الأربعاء 4 أغسطس 2021
فن وثقافة

رحيل بشير القمري، في التمرين على الصداقة: كنت أراك دائما من أعلى جرف !

رحيل بشير القمري، في التمرين على الصداقة: كنت أراك دائما من أعلى جرف ! المرحوم القمري يتوسط بهجاجي ويقطين نهاية السبعينات
تتوالى النكسات.
قبل زمن الكورونا بقليل كنا التقينا بنادي كازابلانكا بالرباط.
كنا كما لو في تمرين على الصداقة، بداياتها ومفاصلها في السياسة والفكر والإبداع... ثم سرعان ما انتبهنا إلى أن الصداقة التي نتحدث عنها صارت ممتدة بيننا لأكثر من أربعين سنة.
بدأت الخطوة الأولى حين تواجدنا، مصادفة، بأنشطة إحدى جمعيات العرائش الوديعة. ربما تم ذلك، في زمن نهاية سبعينيات القرن الماضي، لحظة احتدام الرهان على الأسابيع الثقافية على الصعيد الوطني.
أذكر من الحاضرين أدباء المدينة وجمهورها، وكذلك وبشكل خاص المفكر والمبدع الميلودي شغموم والإعلامي والمبدع عبد الرحيم التوراني والبشير طبعا.
أذكر في معرض التفاصيل أننا قضينا الليلة بيضاء، وفي الصباح كان القمري وشغموم يتباريان في مسابقة العوم، قفزا من أعلى جرف، من أعلى مكان هناك. أما السياق فكان يتعلق بقراءات قصصية كنت قد تدخلت، أثناء النقاش،لأنتصر فيها للقمري الذي بدا لي يومها يكتب نصا سرديا حديثا، في حين اعتبرت خلاف ذلك بخصوص شغموم عن خطإ، متدارك فيما بعد. 
 بعد سنتين من ذلك اللقاء، وجهتُ دعوة إلى كل من شغموم والقمري للمشاركة في الأسبوع  الثقافي الذي كنا ننظمه ضمن إطار جمعية الرواد بدار الشباب بوشنتوف. وكان اللقاء إحدى إضافاتي، بعد أن تسلمت في إطار "التناوب التوافقي"، رئاسة جمعية الرواد، مؤازرا بالدكتور محمد فراح نائبا للرئيس، وبالدكتور سعيد يقطين كاتبا عاما.
 منذ ذلك اليوم صار القمري عضو شرف في أسرتي الثقافية. تعمق ذلك بعد لقائنا في "الاتحاد الاشتراكي" حزبا وجريدة واتحاد كتاب.
ومن باب الأمانة أسجل أنه كان سندا لي دائما، فحين كلفني أستاذي محمد برادة في الدروس المعمقة، بداية الثمانينيات، بإنجاز عرض حول  رواية "مدام بوفاري" كان هو من شجعني على الفكرة، وسلمني نسخة من الرواية مجلدة تساعد على الكتابة الطلقة. وكذلك ظل يرافع من أجلي دائما  في الكتابة والصحافة والحزب...
أذكر كذلك أنه، في تعب جولاتنا الليلية، كان قد كتب عن الدارالبيضاء في كتابه "حفريات المدن"، سنة 1996 :
"البيضاء أطلانتيد الخوري.
البيضاء معرة زفوذزاف,
البيضاء هارم بهجاجي..."
كان القمري رحمه الله روحا مفتوحة على التجديد، مترجما حصيفا، مناضلا يساريا  بكل ما يملك من  الجذور والأجنحة، مجادلا شرسا، حديثا في مقارباته الروائية والقصصية  والمسرحية. لكنه ربما مثل الكثيرين كان يكتم قلقا حين  يرى  أنها لا تعطي إلا إلى التافهين.
موجز القول تؤلمنا الغيابات الصعبة حين تقتطع منا جزءا من ذاكرتنا، ومن صداقاتنا.
يؤلمني شخصيا أننا لا نذكر أحبتنا بالكلام الجميل إلا حين يغيبون...
صادق العزاء لأسرته، ولأصدقائه وطلبته وقرائه في المغرب والعالم العربي.