الجمعة 14 أغسطس 2020
كتاب الرأي

شفيق جواد: الجماعة أولا، الجماعة دائما.. الوطن لماما..

شفيق جواد: الجماعة أولا، الجماعة دائما.. الوطن لماما.. شفيق جواد

أكدت طريقة ومخرجات معالجة العدالة والتنمية لواقعة، فضيحة، خطيئة، جريرة، مخالفة، جريمة، مصيبة الرميد (وزير حقوق الإنسان)، وأمكراز (رئيس المجلس الإداري للصندوق الوطني للضمان الاجتماعيCnss )، وقبلها لوقائع كثيرة كانت آخرها واقعة السيدة ماء العينين، عن الجوهر المكنون لهذه الجماعة الدينية "الإسلامية" التي لا دين ولا ديدن لها إلا الحفاظ على لحمتها ووحدتها أيا كان الثمن ولو كان وطن... وأقله صورته وصيته وسمعته.

 

جميعنا يذكر بأن السيد الرميد فارس لجنة النزاهة والشفافية بحزب العدالة والتنمية كان أول المتصدين لحق السيدة ماء العينين الطبيعي في أن تتصرف في جسدها وعيشها وملبسها كما تشاء، مادامت محترمة لتعاقداتها السياسية مع ناخبيها وحزبها كما رددت هي نفسها غير ما مرة إبان "حرب الصورة" التي شنت عليها.

 

كان الوازع الوحيد الذي أعلنه الرميد غير ما مرة وهو يطارد زميلته ويقيم لها محاكمته الطالبانية ويجرها إلى لجنة "الشفافية والنزاهة" المفترى عليهما، هو حماية الصورة الدينية، قولا ومظهرا، التجارية حقيقة،  للجماعة والحزب من الخدش، وبذلك ارتقى الحجاب (بما يسبغه من مظاهر وما بجنيه من مغانم) إلى مراتب الرأسمال الرمزي المربح الذي لا يجوز التفريط في فلس منه، وإلى مراتب مقدسات وثوابت الجماعة،... وبذلك انتصرت الصورة على أمينة، وعلى الحرية الشخصية، وانتصرت الجماعة لصورتها/ رأسمالها، وتأكد مرة أخرى بأن كل ما رددوه عن مراجعات تدخلهم نادي الأحزاب السياسية المدنية والديمقراطية... هو تمويه وتلبيس ليس إلا... والجماعة الدينية بكل مقومات لاهوتيتها هي الأصل والرحم و يستحيل أن يسمح كهنة المعبد لأي فرع متفرع عن الجماعة أيا كانت مرتبته أو شأنه بـ "اقتراف" ما قد يشوش على "طهرانية" مزعومة لصورة الجماعة، ولو كان ما اقترف حقا شخصيا خالصا. وعكس ذلك تماما ما حصل مع الفضيحة الحقوقية والإنسانية والسياسية والدستورية والاجتماعية التي ارتكبها الرميد وأمكراز وسقطت في براثنها صورة بلد بكامله.

 

إن خطورة ما وقع لا تكمن في أنهم يقولون ما لا يفعلون، وذلك أكثر ما يمقته الله تعالى، ولكن في كون مقترفي الفضيحة والمعنيين بها هما شخصان عموميان مؤتمنان على حقوق الإنسان وعلى حقوق الشغيلة والأجراء وطنيا، وهما واجهة المغرب الحكومية لدى وفي المحافل الدولية (مجلس حقوق الإنسان، منظمة العمل الدولية....) ولذلك لا يستقيم مطلقا، أخلاقيا وسياسيا وحقوقيا و"إسلاميا" أن يصدر عنهما ما صدر، وأن يجد لهم إخوانهم في الأمانة العامة مسوغا لما اقترفوه دون أي اعتبار لصورة المغرب ومؤسساته وتراكمه الحقوقي.

 

لقد نزل بلاغ الأمانة العامة للعدالة والتنمية حول الواقعة/ الفضيحة بردا وسلاما على من وثقوا بحسن نية بإمكانية تحول العدالة إلى حزب سياسي عصري ومدني وديمقراطي ووطني... وتأكد بأن صورة ووحدة الجماعة/ الحزب أهم من وحدة وصورة أي شيء آخر... ولو كان وطنا.

 

إن المنطق والعقل والأخلاق والوطنية يفترض في مثل هكذا قضايا أن ينتصر الناس لوطنهم ووطنيتهم، لقد عشنا وشهدنا وقرأنا عن وزراء ورؤساء حكومات في دول قريبة وبعيدة، أقيلوا أو استقالوا لهفوات وفلتات أقل بكثير مما ارتكبه الرميد وأمكراز، بل إن مجرد شبهات كانت تضع حدا لمسؤوليات بعضهم. ويذكر التاريخ أن وزيرا اشتراكيا فرنسيا انتحر لمجرد شبهة... وكل ذلك حماية لشرف المسؤولية ونبل مقاصدها وحماية لصورة الوطن من الخدش، بمنطق أن الوطن وسمعته وصيته وصورته أكبر من أي مسؤول أو وزير، وأولى من صورة أي شيء آخر.

 

إن اختيار قيادة العدالة والتنمية الانحياز التام لوزيريها ولخرقهما للقانون بكل "شفافية ونزاهة"، وانحيازها للحمتها الداخلية وجماعتها/ "دولتها الخاصة"، ولو على حساب صورة المملكة ومصلحتها العليا وصورتها أمام الأنام والعالم هو تعبير آخر عن الحقيقة السياسية العارية لهؤلاء، حقيقة أنهم جماعة دينية منغلقة.

 

حقيقة أنهم ليسوا حزبا سياسيا كما هو متعارف عليه، حقيقة أنهم يستطيعون التضحية بكل شيء إلا بصورتهم ووحدتهم، حقيقة أن علاقتهم بالتشريع الوضعي هي علاقة مداراة ومحاباة وليس قناعات، حقيقة أن وزراءهم وممثليهم داخل مختلف المؤسسات يخضعون لمنطق الجماعة وليس لمنطق الدولة، وحقيقة أن ما يقولونه شيء وما يمارسونه شيء آخر...

 

ولأن للبلاد دستور يحميها ومؤسسات تسهر حقيقة على سمعتها ووحدتها والسير الحسن لمؤسساتها، ولأن سلطة الاقتراح (رئيس الحكومة) قد أخلفت موعدها مع الانتصار للوطن وصورته، فإننا نعول كثيرا على سلطة التعيين (جلالة الملك) للتدخل والحسم وإبعاد الرميد عن حقوق الإنسان وفصل أمكراز عن حقوق الأجراء حماية لصورة البلاد ومؤسساتها وقوانينها من العبث..

 

وفي انتظار ذلك لنذكر لعل الذكرى تنفع "أتامرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب، أفلا تعقلون" صدق الله العظيم.

 

جواد شفيق، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية