الجمعة 17 سبتمبر 2021
مجتمع

وحيد مبارك: التنقل ب"باسبور التلقيح".. قرار غير دستوري للحكومة والتمييز يفصل بين المغاربة

وحيد مبارك: التنقل ب"باسبور التلقيح".. قرار غير دستوري للحكومة والتمييز يفصل بين المغاربة حاجز أمني عند مدخل سطات وفي الاطار وحيد مبارك
"زفّت" الحكومة المغربية يوم السبت 5 يونيو 2021 خبرا سارا إلى فئة من المغاربة، الذين استفادوا من الحملة الوطنية للتلقيح ضد فيروس كوفيد 19، وتأتى لهم الحصول على الجرعتين واستكمال المساحة الزمنية المنصوص عليها لتكوين المناعة الفردية ضد الداء، وأصبح بإمكان المعنيين بالأمر "تكسير" قيود "الحجر" والتنقل بكل أريحية داخل جغرافية المملكة بدون قيود، ويكفيهم لأجل ذلك تحميل جواز التنقل إلكترونيا أو سحبه ورقيا لدى السلطات المحلية المختصة، وهو ما سيتيح لهم حرية التجول عبر جميع أنحاء التراب الوطني دون قيود وكذا التنقل بعد الحادية عشرة ليلا، وبهذا سيكونون خارج "رادار" الطوارئ الصحية؟
قرار قد يكون، بكل تأكيد، أثلج صدر البعض، الذين ضاقوا ذرعا من المكوث في منطقة واحدة وضجروا من طرق أبواب السلطة المحلية للحصول على شهادة التنقل في كل وقت وحين، بتقديم مبررات ودواعي مختلفة، وعاشوا خلال الفترة السابقة يحسون بأن أغلالا تقيّدهم، وعانوا من التبعات الاقتصادية والاجتماعية والمادية للجائحة، وبالتالي فقد استقبلوه بصدر رحب، لكنه بالمقابل جاء مناقضا لمقتضيات دستور المملكة، الذي يشهد له الجميع بأنه دستور حقوق لا قوانين، فهو ينص على احترام 150 حقا من حقوق الإنسان، ويتضمن 42 إحالة على مفهوم الحرية، ويحتوي على 33 فصلا خصصت بأكملها للحقوق والحريات، كما هو الحال بالنسبة لمنطوق الفصل 9 في الشق المتعلق بحرية التجول والاستقرار بجميع أرجاء المملكة، وإن كان الأمر يتعلق بحالة طوارئ، ما دام القرار الأخير الذي أعفى فئة، وقيّد فئة أخرى، جاء مناقضا لمبدأ أساسي وهو المساواة بين كافة المواطنين والمواطنات، بما أن التلقيح ضد فيروس كوفيد 19 لم يكن متاحا للجميع، وجاءت الاستفادة منه مشروطة بالانتماء إلى قطاع معين، تم إدراجه ضمن ما تمت تسميته بالصفوف الأولى لمواجهة الجائحة، أو انطلاقا من معيار السن، أو باعتماد الإصابة بمرض مزمن، علما بأن هناك العديد من المواطنين مصابين بأمراض مزمنة، لكنهم لم يستفيدوا من اللقاح ولم تتم "المناداة" عليهم، فقط لأنهم غير مصنفين عند صندوق التأمين ضمن خانة المصابين بمرض مزمن، كما هو الشأن بالنسبة للنساء اللواتي يعانين من اعتلال وظيفة الغدة الدرقية وتبعاتها على الجسم نموذجا، وإن كانت الملفات المرضية المعوض عن مصاريفها تؤكد حضور المرض لسنوات، وانتظامية الفحوصات الضرورية لمراقبته وفقا لمواعيد قارة، إلى جانب إجراء التحاليل بشكل دوري  للوقوف على تطوراته وكذا صرف الأدوية المتعلقة به؟
قرار حكومي، لا يمكن إلا أن يكون مكرسا للتمييز بين المغاربة، الذي يرفضه دستور 2011، انطلاقا من ديباجته، والذي ينص على "إرساء مجتمع متضامن، يتمتع فيع الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية" إلى جانب "حظر كل أشكال التمييز بسبب الجنس واللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخصي مهما كان"، والحال أن العديد من المواطنين اليوم أوصدت في وجوههم أبواب الاستفادة من التلقيح لأنه يتعين عليهم انتظار "رسالة الفرج" التي قد تأتي أو لا تأتي، وإن كانوا معرضين لخطر الإصابة بالعدوى وبتبعاتها الصعبة، وباتوا إضافة إلى ذلك، ممنوعين من التنقل بحرية على غرار مواطنين آخرين داخل البلد الواحد. هذا المنع الذي سيتم بمبرر عدم التلقيح، وكأنه تم توجيه الدعوة إليهم ورفضوا الأمر، ليصبحوا بذلك مطالبين بتحمل تبعات قرار، لم يستشاروا ولم يخيروا فيه، وإنما فُرض عليهم فرضا، فلا هم تلقحوا، ولا هم تمتعوا بحقوقهم الدستورية.
لقد جاء دستور المملكة ليؤكد على أن جميع المغاربة سواسية، وأن التمتع بالحقوق يكون على قدم المساواة بين الرجل والمرأة، لكن القرار الحكومي الأخير الذي جاء معللا بكونه يأتي تبعا لتوصيات اللجنة العلمية، لم يستحضر أسمى وثيقة في البلاد، وضرب بعرض الحائط العديد من الحقوق المنصوص عليها في فصول عدة، ومنها الفصل 22، إذ أنه من خلال هذا القرار، فقد تم بشكل أو بآخر، ماديا أو معنويا، "معاملة الغير، تحت ذريعة معينة، معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة حاطة بالكرامة"، كما أن حرمان مواطنين يعانون من أمراض مزمنة، لمجرد عدم وجود "تأشيرة" مريض يعاني من مرض مزمن على ملف المؤمّن، هو يناقض الفصل 20 الذي ينص على الحق في الحياة، ويعرض سلامته للخطر، كما يمس بجوهر الفصل 31 من دستور المملكة.
قرار حكومي غير دستوري، وفضلا عن الأضرار التي سيتسبب فيها للكثير من المواطنين والمواطنات، فإنه يحيل كذلك على صور كاريكاتورية قاتمة يمكن تصورها واستحضارها بمنتهى البساطة، فإذا كان من شأنه إعادة الحياة إلى قلب القطاع السياحي وتشجيع السفر وضخ الدماء في شرايين المؤسسات العاملة في هذا المجال، كما أنه سيتيح للأسر السفر والإحساس بالانشراح الذي ظل مفتقدا منذ 20 مارس 2020، فكيف سيكون الوضع داخل أسر، أحد الزوجين استفاد من التلقيح والثاني لم يتلقح بعد، وكيف سيتم تدبير هذه الأزمة العائلية الجديدة؟ هو سؤال ومثال من مجموعة أمثلة كثيرة، لا ترد على بال بعض أصحاب القرارات المتسرعة المتخذة ليلا أو في نهاية الأسبوع؟؟؟.