الخميس 6 مايو 2021
كتاب الرأي

محمد بوبكري: نظام جنرالات الجزائر في العراء

محمد بوبكري: نظام جنرالات الجزائر في العراء محمد بوبكري

تروج أخبار موثوقة واردة من واشنطن تؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية قد فتحت ملفا عنونته بـ"ملف الأزمة الجزائرية"، سيشكل أرضية يتم اعتمادها لتحديد مواقف واشنطن وقوى أخرى من ممارسات جنرالات الجزائر وعنفهم واستبدادهم وتوسعهم عبر دعمهم للإرهاب...

 

ويقتضي إعداد هذا الملف التتبع المستمر لتطور الأوضاع في الجزائر، حيث ترجح واشنطن أن الأمور ستسير في اتجاه التصادم بين السلطة والحراك الشعبي السلمي؛ أي بين الشعب والنظام العسكري... لكن، لقد سبق للقائم بالأعمال في السفارة الأمريكية بالجزائر أن أعلن عن مساندة واشنطن للحراك الشعبي السلمي، حيث قال إن الولايات المتحدة الأمريكية تدافع عن الديمقراطية في جميع أرجاء العالم، واعتبر أن التظاهر السلمي حق مشروع للشعب الجزائري. وإلى جانب ذلك، يرى خبراء جزائريون أن واشنطن تنظر إلى نظام الجنرالات بعين الريبة والشك.

 

كما يتطلب إعداد هذا الملف جمع المعلومات الاستخبارية التي لا يعرفها الناس، ولا تنشر هنا وهناك، حيث ستتوصل بها واشنطن من سفارتها في الجزائر، أو من متعاملين معها من داخل النظام الجزائري، أو من متعاملين آخرين معها في الجزائر وخارجها... ويستلزم تكوين هذا الملف أيضا رصد كل انتهاكات حقوق الإنسان في الجزائر. كما تولي واشنطن الاهتمام بحصر وجرد تجاوزات السلطة عبر تسجيل ما تمارسه من قمع واستبداد، دون نسيان رصد ردود فعل الشارع الجزائري...

 

ويستدعي إعداد هذا الملف تحليل الأحداث العسكرية والأمنية. وفي هذا الإطار، نستحضر الزيارة التي قام بها بعض مسؤولي الجيش الأمريكي إلى الجزائر في مستهل سنة 2021، حيث تمحور موضوع هذه الزيارة حول دور الجزائر في التصدي للإرهاب... وفي مقابل ذلك، يؤكد متتبعون جزائريون أن سلوك الجنرالات الغامض تجاه الجماعات الإرهابية في الصحراء الجزائرية ودول الساحل يثير شكوك الدول الغربية التي صارت تتأكد شيئا فشيئا أن نظام الجنرالات متورط في حماية الإرهاب وتمويله وتدريبه من أجل المزايدة على الدول الغربية لكسب مساندتها السياسية عبر ممارسة الضغط عليها بالجماعات الإرهابية، ما قد يجلب مشاكل كبيرة لهذ النظام، حيث ستتعمق عزلته السياسية دوليا. فضلا عن ذلك، يقتضي تكوين هذا الملف وضع تقييمات يومية للأحداث تتناول معالجة ما يجري وما تم تداوله في وسائل الإعلام، وما لم تتداوله هذه الوسائل...

 

ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن واشنطن قررت أن يتم الاستماع إلى رموز الحراك والمعارضة عبر هيئات مستقلة، جامعات وندوات تنظمها منظمات حقوق الإنسان ومؤسسات أخرى. كما أن واشنطن ترغب في الاستماع إلى مختلف المسؤولين الجزائريين، حيث سيتم مستقبلا تبادل الزيارات بين واشطن والجزائر...

 

لقد علمتنا مختلف التجارب أن القوى العظمى عندما تتدخل في منطقة معينة، فإن ذلك يكون من أجل مصالحها الاستراتيجية. وإذا تعارض ذلك مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية الأخرى، فإنها لا تتدخل. وللتدليل على ذلك، فقد كان تدخل الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" في الشأن الداخلي السوري من أجل وضع خطوط حمراء للنظام السوري، حيث تم نزع السلاح الكيماوي حتى لا يتم توظيفه ضد المعارضة، ولم يكن الهدف هو محاكمة النظام السوري ...

 

ومن الطبيعي ألا يقبل المرء التدخلات الخارجية. لكن، قبل ذلك، يجب على النظام الجزائري أن يقوم بإغلاق منافذ هذه التدخلات. لذلك، على الجنرالات أن يعوا أن انتهاكات حقوق الإنسان هي اليوم البوابة الرئيسية التي تنفذ منها تدخلات القوى العظمى. وعندما تفتح أبواب هذه التدخلات، فلن تنفع معها عنتريات الجنرالات ومزايداتهم ونزعتهم الفروسية...؛ فالدولة عندما تكون هشة داخليا، وضعيفة اقتصاديا، وشرعيتها السياسية مهترئة، فإن ذلك يجعلها لقمة سائغة في يد التدخلات الخارجية، سواء تعلق الأمر بأعداء يتربصون بالبلاد، أو بحلفاء يعملون على توظيفها ضد خصومهم لتصفية حسابات معهم، أو التضييق عليهم بهدف تحقيق مصالحهم الخاصة. لذلك، فمن الوهم أن يظن جنرالات الجزائر أن روسيا ستقف في وجه واشطن والقوى الغربية الأخرى من أجل الحفاظ على ضمان استمرارهم في السلطة؛ فالكل يهتم بمصالحه الاستراتيجية. وهذه حقيقة ساطعة سطوع الشمس يجمع عليها خبراء العلاقات الدولية، ولا يجادل فيها إلا الذين لا يفهمون شيئا في هذا المجال...

 

هكذا، فعلى حكام الجزائر الإسراع بإغلاق البوابات التي تنفذ منها القوى العظمى.. فهذه القوى تركز اليوم في تدخلاتها على التعذيب في السجون ووضعية الأطفال فيها، حيث يجب ألا يتعرض الكبار والقاصرين للاغتصاب الجنسي، أو أي شكل من أشكال التعذيب، كما يمنع أن يتم وضع الأطفال في محيط سجني تنعدم فيه شروط الحفاظ على طفولتهم واحترامها... وتشير الوقائع والأوضاع في السجون الجزائرية ومخافر أجهزة الأمن هناك أن النظام يخرق القانون الدولي في هذا المجال. إضافة إلى ذلك، فإن هذه القوى ترفض قطعا أن يتعرض النساء في السجون للضغوط من أجل إجبارهن على فعل شيء معين، كما أنها ترفض أن يتعرضن للاغتصاب أو للتحرش الجنسي ...

 

كما تركز هذه القوى على حرية الإعلام، حيث يقوم الجنرالات بقمع الإعلاميين واعتقالهم، وكبح الإعلام وتحويله إلى أبواق للسلطة، كما أنهم لجأوا إلى تلفيق تهم الإرهاب بالإعلاميين الجزائريين المعارضين المقيمين في الخارج بهدف تسلمهم من فرنسا للفتك بهم. لكن، ولحسن الحظ، فإن القوانين الدولية تمنع ذلك، فتكسرت أحلام الجنرالات على صخرة القانون الدولي...

 

ثم إن هذه القوى تولي اهتماما كبيرا لحقوق الأقليات، التي يحميها القانون الدولي... وإذا كان حكام الجزائر يمارسون العنف ضد المتظاهرين بأسلوب سلمي، فإن هذا يعد خرقا للقوانين الدولية، ما يفتح بابا للتدخل الخارجي لإنقاذ هؤلاء المحتجين بسلمية...

 

كما أن العسكر في الجزائر قد قاموا بعسكرة الشارع والمشهد السياسي الجزائريين، حيث يضعون الحواجز الأمنية والعسكرية في الشوارع، ويتدخلون في الحياة المدنية، ما قد يزيد من ضغط الحراك السلمي، الذي قد تواجهه السلطة الجزائرية بعنف، الأمر الذي قد يفتح الباب للتدخلات الأجنبية...

 

فضلا عن ذلك، إنهم يقومون باعتقال رموز المعارضة في الداخل، كما يستفزونها في الخارج. أضف إلى ذلك أنهم يستهدفون أهاليهم، ما يشكل دليلا على خرقهم للقانون الدولي، حيث يقتضي الأمر تدخلات دولية لوضع حد لذلك.

 

يجمع الجزائريون اليوم على أن النظام العسكري في الجزائر يرتكبون كل هذه الجرائم ضد الشعب الجزائري الذي قرر التظاهر بأسلوب سلمي ضد هذه السلطة المستبدة. وإذا قرر النظام تصعيد العنف ضد الحراك، فإن هذا قد يحدث أزمة قد تفضي بدورها إلى حروب أهلية، ما يعني أن القبضة الأمنية لن تكون في صالح النظام، ولا في صالح الشعب، ولا في صالح الوطن، بل إن ذلك سيشرع الأبواب في وجه التدخلات الأجنبية. وإذا كان الجنرالات يتوهمون أنهم يتوفرون على دعم خارجي، فإن هذا لن يفيدهم في شيء، بل إنه سيجلب لهم الكوارث، حيث سيكون بأنفسهم وبالبلاد في الجحيم.

 

وخلاصة القول، إن العالم يتابع ما يجري في الجزائر، ولكن النظام العسكري مستمر في عنفه وفساده، ما يدل على أن هذه الوضعية قد تؤدي إلى كارثة. وهذا ما يستوجب تغيير هذا النظام عبر دمقرطة الدولة وتحديثها... لأنه إذا استمر هذا النظام، فإنه سيشكل خطرا دائما على مستقبل الشعب والوطن الجزائريين...