامة المغاربة وأمنهم المعيشي والاجتماعي.

وباعتبار ميزانيات وصلاحيات مجالس الجهات والأقاليم، مقارنة بمجالس الجماعات الترابية المحلية، فقد صارت مراقبتها والتواجد بمشاريع ومقترحات تنموية أولى من النقد البعيد ومن اجترار التحسر على ضياع الزمن الثمين بضياع مستحقات المغاربة وضرائبهم في ما قد يعرقل مشاريع نافعة أو يبددها في مشاريع مكلفة مفلسة.

وأما الجماعة، فأنتن تتابعن وأنتم تتابعون ما يفعله بعض الدعاة بميزانيات البلاد، وما يضيعه المتعاندون في تعبئة الأتباع بإهمال ذوي الحقوق. وما تعودت عليه الرئاسة من تزييف التشاركية ومن الخنوع واللاقدرة على ممارسة اختصاصات المجالس الإدارية ولجن المتابعة. وقد كشفت مشاكل النقل والنظافة والديون المستحقة تناسلا لأعطاب التسيير وتعنتا بدل المراجعة. أما تداعيات كورونا، فقد جعلت المجلس خارج مدارات القرار، معطوب الفعل.

 

وحتى يبرز في هذه المدينة من يقول: لا للإفساد، لا للعبث، لا لتبعية المجالس، بقدرة على المواجهة، وبمقترحات للترشيد، وبممارسة تستند على ميثاق نضالي وأخلاقي وسياسي، فقد وجدنا، من داخل تحالف فيدرالية اليسار في انتخابات 2021: في طريقة إعداد لوائح الترشيحات المحلية والجهوية والبرلمانية، وفي عدد مرشحاته ومرشحيه الشباب، وفي تنوع اهتماماتهم وتخصصاتهم، وفي مستوى تعليمهم العالي، وفي تكوينهم الحقوقي والمهني، وفي تجربتهم الجمعوية والنقابية والتطوعية، ما يجعلنا نأمل أن يزرعوا بذرة التغيير، إن تمكن المراهنون عليه من ساكنة مدينة تطوان، تحصين أصواتهم أمام زحف المال وغياب الحياد.

وعليه سأسمح لنفسي، أن أخاطب من يحسون بخجل وبتناقض وحتى بعار، حين تعرض عليهم خدمات او دراهم مقابل دعم أو حملة أو تصويت، لأقول لهم: من لم يكن بحاجة فليستعفف لأن مصدر المال قد لا يكون مشروعا. أما صاحب حاجة أو ضحية فقر أو بطالة، فهو رزق أتاه، وأما من يؤدي خدمة انتخابية لحزب أو لائحة أو شخص فذاك عرقه وأقل من أجر عمله؛ وفي هذا ننصح الشباب، قليلي الإمكانات أو معدومي الدخل، أن يتعاونوا في إحداث شركات صغيرة أو مقاولات ذاتية ممكنة.

وإن قُدّمتْ إلى الضعفاء أو المحتاجين ما يدخله المتلاعبون في باب الصدقات أو المعاونات، فليسدوا رمقهم وليتناولوا دون خجل، أما أصواتهم في مخادع التصويت، فليمنعوها عن متلاعب أو انتهازي أو سمسار.  فمن عليه أن يخجل، بل أن يتابَع ويحاكم، هو المستغل فقر الناس وحاجتهم، وهو طامع في سرقة مستقبلهم بما سيمارسه من إفساد في المؤسسات ومن تغييب لما ينفع الناس الذين ظن أنه قد اشتراهم وأنهم باعوا ذمتهم.

 لذلك علينا مواطنات ومواطنين، أن نكون عاملا في وقف نزيف الفساد، بالتصويت على من تروا فيه العفة والنزاهة وحب الصالح العام؛ وهذه هي الأمانة التي يفترض أن يتحملها الناخبون والناخبات حتى لا يفسدوا في الأرض، ثم يندموا بعد كل أشهر سنين عددا. إذا دخلتم مخدع التصويت فتبينوا الخبيث من الطيب، ليكون صلاح في الأرض، ولنعيد الثقة إلى العمل السياسي الذي يحتاج نزهاء وأوفياء ومتطوعين لخدمة العموم.

 

سكان تطوان؛ ممن يقطنها وممن يمدها بجهد وبخبرة وبإعمار:

 بعد كل ما سبق، رسالتي هي:

كلما ساندنا الصادقين الملتزمين بميثاق أخلاقي ونضالي، قللنا حظوظ الإفساد. لذلك أعلن أني سأساند كل لوائح تحالف فيدرالية اليسار، التي تحمل رمز الرسالة. وقد جعلت اسمي ضمنها، وسأتابع التزامات مرشحيها ومسؤوليها إن تمكنوا من تمثيلية في مجلس جماعي محلي أو إقليمي أو جهوي أو برلماني.

وسنستعد من الآن معية الشباب التواق إلى مغرب آخر ممكن لمرحلة قادمة، نتمنى أن تكون فيها الإرادات أقوى وأكبر في سبيل مغرب يتسع لجميع المغاربة في دولة العدالة والكرامة والمساواة. لم يعد متسع لمسؤوليات، لكنا سنكون سند الشباب شعبيا وجمعويا وسياسيا، كلما كانت الحاجة إلينا ضرورة... أملنا في الغد، والتغيير ممكن معا... وإذا لم يكن سهلا ويسيرا، فما ذلك بعزيز على من يؤمن بالمستقبل وعلى المتمسكين بالأمل...

إنها رسالة أمل...