الأحد 27 سبتمبر 2020
كتاب الرأي

عبد الرزاق الزرايدي بن بليوط: هذه دلالات المبادرة الملكية في إفريقيا لتدبير جائحة كورونا

عبد الرزاق الزرايدي بن بليوط: هذه دلالات المبادرة الملكية في إفريقيا لتدبير جائحة كورونا عبد الرزاق الزرايدي بن بليوط
"افريقيا مطالبة اليوم بأن تضع ثقتها في إفريقيا"، إنها عبارة من خطاب ملكي خلده التاريخ المعاصر من ذهب، لن ينسى بسرعة والمجتمع الدولي يجتاز أكثر الكوارث العالمية قساوة بالإنسانية جمعاء، سيسجل تاريخنا المعاصر بمداد من الفخر والاعتزاز، الموقف البطولي والمتفرد عالميا للملك محمد السادس، وهو يؤكد اليوم على أهمية العمق التضامني بين أبناء القارة السمراء في الوقت الذي تعتصر قلوبنا ألما وحرقة ونحن نشاهد حروبا طاحنة بين دول متقدمة كبرى، فقدت بريق قيمها الإنسانية في التعاون والتآزر، بعد أن عبرت على استعدادها التام لفعل أي شيء حتى تستأثر بمستلزمات صحية وتحصل عليها من دون تفكير في غيرها من الدول والشعوب النامية أو الفقيرة.
وسط هذا المشهد المحزن، سيسجل الملك محمد السادس، موقفا إنسانيا تاريخيا وبطوليا تجاه القارة الإفريقية، فعلى الرغم من اللحظات العصيبة التي تمر بها البشرية، هاهو صاحب الجلالة، يقترح إطلاق مبادرة بين رؤساء الدول الإفريقية، تروم إرساء إطار عملياتي بهدف مواكبة هذه البلدان في مختلف مراحل تدبيرها لجائحة كورونا، لتقاسم التجارب والممارسات الجيدة لمواجهة التأثيرات الصحية والاقتصادية والاجتماعية لوباء كوفيد 19، حين أجرى جلالته يوم الاثنين الماضي، اتصالين هاتفيين على التوالي، مع كل من ألاسان درامان واتارا، رئيس جمهورية كوت ديفوار، وماكي سال رئيس جمهورية السنغال.
سيكون من الصعب، ونحن نتابع بامتعاض كبير، بعضا من دول العالم التي كانت تدعي دفاعها عن قيم التسامح وبناء أواصر العيش المشترك، وتخفي زيف شعاراتها الرنانة و تتصارع بأنانية مفرطة، أن نفهم مقاصد المبادرة الملكية من قلب هذا المشهد الأليم، ما لم نقف بعمق ونسبر أغوار مراميها وأهدافها.
لقد آثرنا على أنفسنا في مركزنا الاستشرافي، أن نظهر للعالم أجمع الأبعاد الملكية السامية لهذه المبادرة الافريقية التي ستخلد في التاريخ الديبلوماسي للعالم بكل فخر. وحتى نفهم دلالتها وأبعادها لنعد قليلا بآلة الزمن إلى الوراء، ونحط الرحال بأبيدجان، عاصمة كوت ديفوار، قبل ستة سنوات من الآن، وتحديدا في فبراير 2014، حتى نفهم أبعاد المبادرة الملكية، حين أعلن الملك محمد السادس، في الخطاب الذي ألقاه، في أبيدجان، خلال حفل افتتاح المنتدى الاقتصادي المغربي الإيفواري، عن طرحه لنموذج مبتكر وأصيل للتنمية في إفريقيا، يقطع مع النماذج والتصورات التي كانت تأتي، منذ ستينيات القرن الماضي، لبين أن أول العناصر التي يقوم عليها هذا النموذج التنموي هو أن تتخلص إفريقيا من رواسب الماضي، وأن تستعيد ثقتها في إمكاناتها ومواردها، وفي ما تزخر به من كفاءات بشرية متوثبة.
ومن هنا، شدد جلالة الملك على أن إفريقيا "لم تعد قارة مستعمرة"، بل قارة حية، ليست في حاجة لمساعدات إنسانية، بقدر حاجتها لشراكات ذات نفع متبادل ولمشاريع التنمية البشرية والاجتماعية.
فإذا كان القرن الماضي، يقول جلالة الملك، بمثابة قرن الانعتاق من الاستعمار، بالنسبة للدول الإفريقية، فإن القرن الحادي والعشرين ينبغي أن يكون قرن انتصار الشعوب على آفات التخلف والفقر والإقصاء، ومواجهة العديد من التحديات التي تهدد الاستقرار السياسي في إفريقيا، وتعيق النمو الاقتصادي والاجتماعي بها، من خلال التعاون والتضامن بين الشعوب الإفريقية، واحترام سيادة الدول ووحدتها الترابية. كما أن إفريقيا -يضيف خطاب جلالة الملك - "مطالبة بالاستفادة من كل الطاقات التي تزخر بها، دون أن تعيش في عزلة عن العالم. ومن هنا، فهي مدعوة لمضاعفة الشراكات المثمرة مع الدول المتقدمة، التي تبدي اهتماما دائما، والتزاما صادقا، وانخراطا ملموسا، من أجل الازدهار الاقتصادي لإفريقيا، وتنميتها البشرية". كما أكد جلالته أنه إذا كانت إفريقيا ستواصل، في إطار انفتاحها، تطوير علاقاتها المثمرة مع الدول التي تربطها بها أواصر تاريخية عميقة، وتجمعها بها الكثير من عناصر التقارب والانسجام. فإنه من الضروري، أن تتم، في الوقت الراهن، "مواكبة هذه العلاقات، بعمل يتسم بالمصداقية وبالالتزام القوي. ذلك أنه لا مجال للحديث عن المكاسب الثابتة، أو عن المعاقل الحصينة، التي هي حكر على أحد دون غيره، فقد أصبح من الوهم الاعتقاد بعكس ذلك".
ومن منظور جلالة الملك قبل ستة سنوات، فإن "التعاون الذي كان يقوم سابقا على روابط الثقة والوشائج التاريخية، أصبح اليوم يرتكز، أكثر فأكثر، على النجاعة والمردودية والمصداقية"، ذلك أن "النجاعة تعطي ثمارها على الدوام. كما أنها تعد الضمانة الحقيقية لبلوغ نتائج ملموسة، وتحقيق تطور قابل للقياس، واكتساب القدرة على الاستجابة للتطلعات، فضلا عن كونها تكفل الجودة، وتسهم في ترسيخ الثقة"، فيما تقتضي المصداقية "تسخير الثروات التي تزخر بها قارتنا، في المقام الأول، لصالح الشعوب الإفريقية. وهو ما يستوجب وضع التعاون جنوب-جنوب، في صلب الشراكات الاقتصادية بين بلدانها".
ومن هنا شدد جلالة الملك على أن إفريقيا مطالبة، اليوم أيضا، بالاستفادة من الفرص التي يتيحها التعاون الثلاثي، كآلية مبتكرة، لتضافر الجهود والاستثمار الأمثل للإمكانات المتوفرة. وأعرب جلالة الملك، في هذا الصدد، عن استعداد المغرب، الذي كان رائدا في هذا النوع من التعاون، "لجعل رصيد الثقة والمصداقية، الذي يحظى به لدى شركائه، في خدمة أشقائه الأفارقة، فمن واجبنا الجماعي أن نجعل من العولمة قوة إيجابية في خدمة التطور في إفريقيا. وهو ما يجعل من النمو الاقتصادي، والتبادل التجاري، والاندماج الإقليمي، مواضيع ذات مكانة جوهرية".
إن هذه المبادرة الملكية الحضارية والإنسانية، تجاه افريقيا، توضح بما لا يدع مجالا للشك، أن مايربط المغرب وجمعه مع دول القارة، أكثر مما يفرقه، ويتجاوز الاعتبارات السياسية والاقتصادية إلى الاهتمام أكثر بوحدة المصير المشترك، والتفكير بجد بكل الاعتبارات المبدئية والإنسانية، في الوقت الذي نرى فيه دول أوروبا وأمريكا تتباعد عن بعضها بسبب جائحة كورونا، وترفع شعار " نفسي- نفسي، ومن بعدي الطوفان".
عندما أشرنا سابقا ونحن نتحدث عن زمن ما بعد كورونا، من كوننا سنحتاج لوضع خطة مستقبلية تأخذ بعين الاعتبار الموقع الجيوسياسي والاقتصادي لمكانة بلادنا كمعبر أوربا نحو افريقيا، لم نكن نتحدث إلا من معطيات ومؤشرات حقيقية، جاءت المبادرة الملكية اليوم لكي تؤكد صوابية ما ذهبنا إليه، لأن رؤية الملك محمد السادس طموحة وغير مسبوقة في إفريقيا، لا محالة ستحدث قطيعة سريعة مع معادلات ونماذج التعاون التقليدية التي اعتدنا عليها، لكن ستتراجع أهميتها الجيوسياسية، لنكون ملزمين بتدشين شراكات جديدة افريقيا مبنية على تنمية مشتركة ذات قيمة مضافة، أساسها خلق ثروات يتقاسمها الجميع، بعيدا عن كيانات كانت إلى وقت قريب تدعي دفاعها عن مفاهيم ديمقراطية، تجعل من كرامة الإنسان طموحها الأول، لتجد نفسها بعد صدمة كورونا ضحية أنانيتها المفرطة.
حسب العديد من المتتبعين، فقد باتت إفريقيا قارة المستقبل دون منازع، بفضل ما تتوفر عليه من موارد بشرية وطبيعية، لأنها تزخر بإمكانيات هامة للتنمية المستدامة، بالنظر لحاجياتها المتعددة. فهي اليوم القارة التي تتوفر على أكبر مخزون من الطاقات وعلى رصيد متعدد الأبعاد يجب تثمينه واستغلاله في سبيل تحقيق التنمية البشرية المستدامة لشعوبها.
إن المبادرة الملكية ببناء جسور العيش المشترك لمواجهة جائحة كورونا، تستدعي وضع استراتيجيات تشاورية وتعبئة إمكانات جماعية وتطوير آليات مبتكرة، من أجل مواصلة مسيرتها الحثيثة نحو التقدم، معتمدة في ذلك على قدراتها الخاصة، لأن زمن التبعية للدول العظمى، قد ولى لغير رجعة، لتحل محله قيم أخرى تؤكد على أن إفريقيا تسير اليوم بكل تؤدة نحو مستقبل كله ثقة وأمان، حتى تحقق لنفسها فرصا جديدة للتنمية، وتعيد التوازن بين دول الشمال القوية باقتصادها ودول الجنوب الفقيرة، لأن وجه إفريقيا سيسطع مشرقا لا محالة بعد انجلاء وباء كورونا.
عبد الرزاق الزرايدي بن بليوط            
رئيس مجموعة رؤى فيزيون الإستراتيجية       
رئيس مكتب الغرفة الإفريقية البرازيلية بالمغرب