الأحد 20 سبتمبر 2020
كتاب الرأي

جبران خليل: انفجار ميناء بيروت أم انهيار نظام

جبران خليل: انفجار ميناء بيروت أم انهيار نظام جبران خليل

أحداث التاريخ الكبرى لا تحصل فجأة ودفعة واحدة ، كما نتصور، بل هي أحداث رغم جسامتها وتأثيرها القوي على ما بعدها، تقع على دفعات وبالتقسيط. لها مقدمات قد لا تكاد تبين ثم تشرع في التطور والنمو شيئا فشيئا تحت السطح دون ان تثير الانتباه،إلى أن تأتي اللحظة،وقد تكون ثانية أو أقل، التي تتزحزح فيها تلك الحصاة الصغيرة عن مكانها كي تسبب الانهيار العظيم.

فانفجار ميناء بيروت يوم رابع غشت الجاري، الذي اصطفت أسبابه الواحد تلو الآخر منذ أن تم تخزين أطنان من أكياس "نيترات الأمونيوم" الخطيرة في سنة 2014 بالعنبر رقم 12 بالميناء إلى أن حصل الانفجار المريع بعد ست سنوات،هذا الانفجار الكبير على جسامته وخطورته،لم يكن ليزعزع نظاما قويا مبنيا على قواعد متينة وراسخة، لكن نظاما مثل النظام اللبناني المبني على المحاصصة الطائفية والصراع السياسي النخبوي اللذين شكلا أرضا خصبة للفساد، جعلت من هذا الحدث سببا في خروج عشرات الآلاف من الشباب والأقل شبابا من المحرومين إلى الشارع في مظاهرات تطالب بكنس الطبقة السياسية الفاسدة و إلغاء النظام الطائفي.

لكن هل تتمكن هذه المظاهرات من هدم وتغيير نظام توافقت على بقائه قوى دولية وإقليمية رغم هشاشته وفساده؟ ذلك هو السؤال.

 

الموت في الميناء:

حين كانت البواخر التجارية الكبرى ترسو بميناء بيروت المتوسطي، وحين كانت الرافعات تشحن السلع والبضائع او تنزلها، وحين كان رجال الشرطة والجمارك يقومون بعملهم وحين كان العتالون (الحمالون) يتحركون ويمشون إلى جانب العنبر أو المخزن رقم 12 أو داخله،لم يكن أحد من هؤلاء جميعا يدري أو يشك للحظة أنه يتحرك ويمشي جنبا إلى جنب مع الموت كل ساعة من ساعات الليل والنهار منذ سنة 2014.

ففي هذه السنة وصلت إلى ميناء بيروت باخرة تجارية تحمل علم مولدافيا متوجهة بحمولتها الخطيرة إلى الموزمبيق بجنوب القارة الإفريقية.

قبل بضعة أشهر من ذلك التاريخ، وبالضبط في الثالث والعشرين من سبتمبر 2013 أبحرت سفينة روسية قديمة تسمى "ام في روسوس" تحمل علم مولدافيا، منطلقة من احد موانئ جورجيا في اتجاه ميناء "بيرا " بالموزمبيق محملة ب 2700 طن من "نيترات الأمونيوم". وفي رحلتها التي من المقرر ان تدوم حوالي ستة اشهر، توقف طاقم هذه الباخرة التجارية بميناء إسطنبول التركي لمدة يومين قبل ان تواصل رحلتها يوم ثالث أكتوبر 2013 في اتجاه الموزمبيق. إلا انها اضطرت إلى التوقف في ميناء بيروت في 21 نوفمبر من السنة نفسها بسبب عطب أصاب محركها. وفي بيروت، تبين ان الباخرة تعاني من عدة أعطاب وعيوب تمنعها من الإبحار. وعقب فترة من الزمن توالت فيها الدعاوى والشكايات، أعلن مالك السفينة إفلاسه وتخليه عن السفينة بما حملت.

ومن ثمة فقدت الجهة المستوردة للشحنة وهي "شركة موزمبيق لصناعة المتفجرات" اهتمامها بها لأنها لم تكن قد دفعت ثمنها واقتنت شحنة أخرى، وأصبح موضوع الشحنة وكأنه لم يكن.

وبعد عام تقريبا،سمح قاضي الأمور المستعجلة ببيروت بتفريغ الشحنة الخطيرة من الباخرة ثم تخزينها بالعنبر (المخزن) رقم 12 بالميناء، كما سمح بنفس المناسبة للطاقم ، الذي ظل محجوزا لمدة عام تقريبا في السفينة ،بالعودة إلى بلدانهم لأسباب إنسانية.

ومنذ ذلك الحين لم يعد يسمع شيء عن الشحنة الخطيرة ومصيرها إلى ان سمع العالم أجمع بانفجارها قبل أيام. إلا أنه وبعد الشروع في التحقيقات وتحديد المسؤوليات، تبين أن مسؤولي الجمارك بالميناء قد نبهوا كتابة وفي مراسلات متكررة سنوات 2014 و 2015 و 2016 و2017 إلى القضاء يطالبونه خلالها بإصدار حكم مستعجل " بإعادة تصدير هذه الشحنة بصورة فورية إلى الخارج حفاظا على سلامة المرفأ والعاملين فيه، أو النظر بالموافقة على بيع هذه الكمية إلى الشركة المعتمدة في قيادة الجيش اللبناني". وعلى كل حال فإن التحقيقات ستكشف عن وقائع وخبايا أخرى، وقد يظهر المسؤولون الحقيقيون عن هذه الكارثة ليتبين ما إذا كان الأمر يتعلق بتقصير جنائي أم بعمل إجرامي متعمد.

 

درس تيط مليل المغربي:

يذكر البيضاويون من سن معين حدث انفجار "دار البارود" بتيط مليل ضاحية الدار البيضاء في منتصف ستينات القرن الماضي، وهو ما اخرج سكان العاصمة الاقتصادية ليلا من منازلهم معتقدين انه زلزال عنيف. ثم تبين أن الأمر يتعلق بانفجار شحنة كبيرة من البارود كانت تخزن في مصنع مدني للبارود بتيط مليل، وكان مسموحا آنذاك بصنع وتخزين هذه المادة المتفجرة لأغراض مدنية مثل تفجير المقالع الصخرية او للاستخدام في التبوريدة.

إلا أنه وبعد هذا الحادث، وخاصة بعد المحاولتين الانقلابيتين في بداية السبعينات ضد الملك الراحل الحسن الثاني،أصبح أي نوع من المتفجرات يخضع تخزينه ونقله لترخيص مباشر من القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، ولم يعد أمره متروكا للشركات المدنية بل أصبح الجيش هو المشرف على جميع أنواع المتفجرات.

و"نيترات الأمونيوم" الذي أحدث انفجار ميناء بيروت، يعتبر واحدا من أخطر المركبات الكيماوية تفجيرا، إذ تبلغ قوته التفجيرية ستة أضعاف القوة التفجيرية ل "تي إن تي" . فهو مركب كيماوي يستخدم أساسا في صناعة المتفجرات المستعملة في المشاريع الهندسية الكبرى ، كما يستخدم في تركيب الأسمدة نظرا لمحتواه العالي من النتروجين.

ولذلك فإن تجارته وتسويقه لا يخضعان لقواعد قاسية ولكن تخزينه ونقله على العكس من ذلك يخضعان لضوابط صارمة لعل أهمها نقله على شكل شحنات بعيدة من مصادر الحرارة أو اللهب وتخزينه في عنابر خاصة بعيدة عن المناطق الآهلة بالسكان ومبنية بشكل يقلص من قوة الانفجار إذا وقع ، وهي قواعد يعرفها ويطبقها المهندسون في تصاميمهم لهذا النوع من المخازن.

لكن الذي حدث في بيروت هو أن الكمية المخزونة من هذه المتفجرات كمية هائلة حيث بلغت 2750 طنا، وصل دوي انفجارها إلى كل من إسرائيل وسوريا واليونان و إلى قبرص التي تبعد ب240 كيلومترا عن مركز الانفجار. كما أدى الانفجار إلى قلع النوافذ وتخريب المكاتب في مطار رفيق الحريري البعيد بتسعة كيلومترات عن الميناء، واحدث حفرة بعمق 43 مترا وأحدث ضررا جسيما بالبنية التحتية في دائرة قطرها حوالي عشرين كيلومترا ،إضافة إلى ما يناهز 200 قتيل و 6000 جريح و250 ألف دون مأوى.

وعلاوة على ضخامة هذه الشحنة فقد تم تخزينها في ظروف عادية لم تحترم قواعد الأمان الدنيا التي تتطلب إبعادها عن مصادر اللهب, والميناء _ أي ميناء_ غير مؤمن أو آمن من اللهب. أما الخطيئة الكبرى فهي تخزينها في مدينة ذات كثافة سكانية عالية.

لهذه الأسباب مجتمعة ،وبالنظر للأزمة الاقتصادية الخانقة التي أوصلت معدل البطالة في البلاد إلى 30 بالمائة من اليد العاملة النشيطة، وبسبب الفساد السياسي العارم، خرج عشرات الآلاف من اللبنانيين شبابا وأقل شبابا في مظاهرات عارمة تدعو إلى كنس الطبقة السياسية وإلغاء النظام الطائفي الذي تستند له هذه الطبقة السياسية الفاسدة.

فما هو هذا النظام وهل من الممكن الثورة عليه وتحطيمه وبناء بديل عنه؟

كلكن يعني كلكن:

هذا الشعار رفع في مظاهرات سابقة بلبنان، ومعناه أننا لا نريد أيا منكم فكلكم فاسدون أو كما يقال في المثل العربي ، ليس في القنافذ أملس. وقد تم رفع الشعار نفسه مرة أخرى في أعقاب انفجار الميناء، إلى جانب شعارات أخرى ضد الطائفية السياسية.

فما هو هذا النظام الطائفي.

إذا شئنا الاختزال، نقول انه حين يولد الطفل اللبناني في بلده يعرف والداه، ويعرف هو أيضا حين يكبر، أن سقف طموحاته محدد بانتمائه لأي طائفة. فحين يصير هذا الطفل شابا ويكون منتميا لعائلة أشورية أو أرمنية أو كلدانية أو درزية، فلا يمكنه ان يحلم ابدا بأن يتولى منصب رئيس الدولة أو رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب مهما بلغ دهاؤه السياسي ونبوغه الثقافي وثروته المالية ، لسبب بسيط هو ان النظام قد حدد هذه المناصب لأبناء طوائف أخرى.

ويعود هذا الدستور غير المكتوب إلى سنة 1943 عقب الاستقلال عن فرنسا،وهو اتفاق عرفي سمي بالميثاق الوطني تم التوافق عليه أساسا بين رجلين وطنيين هما بشارة الخوري المسيحي ورياض الصلح المسلم. ومفاد هذا الاتفاق غير المكتوب هو ان يتولى منصب رئيس الجمهورية مسيحي ماروني (ليس أي مسيحي) ويتولى رئاسة الحكومة مسلم سني فيما يتولى منصب رئيس مجلس النواب مسلم شيعي على ان يتم انتخاب رئيس الجمهورية من طرف النواب.

والنواب أنفسهم ،يتقاسمون المقاعد مناصفة (64 نائبا مسيحيا ومثلهم من المسلمين) فيما توزع حصص الفريقين على مختلف الطوائف الدينية المندرجة تحت إحدى الديانتين.

ولا يقتصر هذا التوزيع الطائفي على المناصب الثلاثة السامية بل إن جميع الوظائف العليا مقسمة بالمحاصصة بدءا من الوزارات إلى الوكالات وقيادات الجيش وغيره.

لذلك فإنك تجد وظائف لهذه الطائفة وتجد طائفة أو طوائف محرومة من وظائف بعينها لا لشيء إلا لأنها ولدت في الطائفة الخطأ.هذا هو حال المواطنين على المستوى السياسي أما على صعيد الأحوال الشخصية فقد ترك لكل طائفة دينية تنظيم أحوالها الشخصية من زواج وطلاق وميراث...إلى شيوخها ورؤسائها الدينيين .

وقد بني توزيع الحصص هاته على أساس نسبة كل طائفة من الطوائف من العدد العام للسكان. وهو العدد والنسبة اللذين تم استخراجهما من الإحصاء العام لسنة 1932 ، وهو آخر إحصاء عرفه لبنان ويتفاداه زعماء الطوائف منذ ذلك الوقت خشية زحزحة التوافق الهش المبني منذ تسعة عقود .

هذا النظام الفسيفسائي لم يمنع البلاد من الدخول في حرب أهلية دموية استمرت لخمسة عشر عاما (1990-1975) وانتهت باتفاق جديد أعاد نسخ النموذج الطائفي مع بعض التعديلات الطفيفة التي أملتها موازين القوى الجديدة، دون التخلي عن مبدأ المحاصصة ، فباستثناء إقرار المناصفة البرلمانية بين المسلمين والمسيحيين وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، بقيت كل الأمور الأساسية بدون تغييرمثل الاحتفاظ بخانة الديانة في بطاقة التعريف الوطنية، الى غاية 11فبراير2009 حين قررت وزارة الداخلية الإقرار بحق أي مواطن يطلب حذف خانة الديانة من بطاقة هويته، اما الذين لم يطلبوا فتبقى ديانتهم ملتصقة بهويتهم أينما حلوا وارتحلوا.

تلك نبذة مختزلة جدا عن النظام الطائفي بلبنان والذي يدعو كثير من اللبنانيين إلى إلغائه واستبداله بنظام ديمقراطي قائم على الكفاءة لا على الانتماء، فهل يتمكنون من ذلك؟

للإجابة السريعة على هذا السؤال ،يمكن ان نقول ان هذا الهدف لا زال بعيدا لسببين داخلي وخارجي.

أما السبب الداخلي فهو عدم نضج وظهور قيادات وطنية فوق طائفية تستقطب الحراك الشعبي المتمرد،لا الثائر،بسبب الازمة الاقتصادية الخانقة وانعكاساتها الاجتماعية المفقرة.

ويمتح السبب الخارجي أهميته من كون لبنان ككيان هو في الأصل صنيعة خارجية لتكسير الشام الكبرى من جهة وليبقى موطئ قدم دائم لفرنسا في الشرق الأوسط من جهة ثانية (وما زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون لبيروت غداة الانفجار وتصرفه كحاكم للبلاد إلا دليل على ذلك) إضافة إلى الوضع الإقليمي للبنان الذي يجعل منه رقعة تتجاذبها قوى إقليمية مختلفة ومتناحرة ومن تجاذبها هذا يعيش لبنان توازنه الحالي.

اما السبب الأخير فهو إسرائيل. فإسرائيل تريد للطائفية أن تستمر دوما لأن نجاح أي نظام ديمقراطي مدني فوق طائفي ، يعني ان النموذج الذي يطالب به عرب 1948 في إسرائيل ، أي إقرار الدولة الوطنية اللادينية وإلغاء اليهودية كدين رسمي لإسرائيل، هو نموذج قابل للحياة وللتطبيق. لذلك فإن إسرائيل تبذل الجهد الجهيد والعرق الصبيب لإبقاء النظام الطائفي قائما في لبنان.