الاثنين 23 نوفمبر 2020
كتاب الرأي

محمد الشمسي: "الملاذ" في دحض التعريف "الشاذ" لمصطلح "أستاذ"

محمد الشمسي: "الملاذ" في دحض التعريف "الشاذ" لمصطلح "أستاذ" محمد الشمسي
شدني مقال جديد صادر عن "صاحبنا الحاج إياه"، حاول من خلاله إفراغ لقب "أستاذ" من رمزيته وحمولته و محتواه، بل واتخذ من اللقب هزءا، مستندا في اضطرابه على حديث موضوع مكذوب بلا متن ولا سند ألصقه بالثقافة الفارسية، حيث روى "الحاج" أن كلمة "أستاذ" هي مرادفة لكلمة "إخصاء"، باعتبار أنهم في بلاد الفرس ـ والعهدة على "الحاج" ـ كانوا يستقدمون مدرسين أو معلمين لأبنائهم ويخشون "العين الزائغة" حيال النساء فيعمدون إلى إخصائهم تجنبا لكل مكر أو غفلة منهم، و خلص "الحاج" أن "الأستاذ" هو "الرجل المخصي" في قاموس الفرس، ثم نبش "الأستاذ الحاج" في ملف طواه القضاء بحكم قضائي قطعي بات، حين حكمت المحكمة بعدم السماح له بحمل لقب "أستاذ"، وعدم السماح يعني المنع، لكن "على من تقرا زابورك آ داوود".
و دعونا نعود إلى الشاذ من كلام الحاج، فهو لم يكن أمينا في نقل معنى "أستاذ" الوارد في المعجم العربي، فقد أورد الحاج أنه "لقب احترام يطلق عادة على المثقفين..."، ووقف صاحبنا هنا وقفة مقصودة غير بريئة، لكن التتمة تقول هو" لقب احترام يطلق عادة على المثقفين من كتاب وشعراء ومحامين وغيرهم..."، فلماذا اقتطع الحاج جزء من التعريف اللغوي للقب "أستاذ"؟، ولماذا خشي صاحبنا من ربط "أستاذ" ب"المحامين"؟، ألا يدخل هذا في باب خيانة الأمانة العلمية ، أو من باب "من شر ما حسد"؟.
ومن حيث المبدأ لا يُمنح لقب "أستاذ" للمحامي من باب المجاملة أو التفضيل أو الميز، لأن ذلك يتنافى مع قواعد مهنة المحاماة القائمة أصلا على مناشدة المساواة والعدالة، ونبذ عدم التكافؤ، لكن المحاماة هي المهنة الوحيدة المتفردة بطابع شامل ممتد يكاد يكون لا متناهيا، فإذا كان مجال الطبيب محصورا محددا شأنه شأن المهندس والخبير و العدل والموثق والمفوض القضائي وإمام المسجد وغيرهم ، فإنه لا سياج يسيج مجال اشتغال المحامي ولا عذر له في التفريط في ذلك، فيفترض في المحامي الإلمام بجميع القوانين المنظمة لجميع المهن والوظائف والأنشطة، فهو يقاسم الطبيب في مجال تخصصه على المستوى القانوني ويدخل معه إلى غرفة العمليات بحثا عن الخطأ من الصواب، ويشاطر المهندس في تصاميمه تنقيبا عن سلامة البناء، ويطير مع ربان الطائرة ورائد الفضاء تحديدا للمسؤوليات، ويرافق الجنرال والضابط والعقيد والجندي الى داخل الثكنة بغية ضبط الاختلال المنسوب لموكل من موكليه من هؤلاء، وهو مطلع على القانون المنظم لمهنة القضاء وجميع مساعدي القضاء، وكتابة الضبط وعموم الموظفين والنساخ والمحافظين العقاريين، وذلك المنظم لأسلاك الشرطة بمختلف رتبها، وقوانين البيئة والماء والمقالع والمناجم والمرشدين السياحيين والأطفال المهملين، وقوانين عقل السفن وبيع الطائرات، وحدود المجالات الجوية والبحرية والبرية للدول وما يجمعها من اتفاقيات، وحتى قواعد الحروب وما يحكمها من قواعد واتفاقيات مرتبطة بأنواع الأسلحة المحظورة، وهو المتضلع في مواد الدستور لضبط هياكل واختصاصات المؤسسات والمجالس الدستورية، وهو المتصدي لكل شطط صادر عن الدولة أو عن إداراتها ووزاراتها، وهو المطلع على أركان العملية الانتخابية وما يحكمها من قوانين وما ينسفها من خروقات، وهو العالم بقوانين الأحزاب والنقابات والجمعيات والتعاونيات، دون إغفال القوانين الأكثر حضورا في حياة المحامي المهنية بداية من القانون الجنائي ومسطرته الجنائية والمدني ومسطرته المدنية ومدونة الأسرة ونهاية بالتجاري والعقاري والحالة المدنية والاجتماعي ...، ولا يستوجب من المحامي مجرد امتلاك هذه الترسانة بل يتوجب عليه الإلمام بكيفية توظيفها داخل الآجال القانونية التي تحكمها، وطبقا للشروط الشكلية التي تستلزمها، وأمام الجهة المختصة قانونا في ذلك، كل ذلك باستقامة وتواضع وتجرد وحنكة وذهاء وذكاء وتمكن من شدة الخطابة ودقة التعبير، فلو أن قمرا اصطناعيا سقطت شظاياه فوق مدينة فأحدثت ضررا، فوحده المحامي من يمكنه رفع دعوى تحديد المسؤولية وجبر الضرر ضد المقصر، لذلك لم يكن لقب "الأستاذ" إنعاما أو منحة للمحامي بل تقديرا وتكليفا لجسامة وثقل ما يحمله المحامي من معرفة وإدراك وإطلاع وعلم وأسرار، فلينظر من يزاحم المحامي في لقب "أستاذ" ويلصقه باسمه غصبا وعنادا في أي مجالات غزيرة هو ماهر حاذق متمرس ؟...   
 أمام إصرار"الحاج"على أن ينسب لنفسه لقب "أستاذ" رغم علامة المنع القضائي، فلم يبق لصحابنا من حق في "الأستاذية" سوى بمفهومها الفارسي ـ إن صحت روايته ـ ، أو ذلك اللصيق ب"الكوامنجية" الذين زاحمهم في "أستاذيتهم"...لأنه فعلا زمن "الكوامنجية" و"بلاميزان".