الثلاثاء 19 أكتوبر 2021
خارج الحدود

أبو وائل الريفي: توافقات الربيع في تونس تصل إلى الباب المسدود

أبو وائل الريفي: توافقات الربيع في تونس تصل إلى الباب المسدود الرئيس التونسي قيس سعيد والإخواني راشد الغنوشي (يمينا)
يفكك أبو وائل الريفي في بوحه المنشور بموقع "شوف تيفي"، ما تعيشه تونس من مخاض سياسي، بعد الأحداث الأخيرة وسحب البساط من تحت أقدام الإخوان الذين كانوا أداة الإقناع الرئيسية للتوانسة، قبل أن يعرف الشعب أنهم تعرضوا لأكبر عملية نصب بعد ثورتهم التي أملوا منها تحسن أوضاعهم فإذا بها تسوء أكثر مما كانت عليه قبل الثورة.
 
لم يكن ذلك المواطن التونسي الذي عبر فرحا سنة 2011 عن هروب بنعلي بقولته الشهيرة "هرمنا من أجل هذه اللحظة"، يظن أن فرحه لن يطول وأنه سيتمنى لو عاد به الزمن إلى نفس تلك اللحظة ليعلن سخطه عن كل ما وقع بعد هذه السنة بعد المر الذي تجرعه في زمن حكم"الثوار" ولم يعشه زمن بنعلي، وليترحم ربما على زمن بنعلي من منطلق أن "بعض الشر أهون من بعض".
 
فماذا حدث لتونس وماذا حدث لشعبه الذي يستحق الأفضل؟
 
عقد من الزمن كان كافيا لتنكشف حقيقة "النسخة المتطورة" للربيع العربي. عشر سنوات كانت كافية لإعلان رسمي بفشل آخر نقط الربيع العربي، ولتنكشف محدودية نتائجها مقارنة مع كلفتها الباهظة.
 
فهل كان ضروريا أن ينتظر الحالمون بالربيع العربي ونموذجه التونسي كل هذا الوقت ليكتشفوا هذا؟ وهل النظام السياسي الهش الذي ابتكره النموذج التونسي كان مناسبا وهو الذي أسس لصراع الديكة وكان يمكن أن يقود إلى اقتتال داخلي؟ وهل فشل المنظومة الهشة التي بناها هذا النموذج وانهيارها نموذج قابل للتصدير والتسويق؟ وهل الإخفاق الاجتماعي والاقتصادي نموذج؟ وهل العجز البين في مواجهة كورونا نموذج؟ وهل الدستور المليء بالثغرات والذي لم يستطع أحد تنزيل مقتضياته هو النموذج؟
 
لقد وقع التوانسة في المحظور الذي حذرت منه شخصيا منذ مدة طويلة وهو أن المركب الذي يقوده أكثر من رئيس مصيره الغرق وإغراق وطن وشعب، وربما يغرق معه دول الجوار مع ما يستتبع ذلك من عدم استقرار المنطقة. كان هذا واضحا لكل من لا يرى بنظارات مؤدلجة ويحكم بميزان العاطفة. وبدت وتيرة الانهيار في السنتين الأخيرتين متسارعة بشكل كبير ويلزم تداركها من طرف مؤسسة قوية تملك الشجاعة حتى لا يسقط البنيان كله على من فيه. لقد عاشت تونس على وقع دوران في دوامة فارغة نتيجة نظام أفرز رئاسات ثلاثة متنافرة متشاكسة فعطل ذلك مؤسسات الدولة وعرقل كل السياسات ولم يؤمن حتى احتياجات المواطنين الأساسية.
 
لقد أظهرت هذه الأزمة فشل الدستور التونسي، الذي طبخ على عجل بنفس تلفيقي وليس توافقي، في تأمين سير منتظم لمؤسسات الدولة. لقد حمل هذا الدستور بين طياته عناصر فشله وكان يتضمن ضمن بنوده قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة ضد صناعه ليكونوا أول متضرر منه. لقد كان دستورا رماديا يميل إلى الإرجاء وعدم الحسم والتلفيق في أمور لا تقبل الهجانة، بل تستلزم الوضوح وأهمها طبيعة النظام السياسي الأصلح للتوانسة وللبيئة التونسية.
 
لقد دافع صناع هذا الدستور عن النظام البرلماني من منطلق مصالحهم ورغبة منهم في تعويم المسؤولية والهروب عند ساعة الجد من المحاسبة وإضعاف الدولة ليتقووا هم من ضعفها، ولكنهم للأسف استسلموا لمنطق "شد العصا من الوسط"، وتم إقرار نظام هش لا يتناسب مع البيئة العربية لأنه يشتت المسؤولية ويضع للبلاد أكثر من رئيس وهو ما يشجع على تسيد الثقافة الانقسامية التي يمكن أن تعصف بالسلم الأهلي في أي لحظة.
 
لقد كان منتظرا تفجر هذا النظام في أي وقت لأنه يوضع كوصفات فقط للدول ذات البناء الطائفي وللمجتمعات المفتقدة للنسيج الجامع كما هو الشأن بالنسبة للبنان بعد اتفاق الطائف وبالنسبة لعراق ما بعد صدام. فهل كانت تونس تستحق نظاما بهذه الهجانة؟ الآن نفهم خلفيات صانعي الدستور بطريقته التي ساد بها تونس عقدا من الزمن. والآن نفهم سبب الحرص على عدم استكمال تنزيله بإنشاء المحكمة الدستورية والتي لا يتحمل قيس سعيد وحده مسؤوليتها لأنها من الإرث الذي تسلمه من سابقيه الذين عجزوا عن إنشاء محكمة لازمة لحسم تأويلات دستورية متناقضة بحكم الغموض والفراغات والعموميات والنقائص التي يحملها الدستور الذي صاغته هيأة تأسيسية حكمها هاجس إرضاء شركاء الثورة أكثر من هاجس خدمة مصلحة التوانسة.
لقد كان المبشرون الجدد بالنموذج التونسي يتغنون بالانفتاح وأجواء الحرية والتعددية التونسية ويتناسون الفشل الاقتصادي والاجتماعي والذي أضيف له الفشل الصحي بعد جائحة كورونا حيث انهارت المنظومة الصحية للبلاد وأصبحت تونس تحت رحمة مساعدات دول العالم. تناسى هؤلاء أن هذا الانفتاح غير المؤطر دستوريا وغير المحصن قانونيا يمكن أن يكون بوابة للاقتتال وفرصة للإرهاب ووسيلة لإضعاف الدولة ومؤسساتها.
هل يبدو طبيعيا أن تونس ما بعد 2011 عرفت 14 حكومة شكلها 10 رؤساء حكومات؟
وحتى لا يكون الكلام على عواهنه فقد ترأس الحكومات كلا من محمد الغنوشي والقايد السبسي وحمادي الجبالي وعلي العريض ومهدي جمعة والحبيب الصيد ويوسف الشاهد  والحبيب الجملي وإلياس الفخفاخ وهشام المشيشي. والكل اليوم في انتظار رئيس الحكومة الحادي عشر والحكومة الخامسة عشر.
 
وهل يبدو طبيعيا أنها عرفت ثلاثة رؤساء خلال عقد من الزمن؟ وهم المنصف المرزوقي والقايد السبسي وقيس سعيد. هذا وحده كاف كدليل على فشل الدستور في تأمين استقرار مؤسساتي يمثل أهم ضمانة لأي نجاح اقتصادي واجتماعي. ومع ذلك ظل الحديث بين الأطراف المستفيدة محتشما ومترددا حول ضرورة تغيير الدستور ووضع نهاية لهذا النظام السياسي الهجين.
 
وهنا يحسب لقيس سعيد أنه امتلك الشجاعة لوضع هذا الموضوع على أجندة الأولويات منذ انتخابه حتى صار الكل يشعر بجدوى ذلك. يمكن القول الآن بكل وضوح أن تونس ما بعد 2011 دخلت هذه العشرية غير متسلحة بقانون أسمى يليق بها. وهذه مناسبة لتذكير كل من كان يتبجح من المبشرين بالنموذج التونسي بمحدودية خبرتهم الدستورية لأنهم لم ينتبهوا للمصايد الكثيرة التي كان يتضمنها والتي رهنت تونس وعطلت مسيرتها ووحدهم التوانسة دفعوا الثمن من صحتهم وأمنهم وكرامتهم وعيشهم.
 
وكان يمكن تقليص تداعيات ضعف الدستور لو تمتعت النخبة التونسية بثقافة ديمقراطية تعرف كيف تختلف ومتى تتوافق وكيف تتفق على حد أدنى من المشترك يعصم الدولة من الانهيار. لقد كشف عقد من الزمن أن التحديث في تونس والجوار الأوربي ومنسوب التعليم هناك لم ينعكس إيجابا على التوانسة لأنهم ارتهنوا ورهنوا مصيرهم بنخبة دون المستوى كان همها هو مصالحها قبل مصلحة الدولة والتوانسة. كيف يقف كل الطيف السياسي متفرجا على بلاد تنهار يوميا بدون مبادرة سياسية؟ وكيف لا تتحرك النخبة الحاكمة لتقديم تنازلات متبادلة وأعداد التوانسة الذين يموتون بجائحة كورونا فاق كل التوقعات؟ وكيف غاب ضغط المجتمع المدني وأثره ميدانيا في ما يخص وضع تونس مع أن بعض منظماته نشيطة في قضايا أخرى تهم دولا أخرى؟
 
لقد كشف النموذج التونسي الذي بشر به البعض بعد الربيع العربي أن حاملي لوائه يفتقدون لثقافة ديمقراطية توافقية وقد اتضح هذا في محطات كثيرة. وهذه وحدها كانت كافية لتضع كل حصيلة التجربة في إطارها الطبيعي. قد تنجح مؤقتا في تأمين مصالح أصحابها ولكنها لن تبني دولة قوية ومتماسكة ولن تنتج عائدا يخدم مصالح الشعب ويلبي احتياجاته، بل ستنهار عند أول امتحان. وقد وقع الانهيار بعد جائحة كورونا التي عرت الحقيقة وكانت أداة الإقناع الرئيسية للتوانسة ليعرفوا أنهم تعرضوا لأكبر عملية نصب بعد ثورتهم التي أملوا منها تحسن أوضاعهم فإذا بها تسوء أكثر مما كانت عليه قبل الثورة.
 
العامل الثالث لفشل النموذج التونسي يتمثل في عدم الثقة التي سادت تونس طيلة هذا العقد من الزمن. ثقة الشعب في النخب تلاشت إلى أدنى مستوى وقد عكس ذلك العزوف عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية واتضح أكثر في الإقبال الكثيف على الانتخابات الرئاسية بالتصويت لمرشح غير حزبي ولا ينتمي للطبقة السياسية المألوفة وهو ما حول انتخابه إلى استفتاء على النظام مكنه من أغلبية ساحقة تجعله يمضي في خيار مراجعة هذا النظام الهجين. وغابت ثقة النخب في بعضها مما يجعل الهاجس المسيطر بعد كل اتفاق هو كيفية إفشاله وانتظار اللحظة الحاسمة للانقلاب عليه أو وضع العصا في العجلة حتى لا تدور كما ينبغي. وأكبر مؤشر لعدم الثقة هو حالة الاغتيالات التي عرفتها تونس ما بعد الثورة والتي يتهم فيها المعنيون بها أطرافا من شركاء الثورة وعجز القضاء لحد الساعة في تحديد المسؤولين عليها. وانعدمت ثقة الشباب في المسار الثوري كله وهم يرون الشيوخ يتسيدون مؤسسات الدولة ويتابعون سيطرة جيل ما فوق السبعين عاما على كل المؤسسات المنتخبة ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب. وحين تغيب الثقة ينتشر اليأس والفوضى والجدية والتضحية ويسهل التجييش وكل هذا يقدم خدمة للإرهاب والجريمة التي تجد حاضنة ملائمة للاستقطاب. ولذلك فتونس كانت مجالا خصبا لاستقطاب الدواعش.
 
هل يستغرب في ظل هذه العوامل حدوث تغيير في تونس؟ وهل سلوك الرئيس قيس سعيد مفاجئ؟ وهل كان يمكن استنكار ما فعل لو قام به طرف آخر من داخل منظومة الحكم التي سيطرت منذ 2011؟ وهل كان الشعب سيرفض أي خطوات نحو وضع حد لسيطرة منظومة حكم فشلت في تدبير البلاد عقدا من الزمن؟
ردود الأفعال الشعبية والإقليمية والدولية دليل على أن الكل كان ينتظر هذه اللحظة.
لقد تفهم الشعب التونسي خطوات الرئيس ووضعها في إطارها الحقيقي، وقد حاولت النهضة استنفار الشعب لمناصرتها وقد وصلتها الرسالة بأنها أكثر من يتحمل المسؤولية عما آلت إليه أوضاع البلاد، ولكن سرعان ما اكتشفت محدودية تأثيرها في الشارع وعدم تجاوب الشعب مع دعواتها فاضطرت للتراجع عن دعواتها للاحتجاج أمام البرلمان. وفي هذا درس بليغ للنهضة وأنصارها لأنه ترمومتر يعكس وزنهم الحقيقي في تونس عكس الانتخابات التي سادتها سلوكات غير معبرة عن حقيقة التعاطف. وكم سيكون القضاء شامخا إن فتح ملف التمويلات الحزبية الأجنبية بعد 2011 لمعرفة الحقيقة كلها.
والمنظمات الجماهيرية التونسية تعاملت مع خطوات الرئيس بما تستحق من توازن وحكمة فلاهي انساقت وراء النخبة المتضررة من أي تغيير يحصل في تونس ولا هي وقعت شيكا على بياض للرئيس. الرئيس مطالب كذلك بتحديد مسبق وواضح لخارطة الطريق وتحديد غلافها الزمني وخطواتها وتقديم ضمانات حقيقية للتوانسة ضد أي انتهاك للدستور والحقوق والحريات، ولا يكفي لطمأنة التوانسة والمنتظم الدولي النوايا الحسنة.
وحدها القوى التي تصطف إيديولوجيا مع النهضة والمصعوقون من انهيار نموذجهم انتفضوا خارج تونس وصاروا يقدمون النصائح والتحاليل والخطط ويتدخلون في الشأن التونسي رغم عدم درايتهم بما يجري وسط البلاد. التنظيمات الإخوانية في الجزائر (حمس) وإخوان سوريا ومصر وتركيا والتوحيد والإصلاح والعدل والإحسان في المغرب كلها نشطت ونددت ووصفت ما يحدث بالانقلاب دفاعا عن إخوتهم في الإيديولوجيا. نسي هؤلاء جميعا أنهم بسلوكهم هذا يفضحون النهضة ويضرونها ويعرونها أمام الشعب التونسي وهي التي سبق أن أعلنت فك ارتباطها مع الفكر الإخواني. ووحدها وقفت المنابر الإعلامية القطرية وأقلامها في تصنيف ما يحدث انقلابا رغم الموقف الدبلوماسي القطري الرسمي المعتدل. وهذه مناسبة لكشف حقيقة موقع ميدل إيست آي القطري التمويل والإخواني الهوية والبريطاني الواجهة والذي يخدم أجندة خفية ولكنها لم تعد خافية على أحد، حيث تريد به جهات معينة إخضاع الدول وابتزازها به.
من جهتها، انتصرت كل القوى الإقليمية لمصلحة تونس متمنية تغلب تونس على هذه المرحلة وانتصارها للاستقرار, وهو نفس الاتجاه الذي عبرت عنه كل القوى العظمى التي تفهمت سلوك الرئيس وأرفقته بضرورة انسجامه مع الدستور واحترامه للحقوق والحريات مع التأكيد على طابعه المؤقت.
نتمنى أن تنتصر تونس وتنتقل إلى نظام سياسي منسجم يقوي مؤسسات الدولة ويؤدي إلى النجاعة. والتحدي الأكبر أمام كل التوانسة هو البديل لأن من شأن الاقتصار على هذه الخطوات بدون بديل اقتصادي واجتماعي وصحي أن يزيد الشعب رفضا لمؤسسات الدولة وتطرفا في مواجهتها وارتماء في أحضان التطرف بمختلف أشكاله. ولذلك تستحق تونس دعما إقليميا ودوليا كان المغرب واعيا به من خلال المساعدات الطبية التي قدمها ومن خلال زيارة بوريطة للرئيس التونسي كتأكيد على وقوف المغرب إلى جانب تونس. لا أفتأ أؤكد أن تونس قوية خطوة مهمة لبناء اتحاد مغاربي قوي وصمام أمان ضد الإرهاب والتطرف الذي يهدد المنطقة كلها.