الأربعاء 20 أكتوبر 2021
منبر أنفاس

بدر عمراني: التمريض بالمغرب في ظل الجائحة.. مقاربة تحليلية على ضوء نظرية التمثل الاجتماعي

بدر عمراني: التمريض بالمغرب في ظل الجائحة.. مقاربة تحليلية على ضوء نظرية التمثل الاجتماعي بدر عمراني

لقد عرفت القيمة الاجتماعية لمهنة التمريض وصورة الممرض في المغرب تمثلات اجتماعية متناقضة؛ حيث تشكلت هذه التصورات الشعبية وتمفصلت مع أخرى ثقافية ودينية. فغالبًا ما ترتبط التفسيرات بمستوى التفكير الجماعي وعمق الأفكار المتداولة في المجتمع، وبالتالي فلا يمكن فصل تطور صورة الممرض مع فكرة التمثلات الاجتماعية للمغاربة عن مهنة التمريض.

 

هذه المساهمة الفكرية تتمحور حول تطور صورة مهنة التمريض بالمغرب وعلاقتها بمدى مساهمة اثار الجائحة في تغيير الصورة النمطية لمهنة الملائكة، وهذا يفرض علينا الانطلاق من فرضية أن الجدل الدائر حول المكانة الاجتماعية للمهنة قد يعرف تغيرات جوهرية وذلك بإعادة الاعتبار لمهنة التمريض من خلال هدم التمثلات الاجتماعية التقليدية وبناء تمثلات جديدة ترتكز بالأساس على مفهومي المعرفة التمريضية والاستقلالية النسبية عن الأبوية الطبية le paternalisme médical. لكن، قبل الحديث في الموضوع يجب لزوما الوقوف على مفهومين أساسيين: مفهوم المهنة ومفهوم التمثل الاجتماعي.

 

إن وصف التمريض بالمهنة لم يأت من فراغ فالتعريفات الأكاديمية تؤكد بالملموس مدى التطابق بين النماذج التعريفية والتمريض ولنأخذ على سبيل المثال لا الحصر تعريف الأستاذ جون ميشيل شابولي الذي يقول أن المهنة تتطلب العوامل التالية:

أولا الحق في الممارسة الذي يستوجب تدريبا مهنيا طويلا يتم تقديمه في مؤسسات متخصصة.

ثانيا التحكم في الأنشطة المهنية من قبل  الزملاء، وهم الوحيدون المؤهلون للقيام بالرقابة الفنية والأخلاقية.

ثالثا اشتراك أعضائها في هويات ومصالح محددة. أما فيما يخص نظرية التمثلات الاجتماعية فتعتبر من النظريات الحديثة في علم النفس الاجتماعي  حيت يعتبر المنظر الفرنسي سيرج موسكوفيتشي أوّل من استخدَم عبَارة التمثّلات الاجتماعية في أطروحة الدكتوراه التي تناول فيها دراسة تمثّلات التحليل النفسي لدى مجموعة كبيرة من الفرنسيين؛ حيث يرى أن التمثّلات ليست فقط جمعيّة (collectives) تتكون عبر الأجيال وغير قابلة للتغيير بل أيضا  اجتماعية (sociales) قابلة للمراجعة والتجديد والرسكلة وإعادة البناء من طرف المجموعات التي تكوّن المجتمع الواحد لتُنْتج بذلك معارف الحسّ العام   أو التفكير الاجتماعي. فالحس العام، كما بيّن موسكوفيتشي هو نسق من القيم والمفاهيم والسلوكيات المرتبطة بسمات ومواضيع يحدد معالمها الوسط الاجتماعي.

 

 لقد طور الممرضون خلال تطور مهنة التمريض تفردات مختلفة بسبب ممارساتهم ومواقفهم الاجتماعية وتطور العلوم التمريضية. حيث تكيفت مهنهم مع التغيرات المحلية والدولية. في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن هناك مجموعة من العوامل الاجتماعية التي ساهمت في تجدر الشعور بالنقص الهوياتي. فالصور النمطية السلبية التي كانت رائجة في المجتمع المغربي حول مهنة التمريض باعتبارها مهنة ذات قيمة اجتماعية منحطة وبأن الممرضون ليسوا سوى خدام عند الأطباء وغيرها من التمثلات الاجتماعية التي تنتشر من جهة بفعل الهالة الإعلامية ومن جهة أخرى بفعل بعض الكتابات الأكاديمية لبعض الأطباء وبعض القانونيين، وبالتالي، فالمهنة ترغب في تأكيد هويتها من خلال تجاهل جزء من تاريخها التقليدي ومعارضتها لكل الصور السلبية التي تم تمريرها في التاريخ الحديث.

 

لقد أبانت جائحة كورونا عن مدى الدور الفعال الذي لعبه الكادر التمريضي للتصدي للوباء باعتبار أن جل العلاجات المقدمة للمرضى تعطى من طرف الممرضين في مصالح العناية المركزة أو الإنعاش، وقد نجحت الدول المتقدمة التي كانت ولا تزال تولي اهتماما لمهنة التمريض ككندا وبريطانيا من تجاوز الوباء بأقل الأضرار بسبب سياستها الإيجابية والاهتمام الأكاديمي الذي يتلقاه الممرضون بكل فئاتهم، ولعل التحول الكلي للهالة الإعلامية المغربية في التعاطي مع مهنة التمريض من خلال الروبورتاجات التي تعطي صورة رمزية وإيجابية لدور الممرضين في الدفاع عن صحة المواطنين خير دليل.

 

في الواقع، إن الاعتراف بمهنة التمريض في المغرب كمهنة مستقلة نسبيا وذات قيمة اجتماعية مميزة أمر ليس بالسهل. حيث إن هذه العملية  تتطلب ديناميتين أساسيتين. الأولى تحتية مهنية خاصة بالأطر التمريضية وهي ترسيخ مفهوم الهوية المهنية التمريضية، وهي الإيمان والاعتزاز بالانتماء للمهنة وهي نتاج للتمفصل بين مكونين مهمين، هما الكوربوراتية التمريضية le corporatisme infirmier من خلال التكتلات المهنية  (النقابة المستقلة للممرضين وتقنيي الصحة بالمغرب)، والمعرفة التمريضية le savoir infirmier. أما الدينامية الثانية فهي دينامية فوقية خاصة بالدولة وذلك من خلال الإسراع بإخراج هيئة الممرضين وتقنيي الصحة حيث تعتبر هده الأخيرة السبيل الوحيد والأوحد نحو الرقي بمهنة التمريض

 

- بدر عمراني، ممرض حارس عام بمستشفى ابن سينا، وطالب باحث في سلك الدكتوراه، جامعة محمد الخامس، تخصص العلوم السياسية

المراجع

Abdelah Boudahran, le droit de la santé au Maroc: un plaidoyer pour une santé humaine, Harmattan, 2000

Mouhamed Ghoti, Histoire de la médecine au Maroc; le 20ème siècle (1896, 1994), 1995

Jean-Michel Chapoulie, «Sur l'analyse sociologique des groupes professionnels », Revue française de sociologie, 1973.

Sylvia Chiffoleau, médecines et médecins en Egypte, conctruction d’une identité professionnelle et projet médical, L’Harmattan, 1997

Elisabeth Longuenesse, «Santé, Médecine et Société dans le monde arabe: Héritages et enjeux», Hal-archive, 2009,

كوثر السويسي، التمثّلات الاجتماعية: مقاربة لدراسة السلوك والمواقف والاتجاهات وفهم آليات الهُوِيّة، المجلة العربية لعلم النفس، المجلد الأول، العدد الأول، 2016