السبت 25 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

صافي الدين البدالي: الانتخابات المقبلة وخطورة عودة المفسدين

صافي الدين البدالي: الانتخابات المقبلة وخطورة عودة المفسدين صافي الدين البدالي

شرعت الدولة المغربية في تنظيم الانتخابات المهنية في بداية شهر غشت الجاري. وستنظم الانتخابات التشريعية والجهوية والإقليمية والمحلية في شتنبر المقبل من السنة الجارية، أي 2021، وهي الانتخابات التي يعقد عليها الشعب المغربي آمالا من أجل التغيير الحقيقي والنهوض بالبلاد نحو الأفضل من خلال إفراز منتخبين بشكل ديمقراطي يكون فيه المواطن حرا في الاختيار، دون إكراه مادي أو معنوي ودون استغلال وضعيته الاجتماعية أو الإدارية أو الدينية، وذلك تأسيسا لبناء الثقة المطلوبة بين المواطنين والمواطنات من جهة، والمؤسسات الدستورية من جهة ثانية، وتجاوز مرحلة البؤس السياسي الذي أصبح يجثم على صدور المغاربة، هذه الانتخابات تأتي في سياق إقليمي ودولي مليء بالتحديات والمخاطر التي تتجلى في أطماع الدول العظمى ومن يدور في فلكها لتحقيق مشروعها الرامي إلى السيطرة الكاملة على ثروات الشعوب في كل من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية، وتأتي كذلك في سياق استمرار جائحة كورونا التي زادت من تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في بلادنا، كما تأتي في ظل تنامي مظاهر الفساد ونهب المال العام والإفلات من العقاب واقتصاد الريع، مما أصبح لزاما على الدولة المغربية والمجتمع المغربي والأحزاب السياسية والقوى الديمقراطية والمنظمات الحقوقية والنقابية وجمعيات المجتمع المدني اتخاذ مواقف حازمة ومسؤولة لمواجهة المخاطر التي تحدق ببلادنا جراء التطبيع الحكومي لمظاهر الفساد المالي والسياسي ونهب المال العام والإفلات من العقاب. لكن الملاحظ هو غياب هذه الإرادة السياسية والواجب الوطني على مستوى واقع الاستعدادات الانتخابية، إذ برزت على السطح مظاهر تسيء إلى هذه الانتخابات لتكون كسابقاتها منذ زمن بعيد، وذلك بإقدام أحزاب على تزكية أشخاص متابعين قضائيا في ملفات الفساد ونهب المال العام والرشوة والتزوير والسطو على أراضي الغير ضدا على القانون وتهريب الأموال العمومية وتبييضها والاغتناء غير المشروع واستغلال النفوذ، وهم يسيرون جماعات ترابية أو إقليمية أو في البرلمان أو المجلس التشريعي؛ والمتورطين في التشجيع على البناء العشوائي وخلق أحزمة بؤس بالمدن وبالمراكز الحضرية من أجل ضمان كتلة ناخبة بطريقة غير شرعية ضدا على مصالح الوطن، إن تزكية مثل هؤلاء في الانتخابات المقبلة سيشكل خطرا على البلاد، لأنهم سيعودون من أجل استكمال مشاريعهم الشخصية وتوظيف أبنائهم وذويهم وتحويل المؤسسات الدستورية إلى أداة تخدم مصالحهم ضدا على مصالح الشعب. لأن البناء الديمقراطي وبناء دولة الحق والقانون وركوب قطار التنمية لإدراك الركب يتطلب من الأحزاب السياسية المشاركة في هذه الانتخابات عدم ترشيح كل من هو متابع قضائيا من أجل جرائم الفساد ونهب المال العام وكل من ارتكب جرائم تمس بالشرف والمروءة وبالأخلاق السياسية، احتراما لمشاعر الشعب المغربي الذي ظل ولا يزال ينتظر الخروج من نفق الفقر والتخلف بفعل الفساد. وذلك لأن الأحزاب السياسية مسؤولة أمام الدستور على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم وتربيتهم على الممارسة الديمقراطية والقيم الأخلاقية والسياسية وتربيتهم على المواطنة وتخليق الحياة العامة وخلق مناخ سياسي يشجع على المشاركة السياسية وانخراط الجميع في البناء الديمقراطي المنشود.

إن الانسياق وراء المكاسب الذاتية الضيقة في تزكية من راكموا أموالا غير مشروعة ومتابعين قضائيا، سيعمق من مظاهر العزوف السياسي ومن فقدان الثقة في الأحزاب السياسية، ويحول دون إفراز كفاءات وطاقات ذات مصداقية ومروءة وقادرة على رفع التحديات من أجل النهوض بالبلاد اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا في ظل التحولات العميقة التي تعرفها الساحة الدولية من سباق محموم من أجل امتلاك مراكز التكنولوجية الحديثة ومفاتيح أبواب الخدمات الرقمية وامتداداتها على المستوى الصناعي والتجاري. لأن خطورة التطبيع مع مظاهر الفساد ونهب المال العام والإفلات من العقاب والرشوة واقتصاد الريع والامتيازات ستؤدي حتما إلى المزيد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وانتشار الفقر والبطالة والجريمة بكل مظاهرها ولجوء الشباب إلى الهجرة السرية أو الوقوع في شبكات الإرهاب والاتجار في المخدرات، بدل مساهمة هذا الشباب في صياغة السياسات العامة للبلاد والانخراط في مختلف المخططات التنموية والمشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبلها، إن من مسؤوليات الأحزاب التي تستفيد من دعم الدولة الذي هو من مال الشعب أن تزكي الرجل المناسب الذي سيساهم في تخليق السياسة العامة واحترام إرادة الناخبين والناخبات وعدم استعمال المال لشراء الأصوات. وإن من مسؤولية الدولة أن تجعل محطة الانتخابات محطة للبناء الديمقراطي والتحول نحو الأفضل والاحترام التقدير للشعب المغربي.

 

- صافي الدين البدالي، فاعل حقوقي وسياسي