الثلاثاء 27 يوليو 2021
كتاب الرأي

محمد البالي: مشيئة وكلام(11)

محمد البالي: مشيئة وكلام(11) محمد البالي

أ، ب- مما سبق: سنوظف لفظ الإيديولوجيا توصيفا إجرائيا يفيد الانطلاق من تصورات قبلية في تشكيل الروابط الحزبية وفي الحكم على الآخر. أما التصورات والمنطلقات العقدية فأدلوجات، تتمظهر في خطاب التيار الإيديولوجي مفاهيم (الحلقة 9) وسمات حجاجية (الحلقتان 9 و10) وأفعال كلام:

ج- أفعال كلام:

- حرية المبادرة:

يبدو ملفوظ "حرية المبادرة" شعارا تحفيزيا، وإذا أنزلناه إلى أفعال الكلام، يعني إلى الممارسة المترتبة عنه، نجده دالا على التحرر من القرارات التنظيمية الصادرة عن الأجهزة الحزبية، التي تنص قوانين الحزب على ضرورة صدور هذه القرارات بآليات ديمقراطية، أولها المناقشة وآخرها أغلبية المصوتين. وتجلى هذا التحرر سلوكيا في:

- التحرر من قرارات وخلاصات: أبرز موضوع ومثال على هذا، ما نعثر عليه في نقاشات منشورة، تتفاوت في تقدير تعطيل قرارات المؤتمر الوطني الرابع. ويقود هذا التحرر من خط سياسي، كا تجليه تدوينات، إلى تحرر تنظيمي. وفي حالات عدة، إلى التحلل من التزامات الانتماء، ماديا وسلوكيا.

- كويرات ثلج: ويعني تراكم مقترحات، حتى يعاد النظر في قرار أو يتم إبطاله عمليا. ومثاله هذا التدرج: من خلاصات المجلس الوطني القاضية بالاندماج إلى مجلس وطني يدعو إلى إنضاج شروط الاندماج، إلى إلغاء ندوة تنظيمية لاستخلاص مبادئ تنظيم الحزب المندمج، إلى منشورات ضد الاندماج القسري، ثم رفض مضمون رسالة محمد بنسعيد آيت يدر الداعية إلى التوحيد.

- لاحزبية:

تلتقي تصريحات بأفول زمن الأحزاب وتراجع أدوارها التأطيرية، مع خطاب حركات وأنظمة تذيع شعارات من قبيل: لا حزبية بعد اليوم، اللجن الثورية أداة التحرر، لجن شعبية لا مؤسسات تمثيلية، حكم الشعب نفسه بنفسه... كما تلتقي مع توجهات تنظيمية لحركات الاحتجاج العالمي، ومع الطابع العفوي للحركات الاحتجاجية بالمغرب.

إذا كان القصد هو البحث عن أدوات تنظيمية جديدة للتأطير وللمشاركة والفعل السياسي، فهو تجديد تتطلبه التغيرات الراهنة. في ظل الهجوم القوي على التكتلات البشرية وأشكال التنظيم النضالي من نقابات وجمعيات وأحزاب. فكم تُحبذ إيديولوجيا العولمة، التواصل مع الأفراد بدل الجماعات. في مسلسل تفتيت المشتركات الجماعية الثقافية والاجتماعية والتاريخية والفنية حتى... إننا في عصر الأحلام الفردية والطموحات الشخصية، يتطلب انتقالات ثقافية وسياسية، وتغيير وسائل وأدوات الدفاع عن الحقوق الجماعية. فالسياسة، بالمعنى الذي قدمناه في الحلقة الأولى، بحث عن صيغ ومشاريع حفظ حقوق الناس ضمن قيم العدالة والمساواة، وضمان إمكانات لحماية المصالح الوطنية.

لكن يلاحظ أن من بين من يصرحون بنهاية النظام الحزبي قياديون ومسؤولون في أعلى المسؤوليات الحزبية. وموضوعة الحزبية النضالية بؤرة نقاش في كتابات ومنقولات حزبيي الاشتراكي الموحد، وتختلف وجهات مقاربتها. وثمة عاملان مثيران وفاعلان في أي مقاربة: الأول تشدد نظام الحكم، والثاني اتساع ساحات ومجالات النضال بين حراكات اجتماعية واحتجاجات فئوية وحركية جمعوية. يدفع العامل الأول إلى طرح صيغ للتكتل والاندماج والتوحيد. ويدفع الثاني إلى اقتراح بدائل عن الحزبية التقليدية عبر صيغ تنظيمية منفتحة أو قاعدية اجتماعية:

- نشر الأستاذ محمد صلحيوي، عضو المكتب السياسي، يوم 13 ماي 2021، في أنفاس بريس مقالا بعنوان: اليسار المغربي المناضل ومقولتا الوطن والمواطنة.. جاء فيه: لازم -اليسار- نقاشاً بوليميكياً ومتشنجاً للوحدة والتوحيد، لذلك فموضوع مستقبل اليسار في عهدة الحركة اليسارية كتيار إجتماعي عام، ما يستلزم إطلاق مبادرة الحوار الفكري الشامل حول المشروع اليساري لوطنية مواطنة، حوار غير مسقف بسقف الزمن القصير، بل، مرتبط بمدى التقدم في الإنتقال والتطور من حركة إجتماعية نوعية إلى حركة سياسية شعبية للتغيير....".

- في لقاء يوم 11 أبريل 2021 بقلعة السراغنة، الذي أطرته ألأستاذة الأمينة العامة، كانت كلمة الأستاذ حميد مجدي، بصفته كاتب فرع هذه المدينة، حافلة بقاموس وتعابير سياسية على يسار خطاب الحزب الاشتراكي الموحد. وبمقارنة مضمون الحزبية في كلام صاحب كتاب أوهام الاندماج وماورد في أرضية التغيير الديمقراطي، الذي تحمل مسؤولية منسقها، نجد تمسكا بحزب الطبقة العاملة والفلاحين. مما يسمح دلاليا باقتراح صيغة: النهج الديمقراطي، بدل التغيير الديمقراطي. إحالة على خطاب حركة وحزب النهج الديمقراطي.

- من مداخلة الأستاذة نبيلة منيب، يوم 10 أبريل 2021، المبثوثة صوتا وصورة على صفحة فرع الحزب الاشتراكي الموحد بمدينة دمنات، اقتطفنا منطوقين، لهما علاقة بموضوعة الحزبية. الأول: اليوم الوقت دْيال لْفعل... خَصّْنا نْدفعو الناسْ باش تنخرط في الأحزاب الجادة وفي الجمعيات... والثاني: رُبّما لْيوما حتى على المستوى العالمي، غَدّا الأحزاب ستصبح متجاوزة، اليوم غادي يْولّي المكان لحراكات كبيرة، هاذ الشي شفناه في العالم، شفناه مع ذاك المنتدى العالمي الاجتماعي، شفناه كذلك مع الثورة المواطنة فأمريكا اللاتينية قاموا الناس من أجل الماء ومن أجل الغاز ومن أجل الشغل... وسْتاطعوا باشْ يغيّروا داخلْ بُلدانْهم..."

حين نخضع مداخلة الأستاذة نبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد، للمقارنة مع نصوص وتصريحات داخل هذا الحزب، نجدها بين مرجعين: أرضية الأفق، في تصور اندماج مكونات الفيديرالية والمحيط الجمعوي والسياسي. وأرضية اليسار المواطن والمناصفة في استعراض التجربة اليسارية الأمريكولاتينية، وفي نقد القيادية: نؤمن بأن القيادات كاينة فالقاعدة... آشمن أمناء... واش حْنا نازل علينا الوحي".

وقد انتقدت مجموعات تنظيمَ هذا اللقاء باسم أرضية التغيير الديمقراطي، ورأته ترخيصا بخرق قوانين الحزب التي لا وجود فيها لمؤسسة اسمها أرضية، فالأرضية اجتهاد قبل المؤتمر، وإذا حازت على نسبة 5% تشكلت تيارا، وهو ما لم يتوفر لأرضية التغيير الديمقراطي. ويرون أنه كان الأجدر تنظيمها تحت يافطة فرع الحزب بدمنات.

وهذا نقد قانوني تنظيمي، لا يركز على عناصر خطاب الندوة وسياقاته، حتى يصل إلى قصدية. لنتأمل هذه العلامات والإشارات:

- اليافطة: أُعلنت الندوة عبر ملصق، نقلت عناصره اللغوية والأيقونية إلى لافتة خلفية بارزة.

من العناصر اللغوية: تنظم أرضية التغيير الديمقراطي ندوة وطنية، الأزمة السياسية والاجتماعية وآفاق النضال الديمقراطي بالمغرب. أسماء المشاركين، فندق أطلس – دمنات...

ومن العناصر الأيقونية: صور المشاركين، شمعة الحزب الاشتراكي. تاريخ الندوة (10 أبريل 2021).

العناصر المغيَّبة: مكتب فرع دمنات (مؤسسة حزبية محلية)، الرسالة، رمز فيدرالية اليسار الديمقراطي (التحالف الانتخابي ونواة حزب الاندماج).

- شخوص المنصة: من اليسار إلى اليمين: كاتب فرع بولمان، منسق أرضية التغيير الديمقراطي، مسير اللقاء (باسم مجموعة أرضية التغيير الديمقراطي) الأمينة العامة، عضو من تيار اليسار المواطن والمناصفة.

ونحيط هذه المكونات والعناصر الإشارية بالسياقات التالية:

- مواقع المتكلمين (باعتبار المسؤوليات): الأمينة العامة، المنسق الوطني لأرضية التغيير الديمقراطي، المنسق الوطني لتيار اليسار المواطن والمناصفة...

- السياق الزمني: بعد رفض مضمون رسالة محمد بنسعيد آيت يدر، يوم 23 مارس 2021، التي دعا فيها إلى تجميع اليساريين وتحديد أجل اندماج أحزاب اليسار الديمقراطي والمحيط الجمعوي والثقافي التقدمي والديمقراطي.

 

(يتبع)